|
|
عن جدارة واستحقاق فقدت الولايات المتحدة عضويتها في لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة, بعد شغلها هذا المقعد علي مدي55 سنة متصلة ومستمرة منذ عام1947, وذلك وسط إحساس عالمي واسع النطاق بالارتياح والترحيب وشعور عميق لدي بعض الدول بالشماتة والتشفي مثل الصين وإيران والعراق وكوبا والسودان أما داخل أمريكا فقد أحدث المقعد صدمة عنيفة علي المستويين الشعبي والرسمي,
وقد عبرت وسائل الاعلام الأمريكية عن خيبة الأمل التي اصابت الجميع بصور شتي, محاولة الدفاع عن وجهة النظر الأمريكية والادعاء بأن الخاسر الأول في هذا الشأن هو لجنة حقوق الانسان نفسها وقضايا حقوق الانسان في العالم, وأعرب مسئول الخارجية الأمريكية عن خيبة أمل الحكومة مؤكدا ان اللجنة لن تكون بنفس الفاعلية التي كانت تضيفها عليها أمريكا, وفي الكونجرس تبادل الجمهوريون والديمقراطيون الاتهامات, وركز الجمهوريون علي أن إدارة الرئيس بوش ليست هي المسئولة عن هذا الفشل لحداثة عهده في المنصب وانما يرجع السبب إلي تراكمات خاطئة للسياسة الأمريكية علي المدي الطويل, بينما طالبت بعض الأصوات بامتناع الولايات المتحدة عن تسديد مستحقات الأمم المتحدة المتأخرة والمتراكمة لدي أمريكا ومقدارها582 مليون دولار, كما طالب آخرون بوقف المساعدات الدول التي صوتت ضد الولايات المتحدة وقالت مادلين اولبرايت ان قرار خروج الولايات المتحدة من اللجنة ليس ضربة شديدة لامريكا فحسب ولكنه ضربة أشد للأمم المتحدة نفسها وبالنسبة لأوروبا والدول الغربية فقد جاءت نتيجة التصويت معبرة عن خروج الدول الغربية علي ارادة أمريكا وعن سيطرتها, ووصفها بعض المحللين بأن هذه الدول وجهت صفعة قوية لأمريكا, وأن بعض حلفائها المقربين قد خذلوها وتمردوا علي ارادتها.. وعلي الرغم من الحملة القوية والضغوط التي مارستها الولايات المتحدة علي هذه الدول لضمان الاستمرار في مقعد لجنة حقوق الانسان, فلم تحصل سوي علي29 صوتا, بينما حصلت فرنسا علي52 صوتا, والنمسا علي41 صوتا والسويد علي32 صوتا.
ولسنا هنا بصدد تقويم السياسة الأمريكية بصفة عامة. علي أن هناك دلالات واضحة لهذا الحدث نعرض اهمها من وجهة نظرنا فيما يلي: أولا: لقد كان موقف الغرب من أمريكا مؤلما كل الايلام بقدر ماكان مصدرا لغضبها واحباطها.
فقد رأت الدول الغربية ان الولايات المتحدة لم تعد جديرة بمقعد حقوق الانسان وكان التقارب والتفاهم واضحا بين مايراه الغرب وماتراه المجموعة العربية والدول النامية في هذا الصدد وهذه ظاهرة يجب تعزيزها وتنميتها واستثمارها, خاصة أن لدي أوروبا اتجاهات متنامية لرفض الموقف الأمريكي من الأمم المتحدة, ومن الناتو, ومن العولمة, ومن قضايا حماية البيئة وامتناعها عن الموافقة علي اتفاقية كيوتو الخاصة بالتغيرات المناخية. ثانيا: الاقتناع بأن أمريكا تستخدم معايير مزدوجة غير عادلة وظالمة أحيانا فيما يتعلق بقضايا حقوق الانسان في بقاع مختلفة من العالم لعل ابرزها الموقف الأمريكي من حقوق وحياة الانسان الفلسطيني المهدرة والمستباحة من جانب إسرائيل ربيبة الولايات المتحدة والمعايير المزدوجة التي تطبقها والتناقض الواضح في اتجاهاتها نحو كل من المعتدي والمجني عليه
ثالثا: أن حقوق الانسان والعدالة من وجهة النظر الأمريكية هي حقوق وعدل المصالح الأمريكية بالدرجة الأولي.. وفي هذا الصدد تسمح أمريكا لنفسها بفرض معايير لتقويم الآخرين ومراقبتهم ومحاكمتهم إن استطاعت بما قد يقتضيه ذلك من تجاوز الحدود واثارة الفتن, وتقليب الأقليات ودعم المتمردين علي السلطة القائمة في بعض البلدان. رابعا: ان العالم علي اختلاف توجهاته أصبح يرفض الدور الأمريكي في العولمة وحرية التجارة واتفاقية الجات, ويبدو هذا الرفض معبرا عن نفسه بصفة خاصة خلال اجتماعات منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي في دافوس وسياتل وواشنطن, وما صاحب هذه الاجتماعات من رفض ومظاهرات صاخبة واحتجاج حتي في داخل الولايات المتحدة.
خامسا: السباحة ضد التيار فيما يتعلق برؤي الشعب الأمريكي من قضايا الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية وحقوق الانسان نفسها فلم يعد مستساغا او متقبلا ان تقف الولايات المتحدةمنفردة لتستعمل حق الفيتو ضد الإرادة الجماعية للدول الاعضاء بمجلس الأمن في قرار عادل وباجماع ديمقراطي يتعلق بالقضية الفلسطينية واستخدام إسرائيل للقوة المفرطة وانتهاج سياسة التدمير والابادة لشعب يدافع عن ارضه وحقه في الحياة. سادسا: الانفاق العسكري الضخم الذي يبلغ نحو300 مليار دولار في العام, وإقامة شبكة للدفاع ضد الصواريخ وهو حائط لتأمين الاعتداء الأمريكي دون اتاحة فرصة للمعتدي عليه للدفاع عن النفس, أو بمعني اخر تعزيز الحماية لاتاحة الهجوم دون رادع هذا الإنفاق العسكري المستفز يكرس للتسليح في عالم يعيش فيه مئات الملايين تحت خط الفقر ويعانون العوز والجوع والأمراض والأوبئة الفتاكة.
وثمة دروس مستفادة من هذا الحدث.. فالغرب لم يعد كتلة واحدة وانما فيه أمريكا وفيه أيضا أوروبا التي افصحت عن مظاهر الرفض للدور الأمريكي بإرادتها الحرة.. وأصبح من مصلحة الدول الغربية التي تسير الآن في ركب الولايات المتحدة ان تحذر نفس المصير.. كما أصبح من مصلحة الدول العربية والنامية ان توقن أن تضافر جهودها وتكامل أداء الأدوار فيما بينها علي الساحة الدولية يمكن أن يأتي بنتائج حاسمة لمصلحتها. وعلي أمريكا أن تؤمن بأن هيمنتها علي العالم وقوتها العسكرية واستهانتها بالأمم المتحدة والتسويف في الوفاء بالتزاماتها المالية كلها أمور تحسب عليها لا لها. فالهيمنة مرفوضة, والقوة العسكرية الجبارة مستفزةوالاستهانة بالأمم المتحدة ليست موجهة للسكرتارية او للسكرتير العام وانما هي موجهة لمنظمة كل دول العالم اعضاء فيها.
إن خروج أمريكا من لجنة حقوق الانسان هو رسالة ذات دلائل تعبر عن اتجاه جديد لمرحلة جديدة. ذلك ان العالم لم يعد يري قضية حقوق الانسان بمفهومها الضيق ولكنه يراها في إطارها الصحيح بمفهومها الأشمل, أي قضية الحرية والعدالة, والمساواة, والديمقراطية, والعولمة, والتسلح, والبيئة, واستخدام المعونات للضغط وابتزاز الطاعة هذه هي حقوق الانسان كمواطن وحقوق الدول ايضا كأنظمة ذات سيادة وتراث وحضارة. وأخيرا هذا درس للولايات المتحدة: فخروج او اخراج الولايات المتحدة من لجنة حقوق الانسان لم يأت بين يوم وليلة ولا هو نتيجة عمل واحد منفرد بذاته بل وراءه سلسلة من الأحداث والقرارات والمواقف والانتهاكات, وعليها أن تراجع نفسها وسياستها عن اقتناع بمبدأ أنه من أخطائنا نتعلم.
وكما هو درس لأمريكا فهو بنفس القدر درس لغيرها من الدول. فالدول التي رفضت تجاوز أمريكا لدورها في مجال حقوق الانسان لم تصبح الساحة امامها اليوم خالية لتصبح مراكز قوي بديلة وانما تحكمها ضوابط وموازين ونظام قيم عالمي.. ذلك ان لجنة حقوق الانسان التي امكنها ان تخذل أمريكا وتفقدها عضويتها, هي من القوة بحيث يمكنها ان تمارس نفس الدور قبل اي دولة اخري ترتكب نفس الأخطاء. |
|
|
|
|
|