الكتاب

41811‏السنة 125-العدد2001مايو28‏5 من ربيع الأول 1422 هـالأثنين

استنزاف آمال السلام
بقلم : د‏.‏ فوزي فهمي

أسقطت إيما الورقة‏.‏ كان انطباعها الأول هو شعور بالضعف في معدتها وفي ركبتيها‏,‏ تلاه شعور بالذنب الذي يعمي الأبصار‏,‏ واللاواقع والخوف‏,‏ ثم تمنت لو يحل اليوم التالي‏.‏ وبعد ذلك مباشرة أدركت أن تلك الأمنية كانت لا مجدية نظرا إلي أن موت أبيها هو الشيء الوحيد الذي كان قد حدث في العالم‏,‏ وأنه سوف يستمر في الحدوث بلا انقطاع‏.‏
ولأن العقل يطارد المجهول وغير المعهود‏,‏ ويعتقله تلمسا لتشخيص أسبابه‏,‏ لذا فإن صيغة عبارة أن موت الأب سوف يستمر في الحدوث بلا انقطاع‏:‏ هذه الصيغة في شمولها اللامحدود‏,‏ لا تتطابق والمعني المتداول للموت المعهود والمنقول والمكرور‏,‏ كما تربك فهمنا لحدث الموت كأشد حقائق العالم وضوحا ويقينا‏,‏ من حيث انتهاؤه فور حدوثه‏.‏ فالموت هو الفعل الذي لا يملك في الواقع صيغة الزمن المضارع‏,‏ وإنما فور وقوعه يملك الزمن الماضي‏,‏ وينقطع استمراره‏,‏ وليس له امتداد‏,‏ إذ تحاصره النهاية‏.‏ من هنا لا ينحصر سؤالنا عن سبب موت والد إيما فقط‏:‏ لكن عما يمنح موت الأب ــ بالنسبة إلي ابنته ــ دلالة استمراره‏,‏ وصفة عدم انقطاعه‏:‏ تري أهو فيض من الشعور الجامح بمقاومة الفراق يأسا وإحباطا‏,‏ بموجب وقع الصدمة النفسية الضاغطة علي إيما فتواري أمامها كل المتداول‏,‏ وتخلق لديها الالتباس في علاقاتها كلها بالعالم؟ وحتي لا نقيم علي أنفسنا شبهة الوقوع في الغموض‏,‏ حيث تحلق فوق العبارة أكوام ومراكمات من المستور‏,‏ لذا علينا أن نطاردهما بأن نستضيء بتعرف تسلسل الوقائع‏.‏

في البداية واجه والد إيما تهمة الاختلاس تلفيقا‏,‏ وكان وحده من يمتلك بنفسه لنفسه يقين البراءة‏.‏ لكن تحت وطأة آليات الفوضي‏,‏ وضيق محيط الثقة‏,‏ وانتشار الريبة‏,‏ وسيادة المصالح‏,‏ وتحت ضغط الهوان وشراسة الإدانة‏,‏ قد يلوح الحق المبتغي سرابا‏,‏ وقد تنمو لدي الأبرياء من الضحايا مشاعر جنون‏,‏ قد يحمل بعضها إرادة مواجهة التحدي‏,‏ ورفض الإذعان‏,‏ وإثبات الوجود‏,‏ باسترجاع الحق المسلوب‏,‏ وقد يحمل بعضها الآخر انطباعا مرعبا مفاده‏,‏ أنه من الخطر الاستمرار في البقاء والوجود في مناخ الفوضي‏,‏ الذي يفتقد عافية الضمير‏,‏ ويذعن بعشوائية المجازفات والمخاطر‏.‏ ولا شك أن هذه الصورة ــ بمنحاها الأخير ــ قد تبرر قرار والد إيما ــ المتهم زورا ــ بالرحيل عن وطنه مهاجرا إلي البرازيل‏,‏ إذ قد يكون ذلك هو خياره الوحيد الباقي‏,‏ وهو في ذاته يعد أرفع وأعلي ضريبة يدفعها‏,‏ فصحيح أن في مساحة الهروب قد يكسبه البعد حصانة‏,‏ وقد يحد من انهياره‏,‏ بل قد يصبح الهروب إحدي عتبات تهدئة جنونه‏,‏ وقد يبدو أيضا كفعل استنكار واعتراض وإدانة للفوضي وصانعيها‏,‏ لكن لا يجوز أن نتغافل عن تقدير محنة الرجل‏,‏ وماتستنفره من الأوجاع والارتباكات التي تنسف معمار حياته‏,‏ إذ عليه ــ في مساحة الهروب ــ أن يحقق من جديد إنتاج واقع‏,‏ وإيجاد سلاح‏,‏ وإبداع حياة‏,‏ منطلقا من معلوم باتجاه مجهول‏,‏ وبإيقاع لاهث‏,‏ مخترقا كل حد قائم‏,‏ كالموسي القاطعة التي تفصل بين الانفلات من الاتهام‏,‏ وبين التشابك مع الفوضي‏,‏ كانتحار يفقد فيه الرجل وجهه الحقيقي‏,‏ الذي يشوه بتهمة الاختلاس‏,‏ في مجتمع غير عادل‏.‏ هذا المجتمع أزاحه عن وجهه الحقيقي‏,‏ فدفعه الي أن يبارح موقعه ومكانته‏,‏ ويترك وطنة التاريخ والأمل‏,‏ فهاجر مرتحلا حتي يكون نفسه‏,‏ فإذ به في الغربة خارج نفسه في الآن ذاته‏.‏ فقد هويته ووجهه كذلك‏,‏ وأصبح مجهولا‏,‏ لا أحد يشهد عليه‏,‏ وهو غير شاهد علي أحد‏.‏ تحول في الغربة إلي محض واقع واحد‏,‏ هو أنه هارب لا تاريخ له‏,‏ وزمنه لا بدء فيه ولا نهاية‏.‏ خسر كل شيء‏,‏ ومحنته أنه لا يمكنه أن يعيد إنتاج ذاته‏,‏ وغدا بذلك يشغل مجرد موقع‏,‏ ولا يشغل مكانة‏.‏ وعلي الجانب الآخر‏,‏ وأستبقي هذا المجتمع نفسه‏,‏ اللص الحقيقي أرون لوينثال متبوئا مكانة لا يستحقها‏,‏ وشاغلا كيانا راهنا بوجهه الحقيقي‏:‏ وجه الزمن السابق والراهن‏,‏ كإفزاز للفوضي والاستخفاف بالحقائق والضمائر‏,‏ حيث يصبح ممتلكا مصنع النسيج الذي انتقلت إليه ملكيته‏,‏ بل استمرت إيما ابنة المتهم زورا‏,‏ تواظب علي العمل في مصنع اللص الحقيقي‏,‏ كإحدي صور التناقض‏.‏

تري‏,‏ هل كان شعور إيما بالذنب الذي يعمي الأبصار‏,‏ فور معرفتها خبر موت أبيها‏,‏ يلقي بظلال من الاتهام عليها‏,‏ استدعته لحظة التعرف‏,‏ لصمتها تجاه رحيله مهاجرا مقتلعا من أرضه‏,‏ لا يعرف له زمان ولا مكانة‏,‏ مجرد حطام تطارده غصة اتهامه الزائف‏,‏ وتكوي ذاته ــ حرقا ــ مشاعر الحنين إلي زمن سابق‏,‏ ودوام لحظات التعثر‏,‏ والإخفاق الحاضر في التواصل‏,‏ بل محنته بمساربها كلها‏,‏ في غربة كانت ــ في نهاية الأمر ــ انخلاعا قاتلا‏,‏ كما تكوي باللوم كل وجوه مجتمع الفوضي التي توارت عنه؟ تري هل سبب هذا الشعور بالذنب الذي يعمي الأبصار‏,‏ أنه فجأة انحشر في وجدانها ذلك المعني الذي يجسد انتحار أبيها في الغربة؟ إن انتحاره يعني انهيار امتداد زمانه‏,‏ وتبدد ذاته‏,‏ ومفارقته لما هو عليه‏,‏ وقطعه مع كل ما كان عليه‏,‏ حتي صار ما يلمسه لا يستوعبه‏,‏ وما يأكله لا يهضمه‏,‏ وأصبح تجاوره مع غيره لا يعني التعارف‏,‏ بل مجرد مواقع‏,‏ أقرب أو أبعد فالمسافة من المحال عبورها ليتم التواصل‏.‏
تري هل مارست إيما هذا الحفر في مشاعر الأب المنتحر‏.‏

واستحضرت واستنطقت المشهد المأساوي‏,‏ فخالجها شعور بمرارات الإحساس بالذنب الذي يعمي الأبصار في مواجهة هذه الفوضي‏,‏ التي كل ما لديها هو مجرد سلع مسروقة‏,‏ فاستعدت للانتقام للمفقود والغائب؟ لقد امتدت يد إيما فالتقطت قطعة الورق ودلفت إلي غرفتها‏,‏ وخبأتها خلسة في درج‏,‏ كما لو أنها تعرف مسبقا ـ بطريقة ـ معينة الحقائق الخفية‏,‏ ربما قد بدأت تشك فيها من قبل‏:‏ لقد أصبحت بالفعل الشخص الذي ستكون عليه‏.‏ في التعامل مع الفوضي التي لاتطاق‏,‏ وبالتواصل إلي صياغة حبكة نص مستور‏,‏ كوسيلة دفاع وانتقام‏,‏ نص متخيل لا يعبأ بالحدود المشروعة‏.‏ بل يمتلك شروط الإمكان‏,‏ لاختراق تلك الفوضي والاختلالات‏,‏ يسمح هذا النص المتخيل لايما بأن تخفي وجهها الذي يحمل سرها‏,‏ ويتيح لها أن تعايش وجها آخر تنقلت به‏,‏ بقصد بلوغ الحد والختام‏,‏ ولا تتعرض للقصاص وفق نص السيناريو المحبوك‏.‏
استحكم لدي إيما أمر الانتقام من أرون لوينثال‏,‏ لكن لعبة السيناريو المحبوك لاتبوح بالمقاصد‏,‏ التي تختفي وراء دقة إتقان الإجراءات‏,‏ وإحكام بناء الأسباب‏,‏ فتنجز الرغبة الحقيقية المستورة‏,‏ لكنها تتواري وتدفع إلي العلن بالرغبة المفتعلة المسلحة بمنطق الشواهد الدالة‏,‏ فتكون الإدانة عندئذ قاطعة وحاسمة‏.‏ وتلتصق التهمة بقدر مايصون السيناريو المحبوك توافر البراهين والشواهد والقرائن‏.‏ وعلي الفور‏,‏ وحين علمت إيما بانتحار أبيها‏,‏ بدأت في رنجاز سياق الشبكة المحكمة للأحداث المحبوكة في السيناريو المتخيل‏,‏ فمنحت نفسها ـ بسابق الإضمار ـ جنسيا لأحد البحارة لتفقد عفتها‏,‏ بعدئذ تتقاطر أحداث السيناريو المحبوك‏,‏ حيث يمتزج الواقع بالخيال‏,‏ فممارستها الجنس مع البحار ستؤمن للاتهام بلوغ تمامه‏,‏ إذ تتيح لإيما أن تلصق بـ ارون لوينثال تهمة الاغتصاب‏,‏ فتقتله دفاعا عن نفسها وانتقاما لشرفها المهان‏,‏ وبذلك تنقلب الأوضاع عند قراءة الأحداث‏,‏ ويصبح القتل المدبر ـ وفق السيناريو ـ والمشحون بالاحتشاد‏,‏ قتلا دفع إليه موقف الاغتصاب‏,‏ والدفاع‏,‏ وارتباك السلوك حالة الانخذال‏,‏ وتنجو إيما بذلك من القصاص عندما تدلي بأقوالها أمام هيئة القضاه‏.‏

واستكمالا لنص السيناريو المحبوك‏,‏ دبرت إيما لقاء خاصا مع أرون لوينثال ـ بوصفها شخصية السيناريو المتخيل ـ كأحد اختصاصي تحريات العلاقات الصناعية‏,‏ جاءت الي مصنعه تمارس بعض التحريات‏,‏ فالتقاها الرجل‏,‏ عندئذ تحققت لها لحظة تمارس بعض التحريات‏,‏ فالتقاها الرجل‏,‏ عندئذ تحققت لها لحظة المرور الأولي لرغبتها الحقيقية‏,‏ فضغطت الزناد مرتين‏,‏ فانهار الجسد الضخم‏..‏ نظر الوجه صوبها وعليه أمارات الذهول والغضب‏..‏ وكال لها فم الوجه السباب‏..‏ مما اضطر إيما إلي أن تطلق النار من جديد‏..‏ سال دفق الدم الحار من الشفتين الداعرتين‏,‏ وخضب اللحية والملابس‏,‏ وشرعت في الاتهام الذي سبق أن أعدته‏:‏ لقد انتقمت لمقتل أبي‏,‏ ولن يكون بمقدورهم أن يقتصروا مني‏.‏ إلا أنها لم تكمله‏,‏ لأن السيد لوينثال قد أصبح في عداد الأموات‏,‏ لم تعرف قط ما إذا كان قد تمكن من فهم ذلك فالكفاية عندها ليست في قتله وحسب‏,‏ بل شرط وجوب القتل أن يفهم واقعها الحقيقي ودوره في قصتها ـ وهو ما شرعت تعلنه ولكنها لم تكمله ـ أي يدرك أنها ابنة الرجل الذي ألصق به تهمة سرقة الأموال وهو نفسه مرتكبها‏,‏ ثم تسبب في موته‏,‏ بل ويعد مسئولا عن فعل تلويثها لشرفها‏,‏ وسلوكها الجنسي‏.‏

مأساة إيما مع أنها نجت ـ كما أرادت ـ بحياتها‏,‏ أنها أدركت وهي في قمة نجاح خطة انتقامها‏,‏ أن انتصارها هوانتصار منقوص‏,‏ لأنها فقدت لحظة التحدي المكشوف‏,‏ ولم تنجح في مواجهة أرون لوينثال بتراثها المكتوم‏,‏ تماما كمأساة أبيها‏,‏ الذي هرب مهاجرا‏,‏ وظن أنه انتصر حين نجا بحياته‏,‏ فإذ بانتصاره انتصار منقوص أيضا‏,‏ فانتحر لأن الحياة فقدت معناها من دون استرداد لشرفة المسلوب‏,‏ ومن دون المواجهة المكشوفة والمعلنة لمضطهديه إشباعا للإحساس بالرضا والشعور بالإنصاف‏.‏
إن ماتطرحه قصة إيما زونز للكاتب الإرجنتيني خورخي بورخس‏,‏ يكشف عن أن التصرفات تظل مغلقة الي أن يعطيها البشر معني‏,‏ فالحياة دون معني الحياة‏,‏ التي كان الأب وابنته يصران علي الفوز والنجاة بها‏,‏ هي ماجعلتهما يستبعدان كل أشكال المقاومة المكشوفة المعلنة بالتحدي وجها لوجه‏,‏ بعكس ما يكشف عنه ما نتابعه من نضال الشعب الفلسطيني علي أرضه في ممارسته الرفض العلني المكشوف لكل محظور تفرضه اسرائيل‏,‏ فيمزق سياسة القبول للإذلال العام المتكرر والهجمات المتواقتة‏,‏ ويؤكد ان الإذلال العلني لايمحوه إلا الثأر العلني‏,‏ بل يسقط ورقة الردع والهيبة‏,‏ التي يري شارون أنها أهم ورقة تمتلكها الدولة العبرية‏\,‏ وأن الحكومات الإسرائيلية السابقة قد فرطت فيها‏,‏ كما يعتقد كذلك أن استعادة إسرائيل ورقة الردع سترغم الفلسطينيين علي خفض مطالبهم وتوقعاتهم‏,‏ ولعله لايدرك أن انتفاضة الفلسطينيين هي رد معلن يواجه وحشية إسرائيل‏,‏ ومهما تكن ضآلة حجم نتائجه‏,‏ فإنه تذكير منظور بالإعلان العام‏,‏ والرفض المعلن للعنف والارغام‏,‏ وتحدي ومقاومة للسحق‏,‏ والترويج لصورة العجز لشعب يواجه سارقيه‏.‏ وإذا كان مايجري يعد لحظات عنف مجنون‏,‏ فإنها ـ مع ذلك ستبقي للشعب الفلسطيني أسطورة تروي‏,‏ لكنها ليست من تراثه المكتوم‏,‏ إذ قالها بالتحدي المكشوف‏,‏ لكيما يكون لما يقوله وزن ومعني وبالوصوح التام‏,‏ أنه لاتراجع عن الحقوق‏,‏ إذ دونها تفقد الحياة كل معني وتصبح منقوصة وبلا إنصاف‏,‏ في ظل سياسة العنف الوحشي لشارون‏,‏ والتي تستنزف كل آمال السلام‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية