|
|
 | |
برغم جميع المفاجآت التي كثيرا ما تحيط بجوائز مهرجان كان السينمائي الدولي, والتي أحاطت بها أيضا هذا العام, فإن حصول الممثلة الفرنسية العظيمة إيزابيل هوبير علي جائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم أستاذة البيانو للمخرج النمساوي الكبير ميكائيل هانيكي, لم يكن مفاجأة لأحد, فقد عرض في كان هذا العام854 فيلما طويلا و944 فيلما قصيرا بمختلف أقسام المهرجان بزيادة قدرها29% عن عدد الأفلام العام الماضي, وهو ما يمثل الضعف علي الأقل لعدد الأفلام التي يقدمها أي مهرجان سينمائي آخر في العالم, ورغم أن الأفلام التي أحيرت لدخول المسابقة كان22 فيلما فقط, إلا أنه حتي الساعات الأخيرة للمهرجان لم يكن من السهل علي أحد تحديد الأفلام أو الفنانين من ممثلين ومخرجين وكتاب سيناريو وفنيين الذين سيفوزون بجوائز هذا العام, إلا في حالة إيزابيل هوبير تلك الفنانة العملاقة التي لا نعرفها كثيرا في مصر, رغم أنها قدمت للسينما أكثر من60 فيلما لأكبر المخرجين, والتي كان لي معها لقاء شخصي خلال المهرجان. والحقيقة أن تلك لم تكن المرة الأولي التي تحصل فيها إيزابيل هوبير علي جائزة التمثيل النسائي في مهرجان كان, فقد منحها المهرجان أولي جوائزها منذ ما يقرب من25 عاما عن دورها في فيلم فيوليت نوزيير للمخرج الفرنسي الكبير كلود شابرول, وما بين تلك الجائزة الأولي في عام1978 والجائزة الأخيرة هذا العام, حصدت إيزابيل هوبير جوائز التمثيل في مهرجان فينيسيا مرتين في عام1988 وفي عام1995, كما فازت عام1991 بجائزتي مهرجان برلين ومهرجان موسكو, وحصلت علي جائزة سيزار عام1996 وعلي جائزة مهرجان مونتريال في العام الماضي فقط.
وقد عملت هذه الفنانة العملاقة السويسرية المولد, مع أكبر المخرجين السينمائيين من أمثال كلود شابرول في6 أفلام, وجان لوك جودار في فيلمين, وبنواه جاكو في4 أفلام, وهال هارتلي في فيلم واحد. وربما كان أحد أسرار قوة إيزابيل هوبير هو أنها أيضا ممثلة مسرحية مقتدرة قدمت التراجيديا الإغريقية مثل ميديا لأروبيدس والمسرحية الشكسبيرية مثل واحدة بواحدة كما قدمت المسرحية الحديثة مثل لا تعبث بالحب لألفريد دي موسين, بنفس القدر من الحساسية والاقتدار التي تقدم بها أدوارها السينمائية.
أما الفيلم الذي حصلت به إيزابيل هوبير علي جائزة أفضل ممثلة لهذا العام في مهرجان كان فهو فيلم لن نشاهده في مصر لجرأة موضوعه وهو يقوم علي رواية أدبية للكاتبة النمساوية المعروفة الفريدا يلينك
التي ولدت في سوريا عام1946 واشتهرت برواياتها المحكمة التي تغوص في أغوار النفس البشرية, وقد كتب المخرج النمساوي الكبير ميكائيل هاتيكي سيناريو الفيلم بفهم دقيق للرواية, وتلك عملية شاقة في رواية تقوم في أحد أهم أركانها علي اللغة الأدبية, وذلك هو ما كان يجعل الكاتبة متخوفة في البداية من تحويل روايتها إلي فيلم سينمائي, لكن المخرج نجح في تحويل الجماليات اللغوية للرواية إلي صور سينمائية تثير نفس المشاعر المأسوية التي يقدمها النص الأدبي, لذلك لم يكن من قبيل المفاجأة أن يحصل المخرج أيضا مثل بطلته علي الجائزة الكبري
للمهرجان عن هذا الفيلم الذي تظل أحداثه تسيطر علي وجدان المتفرج حتي بعد أن يترك صالة العرض بفترة. ويحكي الفيلم قصة الصراع الذي يعتمل داخل نفس أستاذة وعازفة البيانو البارعة إريكا كوهوت ما بين صورتها الصارمة أمام طلبتها وجمهورها الموسيقي وبين نفسيتها المضطربة والتي لا تحصل علي لذتها إلا من خلال التعرض للقسوة البدنية والألم, وهي لذلك لا تجد مخرجا لها إلا بارتياد مجال الجنس التي تعرض أفلاما تختار هي من بينها ما يتفق مع اتجاهاتها الماسوخية, أو في أن تتلصص علي العشاق الذين يطارحون بعضهم الغرام داخل سياراتهم في إحدي سينمات السيارات, وتعيش وحدها وقد تعدت الأربعين مع أمها العجوز المتسلطة التي قامت بدورها الممثلة الفرنسية المخضرمة آني جيراردو التي تعامل ابنتها بقدر من القسوة فتمزق لها ملابسها الجديدة إذا هي تأخرت خارج البيت وقد يصل الأمر ما بين الأم العجوز وابنتها إلي حد التضارب بالأيدي وشد الشعر.
واذا جاز لنا أن نختار مشهدا واحدا من هذا الفيلم ليكون المشهد الدال علي مضمون الفيلم وهو شئ لا يجوز مع مثل هذا الفيلم العظيم فهو ذلك المشهد الذي نري فيه إريكا في الحمام وقد أمسكت بيدها شفرة موسي نفاجأ بأنها تجرح بها نفسها في أدق أعضائها, بينما تصرخ أمها من الخارج في ابنتها بأن تحضر علي الفور إلي المائدة حيث أعدت الأم طعام العشاء, فتغسل إريكا البانيو من الدماء التي سالت منها وتلتقط حفاظة صحية تضعها علي جرحها لتضمده, ففي هذا المشهد نري قلب الحالة الماسوخية التي تعاني منها إريكا بكل قسوتها كما نري أيضا قسوة أمها وجبروتها, وإذا كان ذلك المشهد قد جمع بين القسوتين فلم يكن ذلك اعتباطا وإنما لتأكيد ارتباطهما ببعض في ذلك البيت الذي تتحكم فيه الأم العجوز التي وصلت إلي حافة الخرف علي ابنتها مدرسة البيانو الشهيرة, وهو منزل لا يدخله الرجال مثل منزل برناردا ألبا في مسرحية لوركا الشهيرة, ففي أحد المشاهد توبخ الأم ابنتها علي تأخرها في الخارج بعد انتهاء دروسها وحين تعاتبها الابنة لأنها تلاحقها بالتليفونات في كل مكان, تبرر لها الأم ذلك بأن تقول لها بشكل يبدو عابرا: لقد توفي والدك بعد ظهر اليوم, فلا نسمع تعليقا علي ذلك من إريكا ولا يذكر الأب بعد ذلك مثلما لم يذكر من قبل.
لكن فجأة يضطرب سياق حياة إريكا حين يبدأ الشاب والتر كريمر الالتحاق بمعهد البيانو إعجابا بإريكا أن يتقرب إليها عارضا عليها حبه, وهكذا يدخل الرجل لأول مرة إلي هذه الحياة النسائية الراكدة فيقتحم والتر قلب إريكا كما يقتحم في مشهد تال بيتها هي وأمها, وفي الحالتين فهو يحيلهما خرابا, وقد قام بدور والتر الممثل الفرنسي الشاب بنواه ماجيمل ونال جائزة أفضل ممثل عن هذا الدور الصعب للشاب الرياضي الجميل الذي عجزت إريكا أكثر من مرة عن إشباع رغبته العارمة بطريقة طبيعية, فأصابه ذلك بالإحباط حينا وبالثورة أحيانا, لذلك قررت إريكا في اللحظة التي أحبته بالفعل بعد فترة تمنع كانت تخاف فيها من افتضاح سرها أن تبوح له بحقيقة حالتها وبرغباتها التي لا يعرفها أحد, لكنها في عجزها مواجهته بالحقيقة وخوفا من رد فعله قررت أن تكتب له خطابا طلبت منه ألا يلقاها ثانية إلا بعد أن يقرأه.. في الخطاب روت له إريكا حالتها بالتفصيل وطلبت منه في نهايته إذا كان مازال يريدها أن يعذبها بدنيا وأن يضربها بظهر كفه وبقوة علي وجهها وأن يركلها ويجلدها إذا أراد, ووعدته بأنها ستكون له عبدة مطيعة, لكن والتر في براءته يتصور أن أستاذة البيانو تمزح معه, أو أنها تسخر من فتوته, فتريه إريكا أدوات التعذيب التي تحتفظ له بها تحت سريرها من كرابيج وسلاسل وخلافه, فيثور والتر ويعتدي عليها بالضرب ليس انصياعا لرغبتها السرية الدفينة, وإنما احتقارا لها ويصرخ في وجهها بأنها مريضة وبأنها وضيعة وبأنها مقززة, وفي مشهد مؤثر نري أستاذة البيانو العظيمة وهي طريحة علي الأرض تتلقي علي جميع مواضع جسدها ركلات حبيبها الشاب الفتي الجميل وسبابه الرخيص, فتتوسل إليه ألا يضربها علي يديها يذكرنا المخرج علي الفور بأن تلك اليدين البائستين قد إنسابت منهما طوال الفيلم الذي استغرق عرضه ساعتين و9 دقائق, أروع المؤلفات التي كتبها للبيانو كل من شوبيرت وشومان وباخ وبتهوفن, وها هي الأستاذة الآن كالحثالة الملقاة في أحد أركان غرفتها لا تقوي علي النهوض.. لا تقوي حتي علي الكلام, فلا نسمع من صوت بعد خروج والتر من البيت غاضبا إلا صيحات الأم التي حبسها والتر في غرفتها وقد قاربت علي الجنون مما أصاب بيتها.. وبعد ذلك كله لا يكون أمام إريكا في المشهد التالي والأخير من الفيلم إلا أن تقتل نفسها.
وقد التزم المخرج برواية الكاتبة النمساوية الكبيرة فركز ليس علي الجانب الجنسي من الأحداث وإنما علي الجانب الإنساني, بل والجمالي أيضا, وقد يبدو ذلك غريبا في موضوع يتعلق بالانحرافات السادية والماسوخية, لكن للفيلسوف الفرنسي الكبير ميشيل فوكوه مقولة شهيرة تقول بأن السادية الماسوخية هي إحدي مدارس الرقة
لذلك فعلي الرغم من موضوعه الشائك فإن الفيلم لا يقدم أي من مشاهد العري التي أصبحت الآن طابعا مميزا بجميع الأفلام تقريبا, فحتي في المشاهد التي يطارح فيها والتر إريكا الغرام, نري العاشقين بملابسهما الكاملة تقريبا, حيث كان اهتمام المخرج الأول والأخير بخفايا الجانب النفسي للشخصية, وليس بالجانب الحسي, وقد لعبت الموسيقي في ذلك دورا مهما حيث أضفت علي الأحداث كلها غلالة من الشاعرية ساعدت بلا شك علي تأكيد الجانب الإنساني في موضوع الفيلم, ولو أرادت الرقابة عندنا أن تقطع مشهدا فاضحا من الفيلم لما وجدت مثل هذا, ومع ذلك فلن يعرض مثل هذا الفيلم علي الجمهور المصري الذي تفضل الأجهزة الرقابية عندنا دائما أن تتصرف وكأن تلك النماذج الإنسانية التي يقدمها الفيلم هي نماذج غريبة وغير موجودة في مجتمعنا!!.
ولقد كان هذا الموضوع هو أول ما تحدثت فيه مع بطلة الفيلم إيزابيل هوبير حين قابلتها في المهرجان, حيث قلت لها: هناك من يرون أن الفيلم كان عنيفا في تقديمه لنموذج شخصية البطلة. فقالت وعلي وجهها ابتسامة وديعة: كنت أعرف أن الفيلم سيصدم الجمهور, لكن أليس أحد أهداف الفن هو أن يفيق الناس من سباتهم السقيم ليفتح عيونهم علي الحقيقة؟ لقد كان هذا الفيلم صادقا إلي أبعد الحدود في تصويره لشريحة من الحياة موجودة حولنا وإن فضل البعض أن يتجاهل وجودها.
قلت: لقد قدمت في هذا الفيلم أحد أصعب الأدوار المركبة في تاريخ السينما, وأنا أعتقد أنك ستفوزين عليه بجائزة أحسن ممثلة, فقد قدمته رغم صعوبته بسلاسة نادرة.. فما هي الصعوبة التي واجهتك في تقمس هذه الشخصية؟ قالت إيزابيل هوبير علي الفور: إن ما أجده صعبا حقا هو الأدوار التافهة التي لا تعني شيئا, فهي أدوار هلامية لا أعرف من أين أمتلك ناصيتها, أما دور إريكا كوهوت فهو دور ثري ملئ بالجوانب الخفية وفيه القوة والضعف في آن واحد, لأن إريكا هي شيطان وملاك في نفس الوقت. قلت: ألم تخافي من هذا الدور؟
قالت: خفت في البداية ليس لأن الدور مخيف, ولكن لأن بعض الأدوار العنيفة هذه قد تأخذ من الممثل كل شئ فيبدو بعدها وقد فقد نفسه, لكن الحقيقة كانت علي العكس من ذلك, فقد وجدت أن هذا الدور قد أعطاني الكثير وأنا أشعر الآن أنني أكثر ثراء مما كنت قبل أن أقوم به. قلت: ما هو موضوع الفيلم في تصورك الشخصي؟
قالت: موضوع الفيلم هو القهر الذي هو حولنا في كل مكان والذي يؤدي إلي شتي أنواع الانحراف.. وقد كانت إريكا إحدي ضحاياه, وموضوع الفيلم أيضا هو الجمال والرقة والعذوبة, وموضوعه هو الحب بكل ما يعترضه من عقبات في عالمنا المضطرب هذا, لكن موضوعه قبل ذلك كله هو الشفقة التي نجدها في التراجيديات الإغريقية العظيمة, فهل وجدت أنت بعض تلك الأشياء في الفيلم؟ قلت: نعم.. وجدت بفضل أدائك العظيم كل شئ.. |
|
|
|
|
|