|
|
كنت لا أنوي معاودة الكتابة في هذا الموضوع بعد أن تعرضت الي صلبه في مقالي الذي نشرته بجريدة الأهرام بتاريخ5 مارس2001 تحت عنوان عمرو موسي ومدرسة العمل العربي المشترك تحفظت فيه علي ما طرحة البعض من مسميات حول مدارس وزراء الخارجية المصريين في فترة ما بعد الثورة, ذلك أن هذه المرحلة كانت تتسم من منظوري بما يمكن توصيفه بدبلوماسية الرئاسة, حيث يقوم رئيس الجمهورية فيها بوضع خطة العمل السياسي الخارجي, ويوكل الي وزير الخارجية والجهاز الدبلوماسي تنفيذ هذه السياسة تحت اشرافه, ذلك أن مناحي وأهداف الاستراتيجية المصرية خلال هذه الفترة كانت متباينة: ففي حين كان الرئيس جمال عبدالناصر يعتمد استراتيجية الامتداد السياسي خارج حدود مصر عربيا ودوليا لتعظيم دورها الجيواستراتيجي مع تفعيل الخيار العسكري لتقليص تأثير الدور الاسرائيلي الاقليمي ــ حتي هزيمة1967 واستناده الي استراتيجية حرب الاستنزاف مع اسرائيل لحين استكمال مصر بناءها لقواتها العسكرية التي تمكنها من استعادة أراضيها المحتلة ــ فان استراتيجيةالرئيس أنور السادات كانت تقوم علي محاولة تهيئة المناخ الملائم لمصر للوصول الي اتفاق سلام مع اسرائيل يضمن اعادة السيادة المصرية علي أراضيها, حتي لو استخدم في سبيل ذلك المعامل العسكري لتقوية دور مصر التفاوضي وليس لاستمرار أو لزيادة اشتعال القتال الي أمد غير محدد.. وقد نجح كلاهما في تحقيق أهداف سياسته الي حد كبير, أما مرحلة حكم الرئيس حسني مبارك فانها تستند الي ترجيح خيار السلام كاستراتيجية مصرية, مع تفعيل مؤهلات مصر الاستراتيجية التي تمكنها من الحفاظ علي قوة ومتانة موقعها الاقليمي والعالمي المتميز, ويدخل في هذا الاطار دعم مواقفها السياسية الخارجية وبنيانها الاقتصادي وبنيتها الأساسية الداخلية. من هنا فان استراتيجيات الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات كانت تستند الي استراتيجية حرب محورها الاساسي تحرير الأرض ومن ثم السيادة والارادة المصرية من الاحتلال الأجنبي, في حين أن استرانتيجية مبارك تقوم علي تفعيل السيادة المصرية الوطنية والدور المصري الاقليمي والدولي لمواجهة الهجمة السياسية السافرة التي تلاقيها من اسرائيل ومن يؤازرها لتغيير الموازين الجيواستراتيجية في منطقة المشرق العربي أو ما يطلقون عليه الشرق أوسطية.
إلا أن ما دعاني لمعاودة الكتابة في هذا الموضوع, أن تعيين وزير الخارجية المصري قد احتل مساحة تفوق إطار الحدث ذاته, الأمر الذي استوجب اعادة تأصيل الموقف مرة أخري, واعتمدنا في تقديرنا للموقف علي اعتبارات عديدة أهمها: * أننا قد اتفقنا من حيث المبدأ علي أن عملية تخطيط السياسة الخارجية لهذه المرحلة ترتبط فعليا بالأهداف الاستراتيجية التي يحددها الرئيس حسني مبارك وطاقم الرأي المعاون لسيادته.
* ثم أن تبديل وزير الخارجية المصري قد جاء اضطراريا وليس اختياريا, كما أنه لم يأت نتيجة لاستقالة الوزير السابق أو استغناء رئيس الجمهورية عن خدماته, فقد أعلن السيد الرئيس انه قد رشح الوزير عمرو موسي ــ لمواصفات شخصية قدرها السيد الرئيس ــ ليكون مسئولا عن بيت العرب من أجل استمرار سياسة مصر في دفع هذا الكيان ليصبح ممثلا للارادة العربية الواحدة. من هنا فانه لم يتم تغيير وزير الخارجية عمرو موسي بل تم اختيار من يحل محله. * إضافة الي ما سبق فان السياسة الخارجية في مرحلة الرئيس حسني مبارك تعتمد بصورة واضحة علي دبلوماسية الرئاسة وبصورة أكبر من عهدي الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات, فالرئيس مبارك يمارس دورا شخصيا فاعلا ونشيطا في الاتصالات السياسية المباشرة سواء في نطاق زياراته الخارجية أو علاقاته واتصالاته الشخصية مع العديد من الرؤساء والقادة ومراكز صنع القرار في الخارج أو استقباله الوفود والشحصيات السياسية التي تزور مصر, كما وأنه يطرح العديد من المبادرات السياسية الدولية أو الاقليمية أو في الاطار العربي والافريقي, اضافة الي التحرك النشيط والفعال علي المحاور الاقتصادية والثقافية أو غيرها من اجل تفعيل الدور والوزين المصري في جميع المحافل. علاوة علي ما تقدم فان خطه السياسي واضح وخطابه السياسي صريح ومحدد بالنسبة لموقف مصر من اسرائيل, فهر وان كان يدعو لخيار السلام, إلا زنه لا يسلم بسياسة اسرائيل العدوانية أو التوسعية بل ويتصدي لها بجميع الأساليب والوسائل المتاحة, مع الأخذ في الاعتبار وضعه كرئيس عربي لأكبر بلد اقليمي في المنطقة, وكشخصية سياسية لها وزنها الفاعل في الاطار العربي والدولي والأمريكي, بما يجعل اسرائيل تضع لمواقفه وزنا كبيرا.
* من هنا فان دور وزير الخارجية في ظل رئاسة الرئيس حسني مبارك كان يأخذ أبعادا مختلفة عن مراحل الرئاسة السابقة: فالرئيس مبارك قد حرص علي أن يكون لوزير الخارجية ملامحه الشخصية والذاتية والتي يختار علي أساسها لتولي المنصب, في ذات الوقت فانه يعتبره المستشار السياسي لسيادته, والمنفذ الأمين لسياساته, ومن هذا المنطلق فقد كان لكل وزير خارجية في منظومة العمل السياسي الخارجي للرئيس مبارك دور واطارا مرحليا محددا. بمعني آخر فان وزير الخارجية في مرحلة رئاسة مبارك له دور محدد في اطار سيناريو معين, وفقا لتوزيع أدوار دقيق دخل كادر السياسة الخارجية المصرية. ولتوضيح ما سلف فان الرئيس مبارك قد اختار, زيرين للخارجية خلال الفترة السابقة ــ خلافا للسيد الوزير أحمد ماهر والذي ندعو له بالتوفيق, وهو أهل له ــ ولكل منهما شخصية تختلف تماما عن الآخر: فالدكتور عصمت عبدالمجيد له ملامحه الذاتية التي تختلف تماما عن الوزير عمرو موسي والذي تولي الوزارة وهو في مقتبل الخامسة والخمسين من عمره. * وفي هذا الاطار مارس الوزير عمرو موسي دوره وفقا للتوزيع المحدد للأدوار بين لاعبي السياسة الخارجية المصرية, واتساقا مع مقوماته الشخصية والتي تتمازج بين علم وفهم دقيق وتقويم سليم للمواقف السياسية, فضلا عن حضور ذاتي متميز وسرعة بديهة فائقة وكاريزماتية عالية, واتقان لفن التعامل مع أجهزة الاعلام بلباقة واقناع عالي القدر, وقدرة علي المحاورة والمفاوضة رفيعة المستوي, وخفة ظل وثقة بالنفس تشع ععلي كل من يقترب من محيطه لتجعاه محط أنظارهم.. فالمنصب الوزاري أو القيادي معامل ثابت في وتوزيع الأداء, وهو يكتسب تنوعه من شخصية وملكات من يشغله لتضيف الي المنصب الملامح والظلال التي تجعل منه نسيجا ذاتيا.
* من هذا المنطلق, فان مواقف الوزير عمرو موسي العلنية من اسرائيل كانت تنطلق ــ من منظوري الشخصي ــ من خلال سيناريو محدد وتزيع للأدوار يتفاعل مع مقتضيات الموقف, فالمحلل والراصد للموقف السياسي كان يشعر بنبض الشارع المصري والعربي الرافض للصلافة بل للفظاظة التي كانت تمارس بها اسرائيل سياستها واعمالها القمعية وتمتهن بها الكرامة والذات العربية, من هنا فإن تصدي الوزير عمرو موسي العلني وقوي النبرة لمواقف اسرائيل كان يعكس موقفا رسميا ترجمه بأداء بارع الوزير عمرو موسي مستفيدا في هذا من مقوماته ومواهبه الذاتية, ومن ثم فان يمكن القول أن هذا السيناريو قد حقق الهدف المرسوم له وهو مسح جبين واستنفار الشارع المصري والعربي في آن واحد. وأسوق بعض الأمثلة لتأكيد ما سبق: فقد استعار الوزير عمرو موسي عبارة المهرولين نحو التطبيع من الشاعر نزار قباني وأدخلها ببراعته في القاموس السياسي الدولي, فضلا عن أنه في المناظرة التي تمت بينه وبين شلومو بن عامي وزير الخارجية بالنيابة إبان رئاسة إيهود باراك لوزارة اسرائيل ــ والتي بثها التليفزيون المصري وبترجمة فورية عربية لأكثر من ثلاث مرات, بما يؤكد أنها جزء من سيناريو رسمي معتمد ــ فقد جعل من رئيس الدبلوماسية الاسرائيلي آنذاك بل ومن السياسة الاسرائيلية بالمطلق, قزما أمام الطرح المصري الذي ساقه الوزير عمرو موسي بحضوره ولباقته وسعة اطلاعه كمحاور ومناظر حاذق وماهر.. واسمح لنفسي في هذا المقام أن أروي كذلك قصة ليست متداولة وسمعتها منه, لأدلل بها علي العديد من المعاني التي أوردتها سلفا عن شخصية وأداء عمرو موسي: ففي الاستراحة بين الجلسات في مؤتمر القمة الشرق أوسطية الذي عقد في عمان ــ والذي أطلق فيه عمرو موسي بقذيفة مصطلح المهرولين للتطبيع ــ طلب الوزير عمرو موسي من اسحق رابين رئيس وزراء اسرائيل آنذاك, والذي كان مدخنا شرها, أن يعطيه سيجارة ــ علي سبيل تغيير المذاق ــ فبادره اسحق رابين باعطائه علبة سجائر كاملة, معقبا بأنه يسعدهخ أن يقدمها اليه عسي ــ لا سمح الله ولا كان ــ أن تنقص من عمره حتي تستريح منه اسرائيل, فما كان من الوزير عمرو موسي إلا ان أعاد اليه علبه السجائر بعد أن أخد منها سيجارة واحدة, معقبا بخف ظله وسعة بديهته المعهودة بأنه لم يأخذ إلا سيجارة واحدة حتي يحرمه من متعة الحلم بامكانية تحقيق أمله. من هنا فان الشعبية التي اكتسبها عمرو موسي لم يكن مرجعها أنه وزير خارجية مصر فحسب, وإنما سندها الأساسي أن الشارع المصري والعربي قد جسد فيه ــ نتيجة لبراعته في القيام بدوره ــ رمزا للعزة والكرامة المصرية والعربية في مواجهة اسرائيل التي يكرهها كل مواطن مصري وعربي.. ويلزم التنويه هنا, بأنه لم يكن لي شرف أن أكون محسوبا علي الوزير عمرو موسي خلال فترة عملي الدبلوماسي, الا في اطار عملي معه كرئيس, أحمل له كل تقدير واحترام.
بعد هذا التأصيل لوجهة نظري من موضوع تعيين وزير الخارجية, فانني سأسمح لنفسي بأن أعقب علي مقال لأستاذ جليل له في نفسي كل التقدير والاعزاز ــ رغم عدم تشرفي بمعرفته إلا من خلال قراءاتي له ــ وهو السيد أمين مويدي. فقد نشر سيادته مقالا رصينا بعنوان السياسة الخرجية والمايسترو في جريدة الأهرام بتاريخ2001/5/15, ورأيت أن أحاوره كرجل مثقف عرف عنه أنه مستمع جيد للرأي الآخر, وهي سمة لطالما افتقدناها في الفترة الأخيرة. وسوف أقصر تعقيبي علي نتقطتين تتصلان بموضوع مقالي: * فقد ذكر سيادته في مقاله نقلا عن كتاب السلام الضائع للوزير محمد ابراهيم كامل, أن الرئيس أنور السادات قد وجه للوزير محمد ابراهيم كامل عبارة اتسمت بالفظاظة وعدم اللياقة ــ حسبما ورد بالمقال ــ أمام جمع مختار من كبار رجال الدولة وقادتها في محادثات كامب ديفيد فقد قال له انت فاكر نفسك دبلوماسي ياسي محمد ورأي الأستاذ أمين هويدي أن هذه العبارة تحدد دور ووزير الخارجية كمنفذ لسياسة مصر. وليسمح لي الأستاذ أمين هويدي بأن أعقب علي ما ذكره من مظور شكلي وموضوعي. فأما من حيث الشكل فان الرئيس أنور السادات كان محقا تماما عندما نفي عن الوزير محمد ابراهيم كامل صفته الدبلوماسية.. فوزير الخارجية وان كان يرأس الجهاز الدبلوماسي إلا أنه ليس له صفة دبلوماسية بل سياسية, مثله في ذلك مثل وزير الدفاع المدني والذي لا يتمتع بأي رتبة عسكرية. زما عن الشق الموضوعي فان الرئيس أنور السادات قد أسند للوزير محمد كامل حقيبة الخارجية ليتفاوض مع اسرائيل للتوصل الي اتفاقية سلام, وقبل الوزير المهمة. وكان ما رجح اختياره لهذا المنصب العلاقة الشخصية الوطيدة التي كانت تربط بين الصديقين ورفيقي الكفاح الوطني, من هنا فقد كان يمكن للوزير محمد ابراهيم كامل أن يرفض المنصب ــ مثلما فعل قبله وزيرين ــ لوكان لا يوافق علي المهمة.. وعليه فان علاقة الرئيس السادات بالوزير محمد ابراهيم كامل كانت بكل المعايير الموضوعية علاقة ذات طابع سياسي ومحددة الهدف والتكليفات, وأن قبول الوزير للمنصب يعني الموافقة علي متونه.
* ذكر الاستاذ أمين هويدي في مقاله أن ليونيد بريجنيف وصف وزير خارجيته اندريه جروميو بأنه لا يهش, فإذا أمرناه بالجلوس علي لوح ثلج جلس حتي نقول له قم فيقوم وعقب الأستاذ هويدي بأنه نتيجة لتميز جروميكو في عدم الهش والنش, فقد أصبح رئيسا للاتحاد السوفيتي. وليسمح لي سيادته بأن أعقب بأننا مع اتفاقنا علي أن دور وزير الخارجية هو تنفيذ سياسة رئيس الجمهورية, إلا أننا لا نتصور أن الجلوس علي لوح الثلج سوف يساعد علي تنفيذ سياسة رئيس الجمهورية, اللهم إلا لو كان الهدف من هذه السياسة هو تجميد وزير الخارجية. |
|
|
|
|
|