|
|
 | |
أسقطت إيما الورقة. كان انطباعها الأول هو شعور بالضعف في معدتها وفي ركبتيها, تلاه شعور بالذنب الذي يعمي الأبصار, واللاواقع والخوف, ثم تمنت لو يحل اليوم التالي. وبعد ذلك مباشرة أدركت أن تلك الأمنية كانت لا مجدية نظرا إلي أن موت أبيها هو الشيء الوحيد الذي كان قد حدث في العالم, وأنه سوف يستمر في الحدوث بلا انقطاع. ولأن العقل يطارد المجهول وغير المعهود, ويعتقله تلمسا لتشخيص أسبابه, لذا فإن صيغة عبارة أن موت الأب سوف يستمر في الحدوث بلا انقطاع: هذه الصيغة في شمولها اللامحدود, لا تتطابق والمعني المتداول للموت المعهود والمنقول والمكرور, كما تربك فهمنا لحدث الموت كأشد حقائق العالم وضوحا ويقينا, من حيث انتهاؤه فور حدوثه. فالموت هو الفعل الذي لا يملك في الواقع صيغة الزمن المضارع, وإنما فور وقوعه يملك الزمن الماضي, وينقطع استمراره, وليس له امتداد, إذ تحاصره النهاية. من هنا لا ينحصر سؤالنا عن سبب موت والد إيما فقط: لكن عما يمنح موت الأب ــ بالنسبة إلي ابنته ــ دلالة استمراره, وصفة عدم انقطاعه: تري أهو فيض من الشعور الجامح بمقاومة الفراق يأسا وإحباطا, بموجب وقع الصدمة النفسية الضاغطة علي إيما فتواري أمامها كل المتداول, وتخلق لديها الالتباس في علاقاتها كلها بالعالم؟ وحتي لا نقيم علي أنفسنا شبهة الوقوع في الغموض, حيث تحلق فوق العبارة أكوام ومراكمات من المستور, لذا علينا أن نطاردهما بأن نستضيء بتعرف تسلسل الوقائع.
في البداية واجه والد إيما تهمة الاختلاس تلفيقا, وكان وحده من يمتلك بنفسه لنفسه يقين البراءة. لكن تحت وطأة آليات الفوضي, وضيق محيط الثقة, وانتشار الريبة, وسيادة المصالح, وتحت ضغط الهوان وشراسة الإدانة, قد يلوح الحق المبتغي سرابا, وقد تنمو لدي الأبرياء من الضحايا مشاعر جنون, قد يحمل بعضها إرادة مواجهة التحدي, ورفض الإذعان, وإثبات الوجود, باسترجاع الحق المسلوب, وقد يحمل بعضها الآخر انطباعا مرعبا مفاده, أنه من الخطر الاستمرار في البقاء والوجود في مناخ الفوضي, الذي يفتقد عافية الضمير, ويذعن بعشوائية المجازفات والمخاطر. ولا شك أن هذه الصورة ــ بمنحاها الأخير ــ قد تبرر قرار والد إيما ــ المتهم زورا ــ بالرحيل عن وطنه مهاجرا إلي البرازيل, إذ قد يكون ذلك هو خياره الوحيد الباقي, وهو في ذاته يعد أرفع وأعلي ضريبة يدفعها, فصحيح أن في مساحة الهروب قد يكسبه البعد حصانة, وقد يحد من انهياره, بل قد يصبح الهروب إحدي عتبات تهدئة جنونه, وقد يبدو أيضا كفعل استنكار واعتراض وإدانة للفوضي وصانعيها, لكن لا يجوز أن نتغافل عن تقدير محنة الرجل, وماتستنفره من الأوجاع والارتباكات التي تنسف معمار حياته, إذ عليه ــ في مساحة الهروب ــ أن يحقق من جديد إنتاج واقع, وإيجاد سلاح, وإبداع حياة, منطلقا من معلوم باتجاه مجهول, وبإيقاع لاهث, مخترقا كل حد قائم, كالموسي القاطعة التي تفصل بين الانفلات من الاتهام, وبين التشابك مع الفوضي, كانتحار يفقد فيه الرجل وجهه الحقيقي, الذي يشوه بتهمة الاختلاس, في مجتمع غير عادل. هذا المجتمع أزاحه عن وجهه الحقيقي, فدفعه الي أن يبارح موقعه ومكانته, ويترك وطنة التاريخ والأمل, فهاجر مرتحلا حتي يكون نفسه, فإذ به في الغربة خارج نفسه في الآن ذاته. فقد هويته ووجهه كذلك, وأصبح مجهولا, لا أحد يشهد عليه, وهو غير شاهد علي أحد. تحول في الغربة إلي محض واقع واحد, هو أنه هارب لا تاريخ له, وزمنه لا بدء فيه ولا نهاية. خسر كل شيء, ومحنته أنه لا يمكنه أن يعيد إنتاج ذاته, وغدا بذلك يشغل مجرد موقع, ولا يشغل مكانة. وعلي الجانب الآخر, وأستبقي هذا المجتمع نفسه, اللص الحقيقي أرون لوينثال متبوئا مكانة لا يستحقها, وشاغلا كيانا راهنا بوجهه الحقيقي: وجه الزمن السابق والراهن, كإفزاز للفوضي والاستخفاف بالحقائق والضمائر, حيث يصبح ممتلكا مصنع النسيج الذي انتقلت إليه ملكيته, بل استمرت إيما ابنة المتهم زورا, تواظب علي العمل في مصنع اللص الحقيقي, كإحدي صور التناقض.
تري, هل كان شعور إيما بالذنب الذي يعمي الأبصار, فور معرفتها خبر موت أبيها, يلقي بظلال من الاتهام عليها, استدعته لحظة التعرف, لصمتها تجاه رحيله مهاجرا مقتلعا من أرضه, لا يعرف له زمان ولا مكانة, مجرد حطام تطارده غصة اتهامه الزائف, وتكوي ذاته ــ حرقا ــ مشاعر الحنين إلي زمن سابق, ودوام لحظات التعثر, والإخفاق الحاضر في التواصل, بل محنته بمساربها كلها, في غربة كانت ــ في نهاية الأمر ــ انخلاعا قاتلا, كما تكوي باللوم كل وجوه مجتمع الفوضي التي توارت عنه؟ تري هل سبب هذا الشعور بالذنب الذي يعمي الأبصار, أنه فجأة انحشر في وجدانها ذلك المعني الذي يجسد انتحار أبيها في الغربة؟ إن انتحاره يعني انهيار امتداد زمانه, وتبدد ذاته, ومفارقته لما هو عليه, وقطعه مع كل ما كان عليه, حتي صار ما يلمسه لا يستوعبه, وما يأكله لا يهضمه, وأصبح تجاوره مع غيره لا يعني التعارف, بل مجرد مواقع, أقرب أو أبعد فالمسافة من المحال عبورها ليتم التواصل. تري هل مارست إيما هذا الحفر في مشاعر الأب المنتحر.
واستحضرت واستنطقت المشهد المأساوي, فخالجها شعور بمرارات الإحساس بالذنب الذي يعمي الأبصار في مواجهة هذه الفوضي, التي كل ما لديها هو مجرد سلع مسروقة, فاستعدت للانتقام للمفقود والغائب؟ لقد امتدت يد إيما فالتقطت قطعة الورق ودلفت إلي غرفتها, وخبأتها خلسة في درج, كما لو أنها تعرف مسبقا ـ بطريقة ـ معينة الحقائق الخفية, ربما قد بدأت تشك فيها من قبل: لقد أصبحت بالفعل الشخص الذي ستكون عليه. في التعامل مع الفوضي التي لاتطاق, وبالتواصل إلي صياغة حبكة نص مستور, كوسيلة دفاع وانتقام, نص متخيل لا يعبأ بالحدود المشروعة. بل يمتلك شروط الإمكان, لاختراق تلك الفوضي والاختلالات, يسمح هذا النص المتخيل لايما بأن تخفي وجهها الذي يحمل سرها, ويتيح لها أن تعايش وجها آخر تنقلت به, بقصد بلوغ الحد والختام, ولا تتعرض للقصاص وفق نص السيناريو المحبوك. استحكم لدي إيما أمر الانتقام من أرون لوينثال, لكن لعبة السيناريو المحبوك لاتبوح بالمقاصد, التي تختفي وراء دقة إتقان الإجراءات, وإحكام بناء الأسباب, فتنجز الرغبة الحقيقية المستورة, لكنها تتواري وتدفع إلي العلن بالرغبة المفتعلة المسلحة بمنطق الشواهد الدالة, فتكون الإدانة عندئذ قاطعة وحاسمة. وتلتصق التهمة بقدر مايصون السيناريو المحبوك توافر البراهين والشواهد والقرائن. وعلي الفور, وحين علمت إيما بانتحار أبيها, بدأت في رنجاز سياق الشبكة المحكمة للأحداث المحبوكة في السيناريو المتخيل, فمنحت نفسها ـ بسابق الإضمار ـ جنسيا لأحد البحارة لتفقد عفتها, بعدئذ تتقاطر أحداث السيناريو المحبوك, حيث يمتزج الواقع بالخيال, فممارستها الجنس مع البحار ستؤمن للاتهام بلوغ تمامه, إذ تتيح لإيما أن تلصق بـ ارون لوينثال تهمة الاغتصاب, فتقتله دفاعا عن نفسها وانتقاما لشرفها المهان, وبذلك تنقلب الأوضاع عند قراءة الأحداث, ويصبح القتل المدبر ـ وفق السيناريو ـ والمشحون بالاحتشاد, قتلا دفع إليه موقف الاغتصاب, والدفاع, وارتباك السلوك حالة الانخذال, وتنجو إيما بذلك من القصاص عندما تدلي بأقوالها أمام هيئة القضاه.
واستكمالا لنص السيناريو المحبوك, دبرت إيما لقاء خاصا مع أرون لوينثال ـ بوصفها شخصية السيناريو المتخيل ـ كأحد اختصاصي تحريات العلاقات الصناعية, جاءت الي مصنعه تمارس بعض التحريات, فالتقاها الرجل, عندئذ تحققت لها لحظة تمارس بعض التحريات, فالتقاها الرجل, عندئذ تحققت لها لحظة المرور الأولي لرغبتها الحقيقية, فضغطت الزناد مرتين, فانهار الجسد الضخم.. نظر الوجه صوبها وعليه أمارات الذهول والغضب.. وكال لها فم الوجه السباب.. مما اضطر إيما إلي أن تطلق النار من جديد.. سال دفق الدم الحار من الشفتين الداعرتين, وخضب اللحية والملابس, وشرعت في الاتهام الذي سبق أن أعدته: لقد انتقمت لمقتل أبي, ولن يكون بمقدورهم أن يقتصروا مني. إلا أنها لم تكمله, لأن السيد لوينثال قد أصبح في عداد الأموات, لم تعرف قط ما إذا كان قد تمكن من فهم ذلك فالكفاية عندها ليست في قتله وحسب, بل شرط وجوب القتل أن يفهم واقعها الحقيقي ودوره في قصتها ـ وهو ما شرعت تعلنه ولكنها لم تكمله ـ أي يدرك أنها ابنة الرجل الذي ألصق به تهمة سرقة الأموال وهو نفسه مرتكبها, ثم تسبب في موته, بل ويعد مسئولا عن فعل تلويثها لشرفها, وسلوكها الجنسي.
مأساة إيما مع أنها نجت ـ كما أرادت ـ بحياتها, أنها أدركت وهي في قمة نجاح خطة انتقامها, أن انتصارها هوانتصار منقوص, لأنها فقدت لحظة التحدي المكشوف, ولم تنجح في مواجهة أرون لوينثال بتراثها المكتوم, تماما كمأساة أبيها, الذي هرب مهاجرا, وظن أنه انتصر حين نجا بحياته, فإذ بانتصاره انتصار منقوص أيضا, فانتحر لأن الحياة فقدت معناها من دون استرداد لشرفة المسلوب, ومن دون المواجهة المكشوفة والمعلنة لمضطهديه إشباعا للإحساس بالرضا والشعور بالإنصاف. إن ماتطرحه قصة إيما زونز للكاتب الإرجنتيني خورخي بورخس, يكشف عن أن التصرفات تظل مغلقة الي أن يعطيها البشر معني, فالحياة دون معني الحياة, التي كان الأب وابنته يصران علي الفوز والنجاة بها, هي ماجعلتهما يستبعدان كل أشكال المقاومة المكشوفة المعلنة بالتحدي وجها لوجه, بعكس ما يكشف عنه ما نتابعه من نضال الشعب الفلسطيني علي أرضه في ممارسته الرفض العلني المكشوف لكل محظور تفرضه اسرائيل, فيمزق سياسة القبول للإذلال العام المتكرر والهجمات المتواقتة, ويؤكد ان الإذلال العلني لايمحوه إلا الثأر العلني, بل يسقط ورقة الردع والهيبة, التي يري شارون أنها أهم ورقة تمتلكها الدولة العبرية\, وأن الحكومات الإسرائيلية السابقة قد فرطت فيها, كما يعتقد كذلك أن استعادة إسرائيل ورقة الردع سترغم الفلسطينيين علي خفض مطالبهم وتوقعاتهم, ولعله لايدرك أن انتفاضة الفلسطينيين هي رد معلن يواجه وحشية إسرائيل, ومهما تكن ضآلة حجم نتائجه, فإنه تذكير منظور بالإعلان العام, والرفض المعلن للعنف والارغام, وتحدي ومقاومة للسحق, والترويج لصورة العجز لشعب يواجه سارقيه. وإذا كان مايجري يعد لحظات عنف مجنون, فإنها ـ مع ذلك ستبقي للشعب الفلسطيني أسطورة تروي, لكنها ليست من تراثه المكتوم, إذ قالها بالتحدي المكشوف, لكيما يكون لما يقوله وزن ومعني وبالوصوح التام, أنه لاتراجع عن الحقوق, إذ دونها تفقد الحياة كل معني وتصبح منقوصة وبلا إنصاف, في ظل سياسة العنف الوحشي لشارون, والتي تستنزف كل آمال السلام. |
|
|
|
|
|