|
|
رأينا أن أهم صور الانتفاضة تظل ارادة الانسان الفلسطيني( داخل النص وخارجه), وهي الارادة التي تزيد من مرجل الغضب, وتسعي بامكاناتها الذاتية الي تحدي عدو غادر مدجج بأحدث ما أخرجته الترسانة الامريكية من الاباتشي والدبابات والمروحيات.. الخ. وبعد ان كان يردد ـ من قبل ـ المثل الفلسطيني( كف ما بتلاطم مخرز) اصبحنا الان نري ان الكف تلاطم المخرز بالفعل, وهو ما رأينا في الانتفاضة الاولي في نهاية الثمانينات وما نراه في الانتفاضة الثانية الآن.. فلنتمهل عند الانتفاضة الاولي( وانتفاضة الاقصي) لنري كيف يلاطم الكف المخرز ويصمد أمامه..
(2) رغم ضآلة فترة الانتفاضة الاولي( ثلاث سنوات علي وجه التقريب) اذا ما قورنت بالحقبة السابقة عليها, نستطيع العثور علي عديد من النصوص الروائية داخل الارض المحتلة, تلك التي تعبر عن هذا الواقع أبلغ تعبير, ومن أهمها هذان النصان: ـ زغاريد الانتفاضة لمحمد وتد ـ الجراد يأكل البطيخ لشحاتة راضي
ان المواجهة الفعلية عند محمد وتد تأخذ شكلا متحديا حتي لنري ان الجموع الفلسطينية تقابل جثة الشهيد( بزغاريد الانتفاضة), وهو ما يتردد في كثير من المواقف, يصيح الشيخ في المختار المتخاذل قائلا: ـ وتقول الخيط الحيط.. بعد ان قلت كف ما يتلاطم مخرز هل هذه شهادة المخترة. وتعود الكف العتيدة الصلبة تلاطم المخرز ـ بالفعل ـ في رواية( الجراد), بعد ان ييأس العدو من اعتراف الفدائي جابر علي زملائه, يصيح احدهم جزعا: ـ هدول كلهم نفس الشيء.. رأسهم يابس
إن أهم ما يلاحظ علي النص هنا ان البنية الحكائية فيه تأخذ شكل المتوالية بما يفيد حدوث تكرارها في أي زمن تال من ازمنة الانتفاضة منذ بدأت حتي انتهت.. وعلي سبيل المثال, نستطيع ان نقارن غضبة أهل رواية( زغاريد الانتفاضة) بأية قضية أخري فيما بعد. كذلك, فإن ما حدث داخل النص من اغتيال المتعاونين مع السلطة الحاكمة أو محاكمتهم هو مشهد مازال يتكرر حتي اليوم في الارض المحتلة حتي تنبهت القيادة الموحدة للانتفاضة لتكاثر حالات التصفية فراحت تحذر من الاغتيال قبل التحقق, وما نراه في هذه النصوص من أمواج الحجارة من الاطفال يتكرر خارجها حتي اليوم. ومن الصعب بمكان ان نحاول هنا الاشارة الي بعض حالات الانتفاضة دون غيرها, فهذه الصور تتكاثر وتتكاتف كل يوم بحيث يصعب التوقف عند واحدة منها دون أن تخطف ابصارنا غيرها, أو النظر بصورة مختلفة عن اعادة انتاج الدلالة في نص يعينه دون أن يخطف ابصارنا غيره, ومع ذلك, فسوف نشير هنا الي بعض هذه الصور ليدلنا الجزء علي الكل, ومن ثم, فإن اعادة تركيب الجزئيات يمكن ان يمنحنا تصورات واقعية حقيقية.. ومن هنا تتوالي صور الانتفاضة وتتعدد..
نتاج التراكم من البدهيات ـ كما اسلفنا ـ ان تراكم العمل الارهابي وتعدده ضد السكان العرب, انما يصنع ـ مع التوالي ـ التحرك التلقائي لما يحدث, وفي النصوص التي بين ايدينا نعثر علي عديد من هذه الممارسات, وهو ما يتنبه اليه الروائي حين يصور بريشته المرهفة هذه الملابسات, ان جابر اكثر الشخصيات حماسة وشجاعة في مواجهة التعذيب, يقول ملخصا ما يحدث: (يعني الانتفاضة أجت من العدم؟؟ هي تراكمات داخل كل واحد.. اضطهاد.. ظلم.. سجن.. جوع.. ضرايب.. هدم.. بيوت.. نفي.. قتل.. تعذيب.. مصادرة أراض.. الاسرائيليون بدهم ايانا نأكل لقمة الخبز ونظل عايشين ميتين. أكثر من هيك لأ).
وفي موضع آخر يقول عجاج اللداوي: ( ـ.. هذا النوع من الارهاب والضغط والمجازر هو اللي ولد بواكير المقاومة وعلي شأن هيك بدت المقاومة تأخذ شكلها الثوري من داخل المخيمات, صحيح أنها بديت بشكل عفوي, بس شوية شوية صاروا الناس يتأطروا داخل فصائلهم وتنظيماتهم). لقد تعددت صور التراكم ايضا, فلم تكن صناعة للداخل فقط, وإنما كان أيضا لما يحدث خارج فلسطين في الأقطار العربية, اذ كان العدو واحدا في جميع الحالات, ومن ثم, كان يؤدي العسف والارهاب دائما الي رد الفعل الانتفاضي..
مطر الحجر .. وقد تعود زائر الارض المحتلة في السنوات الاخيرة من رؤية مشهد مثير معركة غير متكافئة بين اطفال عزل, اللهم الا من الحجر, وجنود مدججين بأحدث ما في الترسانة الامريكية من سلاح, وهنا لا نستطيع اغراء نقل جزء من هذا المشهد الذي ينقله لنا محمد وتد في روايته.. لنقرأ: ( ـ.. اصطف في الدوار عدد من السيارات العسكرية.. الصرصور في المقدمة, وأصوات الرطن تنبعث من اجهزته. ظهرت في سماء الخربة طائرة مروحية... و...
هبطت من السماء موجة من الحجارة, تبعتها موجة اخري, قفز الجنود من الصرصور شاهرين اسلحتهم.. و.. كان اطلاق النار مستمرا..). وفي مشهد آخر يستبدل بالاطفال النساء: (.. تناولت عيوش حجرا وخمعت, الضابط.. تبعتها صبرية وصابر وتطيرت الحجارة في كل صوب.. و.. الحجارة تتطاير في السماء باتجاه الجنود.. الذين استأنفوا اطلاق النار)
وتتكرر هذه الصور وتتناثر في الأرض المحتلة, ويبرع في نقل الصور الواقعية صاحب( الجراد..) فالاطفال الصغر يسعون باحجارهم لتحضير الجو للكبار, في حصونهم داخل المخيم مع حجارتهم ومقاليعهم للانطلاق للمعركة, وينتظرون اشارة من عروة بعد أن ينجح في استفزاز الجنود.. وعلي هذا النحو, تبدأ المعارك بين طرفين غير متكافئين, لكنها, تبرهن علي ان الطرف الاضعف, صاحب الحجر, يظل اقوي من خصمه وأعتي.
الحجر كلينشكوف .. وهو ما نصل منه الي بدهية واحدة, هي, ان الصغار لا يعملون بمفردهم, وإنما يتحول الحجر والمقلع الي مولوتوف وكليشنكوف الحجر صار كليشنكوف. ومن هنا, تزداد حمية المعركة, حيث يبرهن الشعب الفلسطيني علي جدارته, في العيش بأرضه, اذ سرعان ما نكتشف, ان من يسقط يظل شهيدا, ويخرج لمقابلته ذووه( بالزغاريد), فكثيرا ما نشهد ارتباط الشهيد بالزغاريد, حتي اصبح ذلك, مشهدا مألوفا الآن في الأرض العربية تحت نير الاحتلال. ولا نكون في حاجة لندرك بسهولة ـ عبر التصور الفني ـ ان جراد شحاتة راضي لا يلبث ان يتزايد, فالجراد هنا هم( عامة الشعب) الذين يتصدون لهذا العدوان الجراد ـ وهو رمز مستعار ـ يتعرض للطائرات التي ترشه بالغاز للقضاء عليه, لكن هذا الجراد سرعان ما يكتسب مناعة ضد هذه الغازات فيمتص الغاز, ويتحول الي مخلوق اقوي في حالة خلاصة من هذا الشر, ومن ثم, يتحول من جديد الي كائن اقوي وأصلب في هذا المناخ المعادي له.
البوابة الأمريكية ونتيقن ـ عبر صورة أخري ـ ان الوعي الفلسطيني يصل الي اقصاه, وهو ما يبدو ـ علي سبيل المثال ـ في الموقف من الامريكيين لما يلعبونه من دور سييء لنصرة الصهاينة وامدادهم بكل ما يحتاجون اليه من مال وسلاح وتأييد, ثم لما يلعبونه من ضمان بقاء اسرائيل بالتحالف مع القوي الرجعية في المنطقة العربية. لقد ذهب تأييد الامريكيين للصهاينة الي حد استخدام حق النقض( الفيتو) من أجل هؤلاء المستبدين. وذهب تأييد الامريكيين للقوي الرجعية العربية الي حشد مئات الآلاف من الجنود والمعدات الحديثة للانتصار لبعض الشيوخ الذين يلعبون لعبة الامبريالية ضد شعوبهم العربية.
وفي هذا كله, لا يفوتنا أن نلحظ الفهم الحقيقي للدور الروسي.. لقد ادرك الانتفاضيون أن هذا الدور الروس لم يعد كما كان, فإذا أعلنت منظمة التحرير حكومة مؤقتة فسوف يأتي اعتراف الروسي خفيفا كندف الثلج في حين نلحظ أن مفاتيح الاستثمار الاقتصادي في المنطقة لا تمر الا عبر البوابة الامريكية مادام الحكام العرب يركبون نياقهم ويحاربون بسيوف الحجاز
ويكون علي انسان الانتفاضة ان يدرك أن الفرصة تكون سانحة للغرب لتمزيق العرب في حالة واحدة هي, حالة الفرقة التي نعيشها فالهزيمة, اتت ليس لان قدراتنا اقل من ارادتنا, لكن لان قدراتنا اقل من تماسكنا, وهو ما ادركته احدي نساء الارض المحتلة حين صاحت: ( ـ هم العرب لو انهم أيد واحدة كان ما عمر دولة أجنبية هزمتهم). |
|
|
|
|
|