|
رسالة فرانكفورت : عبدالعظيم حماد |
 | | جانب من فعاليات جلسة البرلمان الالمانى التى تمت فيها الموافقة على الاصلاحات الجديدة |
يؤتي الحذر من مأمن وتؤتي المجتمعات الصناعية المتقدمة ـ وغالبيتها من الجنس الأبيض كما هو معروف ـ من ثمار تقدمها وليس هذا إلا تطبيقا للقانون الاجتماعي الذي اكتشفه ابن خلدون قبل بضعة قرون وأكده فحول علماء الاجتماع المحدثين من أول دوركهايم وحتي ماركس ومنطوقه أن كل حضارة تحمل بذور اضمحلالها. في شهر مارس الماضي أصدر قسم السكان في الأمم المتحدة الخطوط العريضة لتقرير رئيسي حول أوضاع السكان في العالم في غضون نصف قرن من الآن, وكانت النبوءة التي لاتزال اصداءها تتردد بقوة في جميع العواصم الكبري هي بنص ألفاظ التقرير الملخص انحدار الغرب الذي سيكون كل جيل من أجيال سكانه أقل بنسبة25% من الجيل السابق عليه والسبب هو انخفاض معدل خصوبة المرأة إلي1.40 في حين ان معدل الخصوبة المطلوب للحفاظ علي الحجم الحالي للسكان هو2.1 والمقصود بمعدل الخصوبة هو معدل الإنجاب للمرأة الواحدة طوال فترة حياتها ولأغراض الدقة فإن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل استثناء مؤقتا من هذا الانخفاض لأن معدل الانجاب للمرأة الأمريكية الواحدة لايزال أكثر من طفلين والسبب هو أن الملونين هناك من سود ولاتين وأصول عرقية أخري كثيرة لايزالون ينجبون بكثرة وهذه ايضا ظاهرة مؤقتة.
وفي منتصف مايو الحالي أصدر مكتب الاحصاءات الفيدرالي الألماني تقريره عن الحالة السكانية في ألمانيا ولم تفعل البيانات والتقديرات الألمانية الرسمية سوي ان كثفت أحكام وتنبؤات قسم السكان في الأمم المتحدة علي حالة ألمانيا التي نقدمها اليوم كنموذج للمأساة السكانية في الغرب المتقدم شاملا استراليا ونيوزيلندا واليابان بل وحتي روسيا الأقل تقدما. فعلي سبيل المثال وابتداء من1999 أصبح عدد الوفيات يزيد بنسبة تدعو إلي القلق علي عدد المواليد وبلغت الزيادة في هذا العام وحده67 ألف متوفي وعندما يحل عام2050 ستبلغ الزيادة في عدد الوفيات علي عدد المواليد640 ألف متوفي معني ذلك وطبقا لتقديرات مكتب الاحصاءات الفيدرالي الألماني أن عدد سكان ألمانيا الاجمالي سوف ينخفض من82 مليونا حاليا إلي59 مليونا فقط في منتصف القرن الحالي وذلك مالم يستقبل المجتمع الألماني أعدادا متزايدة من المهاجرين وبفرض أن ألمانيا سمحت باستقبال مائتي ألف مهاجر سنويا فإن عدد السكان في عام2050 سوف ينخفض إلي مابين65 ـ70 مليونا أما إذا استقبلت مائة ألف مهاجر سنويا فقط فسوف ينخفض عدد السكان إلي مابين60 و65 مليونا.
لكن هذه الصورة المخيفة ليست هي أخطر ما في المأساة السكانية الألمانية فهناك نتائجها الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم السياسية إذ ان معني انخفاض عدد المواليد يعني انقلاب الهرم السكاني رأسا علي عقب علما بأن الشكل الهرمي غيرالمقلوب هو الوضع الصحي للتركيب السكاني والمعني هو أن بسبب انخفاض عدد المواليد سوف يصبح سكان ألمانيا الشيوخ هم الأغلبية في غضون عقدين أو ثلاثة من الزمان وهنا ستظهر المأساة في أكثر صورها حدة لأن قوة العمل سوف ينخفض حجمها في الوقت الذي سيتعين فيه علي الدولة أن تواصل إعاشة كبار السن هؤلاء الذين لاينتجون فمن أين تأتي الأموال اللازمة لذلك بينما ينخفض عدد دافعي الضرائب القادرين علي الكسب, الآن مثلا يعول كل100 ألماني قادرين علي العمل25 متقاعدة فوق سن الخامسة والستين, أما في عام2050 فسيكون علي كل مائة ألماني قادر علي العمل إعالة50 متقاعدا, لذلك يقرر اتحاد الصناعات الألماني أن الاقتصاد القوي يحتاج سنويا إلي مابين450 ألفا و500 ألف مهاجر شاب سنويا لكي يحافظ علي النسبة الحالية من قدرة المنتجين علي إعالة المتقاعدين فإذا اضفنا إلي ذلك أن معدل البقاء علي قيد الحياة بالنسبة للمتقاعدين هو الآخر أخذ في الارتفاع فإن الصورة تزداد قتامة لأن هؤلاء الشيوخ المعمرين سوف يصبحون هم الأغلبية الكاسحة بين السكان الألمان أي أن الهرم سوف ينقلب ـ كما قلنا رأسا علي عقب ـ فبدلا من أن تكون الأغلبية أي قاعدة الهرم هم الاطفال سوف يتحول الاطفال إلي أقلية فيصبحون هم قمة الهرم الذي سيكون واقعا في هذه الحالة علي رأسه ويتحول الشيوخ إلي أن يصبحو قاعدة الهرم المقلوب في حين سيبقي القادرون علي العمل أي الفئة العمرية من20 إلي65 في المكانة الوسطي من الهرم ولكن مع تناقض حجمهم تدريجيا كما سبقت الاشارة.
ماهي خلاصة هذه الأرقام كلها؟ يقول مكتب الاحصاءات الفيدرالي الألماني انه طبقا للنموذج الاحصائي الذي وضعته الأمم المتحدة للتركيبة السكانية الملائمة اقتصاديا فسوف يتعين علي ألمانيا أن تفتح أبوابها لـ3.4 مليون وأكرر مليون مهاجر سنويا من الآن وحتي عام2050, وذلك للحفاظ علي النسبة الصحية بين فئة السكان القادرين علي العمل, وفئة السكان المتقاعدين, ناهيك عن الاطفال وهم ايضا غير منتجين وبحسبة بسيطة فإن هذا يعني أن يهاجر إلي ألمانيا190 مليون أجنبي في الفترة بين1995 إلي عام2050 وعندها سوف تختفي ألمانيا التي نعرفها حاليا أي وطن الجنس الجرماني الأبيض المسيحيي أو المنحدر من أسلاف مسيحيين ولكنها ستصبح مجتمعا متعدد الاعراق والثقافات التي قد تنجح في الاندماج فيما بينها والانصهار في المجتمع الأصلي والتي قد لاتنجح ولكنها علي أية حال لن تنجح أو تفشل دون تغييرات جذرية في كل الاوضاع الحالية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبالطبع فإن هذا هو السبب في تعثر مشروع قانون الهجرة الجديد بين الاحزاب لأن الطبقة السياسية في ألمانيا مثلها مثل نظرائها في سائر دول الغرب لاتزال تنظر إلي الهجرة من منظـور ايديولوجي يؤدي إلي تقييد استقبال المهاجرين في أضيق نطاق في حين أن سياق هذا العرض كله يقوم علي النظر إلي الهجرة من منظور اقتصادي اجتماعي بحيث لايهم ان يصبح الألمان أقلية في بلادهم.
لكن مايلفت النظر بنفس الدرجة التي تلفت بها هذه المأساة السكانية الأنظار هو تركيز اساليب العلاج المطروحة للبحث كلها علي الهجرة وليس علي الجذور أو البذور الاصلية للمأساة, وبالطبع لن يفكر أحد في وسائل تحد من طول بقاء المتقاعدين علي قيد الحياة ولكن لماذا لايفكرون في وسائل زيادة معدلات المواليد؟ هناك سببان رئيسيان رصدهما علماء الاجتماع في تعليقاتهم علي بيانات مكتب الاحصاءات الفيدرالي: الأول هو ثورة النساء والمعروفة باسم femenism التي اجتاحت الدول الغربية في الستينيات من القرن الماضي, ففي ألمانيا كانت معدلات المواليد عالية طوال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وذلك لتعويض خسائر الحربين العالميين الأولي والثانية, ولكن ماآن بدأت ثورة النساء تمتد إلي ألمانيا حتي بدأت تفعل بها مافعلته في الدول الغربية الأخري أي أصبحت الفتاة الألمانية تعزف أولا عن كثرة الإنجاب أو عن الانجاب كلية أو حتي عن الزواج من الاصل وتحولت العلاقة بين الرجل والمرأة من مفهومها التقليدي من تكوين العائلة وحفظ النوع إلي مفهوم المتعة التي يجب أن تتساوي فرصة الرجل والمرأة في الحصول عليها وفي تحمل أو عدم تحمل مسئولياتها مع التسليم بحق المرأة في التصرف في جسدها كيف تشاء لتفضل الوظيفة البيولوجية للجنس عن وظيفته الاجتماعية.
وبالطبع فليس كل الألمانيات كذلك ولا كل الغربيات كذلك لأنه لاتزال هناك أسر تتكون وأطفال يولدون بمعدل1.4 لكل امرأة كماسبق القول ولكن قيمة المجتمع الاستهلاكي تأتي لتضيف السبب الثاني لأسباب العزوف عن الإنجاب بمعدل طفلين أو أكثر وربما العزوف عن الإنجاب كليه وقد لخصت لي ماريكا وهي اخصائية اجتماعية في مقال بإحدي المجلات المتخصصة أثر قيم الاستهلاك في وجود المأساة السكانية في ألمانيا بالعبارة الحكيمة والبليغة التالية, أن الشاب الألماني أو الفتاة الألمانية يريان أن امتلاك سيارة مرسيدس أهم وأنفع من إنجاب طفل.. وهذه كلها هي ثمار التقدم أو حصاده المر ولكنه التقدم بالمفهوم السائد في العالم الغربي الذي لابد أن هناك مفاهيم أفضل منه. |
|
|
|
|
|