|
ـ المقال الأخير |
 |
في أوائل مايو الجاري.. أرسي الرئيس الأمريكي جورج بوش قواعد مشروعه القومي لإقامة الدرع المضادة للصواريخ.. معتبرا أن سياسة الردع النووي ـالتي نشأت في أوج الحرب الباردةـ لم تعد تتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.. وفي الوقت نفسه دعا الرئيس الأمريكي إلي استبدال معاهدة حظر انتشار الصواريخ المضادة للصواريخ IBM الموقعة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عام1972.. بمعاهدة أخري تتجاوز متطلبات هذه المعاهدة التي تعود إلي30 سنة مضت. كما أعلن حرصه علي إجراء الحوار مع القوي النووية في العالم.. ومع حلفاء الولايات المتحدة بشأن هذا الموضوع. وقال بوش ـفي خطابه المهم الذي ألقاه في جامعة الدفاع الوطني في واشنطنـ علينا أن نعمل معا لاستبدال هذه المعاهدة بإطار جديد يعكس قطيعة واضحة وصريحة مع الماضي.. خاصة مع الإرث العدائي للحرب الباردة. وأضاف بوش قوله: إنه في عالم اليوم.. حيث يأتي التهديد من دول غير مسئولة.. لم يعد ردع الحرب الباردة كافيا للحفاظ علي السلام وحماية مواطنينا وحلفائنا وأصدقائنا. مؤكدا أنه علي الولايات المتحدة أن تتزود بدرع مضادة للصواريخ لمواجهة التهديدات الآتية من دول أو مجموعات إرهابية.. مضيفا أن هذا المشروع سيتألف من مكونات برية وجوية وبحرية.
من ناحية أخري تعهد الرئيس الأمريكي بعدم اتخاذ قرارات من طرف واحد وتقديمها إلي الأصدقاء والحلفاء.. معربا عن أمله في الاستماع إلي وجهات نظرهم وأنه سيأخذ بعين الاعتبار الحوار مع الصين وروسيا. وعقب خطاب الرئيس بوش, أعلنت الإدارة الأمريكية بدء حملة دبلوماسية مكثفة تستهدف شرح أبعاد المشروع وحشد التأييد الدولي للنظام الصاروخي الجديد. وبناء علي ذلك قام العديد من كبار المسئولين الأمريكيين برحلات إلي أوروبا وآسيا في محاولة لإنهاء مخاوف تلك الدول من برنامج درع الصواريخ ولبحث إمكانات التعاون مع هذا البرنامج مع بعض الدول مثل بريطانيا وكندا بشأن نظام الإنذار المبكر.. إلا أن مخاطر التكنولوجيا المعقدة التي يتضمنها البرنامج.. تثير مخاوف العديد من دول العالم. وقد أكد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي.. أن هذه الحملة هدفها تهدئة مخاوف موسكو وبكين من إقامة درع الصواريخ.
موقف الاتحاد الأوروبي واعتراضاته: وقد قام وفد أمريكي رفيع المستوي بإجراء مباحثات مكثفة في مقر حلف الأطلنطي في بروكسل لإطلاع الجانب الأوروبي علي التحديات الأمنية للقرن الحادي والعشرين.. ولحشد التأييد لبرنامج الدرع الدفاعية الصاروخية.. وقد رأس الوفد الأمريكي مارك جروسمان نائب وزير الخارجية الأمريكية للشئون السياسية.. الذي أعلن أن التهديدات المتغيرة في عالم ما بعد الحرب الباردة.. تستدعي مراجعة نظام الردع العسكري المتوارث من أيام الحرب الباردة.. وقال إن الهدف من المباحثات هو التفكير المشترك حول الجوانب الجيدة للدرع الصاروخية. وقد قام الوفد الأمريكي بجولة أوروبية واسعة شملت بريطانيا وفرنسا وهولندا والدنمارك وألمانيا وإيطاليا وبولندا. وفي الوقت نفسه قام ريتشارد أرميتاج نائب وزير الدفاع الأمريكي بجولة في آسيا لإقناع الدول الآسيوية بأهمية درع الصواريخ التي تعارضها روسيا والصين. وقد ذكرت تقارير وكالة الأنباء.. أن الحملة الأمريكية لكسب التأييد الأوروبي للمشروع أتت في وقت مازالت الدول الأوروبية تحاول فيه بلورة رأي عن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الجديدة.. وأشارت إلي أن عددا كبيرا من هذه الدول مازال يبحث عن طريقة للتعامل مع الإدارة الأمريكية التي يختلفون مع سياساتها إزاء بعض القضايا.. وفي مقدمتها مشروع الدرع الدفاعية الصاروخية.. وكذا معاهدة كيوتو للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري التي أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب منها.وأضافت هذه التقارير قولها إن الكثير من الحكومات الأوروبية تشعر بالقلق إزاء سياسة أمريكا أولا التي تنتهجها إدارة الرئيس بوش.. والتي تهدف إلي مراعاة المصالح الأمريكية دون الأخذ في الاعتبار مصالح الحلفاء أو حتي الاتفاقيات الدولية.
وقد قوبلت فكرة الدرع الصاروخية الأمريكية علي مستوي دول الاتحاد الأوروبي الحليفة لواشنطن وشركائها في حلف الناتو.. بنقد متحفظ وبرود.. حيث شعرت هذه الدول بأن الولايات المتحدة لاتعير اهتمامها للشراكة الأطلنطية.. عند تبني استراتيجيات أمن عالمية جديدة. وهذا يحدث بينما تتعرض الدول الأوروبية لنقد أمريكي شديد عندما تقرر شأنا متعلقا بالأمن الأوروبي دون استشارة واشنطن. ويري الأوروبيون أن التبريرات الأمريكية تنطوي علي تناقضين أساسيين: الأول أنه يجرد برنامج الدفاع الصاروخي من قيمته الدفاعية والدعائية باعتباره مشروع أمن قومي أمريكي حيويا يشكل الركيزة الجوهرية لاستراتيجية الإدارة الأمريكية الجديدة.. والخاصة بدفع المخاطر المحتملة والمعرضة لها الولايات المتحدة.. فإذا كان الأمر كذلك فكيف تعجز قدرات النظام عن صد هجوم صاروخي كاسح من روسيا أو الصين كما تدعي الولايات المتحدة؟ أما التناقض الثاني فيرتبط بمصادر التهديد التي يتعامل معها النظام الجديد.. وهي الدول المارقة.. بينما الحقيقة تقول إن إقدام أي منها علي مغامرة بحجم إطلاق صاروخ ضد الأراضي الأمريكية.. هذا الافتراض إن امتلكت فعلا هذه القدرة.. لا يتفق مع قدرة هذه الدول علي تحمل الرد الصاعق الذي سيأتي من الولايات المتحدة.
موسكو تنتقد وترفض انتقدت موسكو خطط الرئيس بوش بشأن المشروع الصاروخي.. ونقلت وكالة إنترفاكس الروسية عن مصادر عسكرية ودبلوماسية مسئولة قولها: إن إلغاء معاهدة الصواريخ الباليستية سوف يفجر سباقا جديدا للتسلح.. وإن إقامة الدرع الصاروخية يمكن أن تقوض نظام الاستقرار الاستراتيجي القائم في العالم اليوم. وقد حذرت المصادر الروسية من أن التخلي عن معاهدة حظر الصواريخ الباليستية.. وتبني درع دفاعية صاروخية أمريكية ستكون لهما عواقب وخيمة.. يأتي في مقدمتها الإخلال بالتوازن الاستراتيجي العالمي. وبعد إعلان الرئيس بوش والحديث التليفوني الذي أجراه مع الرئيس الروسي بوتين.. في محاولة لإقناعه بقبول سعيه لإقامة.. نظام الدفاع الصاروخية.. من أجل الحفاظ علي السلام.. أصدر الكرملين بيانا يعلن أن المحافظة علي معاهدات الأسلحة القائمة منذ وقت طويل مثل معاهدة حظر الصواريخ الباليستية يعتبر أمرا ضروريا لمنع تعرض العالم للخطر. كذلك أعلن وزير الخارجية الروسي إيجور إيفانوف أن الإعلان عن مشروع الدرع الصاروخية الأمريكية فتح مرحلة جديدة من المفاوضات حول بحث الاستقرار الاستراتيجي.. وأضاف أنه من المهم جدا إعلان الإدارة الأمريكية إنها لا تنوي اتخاذ إجراءات أحادية الجانب ولكن بالتشاور مع حلفائها ودول أخري بينها روسيا. كذلك طرح إيفانوف عرضا روسيا باستعداد موسكو لخفض جدي للأسلحة الهجومية الاستراتيجية إلي1500 رأس نووية لكل جانب وربما أقل من ذلك.. لكنه هدد بأن موسكو قد تتخلي عن معاهدة ستارت2 التي تدعو إلي خفض الأسلحة الاستراتيجية إذا نفذت واشنطن إعلانها بالتخلي عن معاهدة الصواريخ الباليستية. أما علي صعيد البرلمان الروسي الدوما فقد اتهم المسئولون فيه الرئيس الأمريكي بتعريض الأمن العالمي للخطر بعزمه التخلي عن معاهدة1972.. وأنه في هذه الحالة سوف يتقلص نظام الأمن العالمي الحالي إلي العدم. وقد استقبلت موسكو الوفد الأمريكي الذي ضم مجموعة من الخبراء برئاسة بول دولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي.. بعد أن زار الوفد عدة عواصم أوروبية. وقد اعتبرت زيارة موسكو الأهم في سلسلة الزيارات التي شملت العديد من العواصم الأوروبية.. وفي موسكو أشار ألكسندر ياكوفنيكو المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الروسية ـعقب انتهاء المباحثاتـ إلي أن الوفد الأمريكي لم يستطع تقديم المبررات التي يمكن أن تقنع موسكو بوجود رؤية واضحة لدي واشنطن تجاه آفاق الأمن العالمي.. بعيدا عن إطار معاهدة1972. وكان الوفد الأمريكي قد التقي في موسكو مع فياتشيسلاف تروبنيكوف النائب الأول لوزير الخارجية.. والمارشال إيجور سيرجييف مستشار الرئيس بوتين لقضايا الأمن.. وأناتولي كفاشنين رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الروسية. وقد أكدت المصادر الروسية أن روسيا لا تعتزم التراجع عن مواقفها المبدئية بشأن الدفاع المضاد للصواريخ من منظور ضرورة مراعاة بنود معاهدة1972 التي سبق أن اعترفت الولايات المتحدة بأهميتها.
رد فعل بكين في بكين أعلن المحللون الصينيون انتقادهم الشديد لخطط الرئيس الأمريكي بوش.. وأن إصرار الولايات المتحدة علي تنفيذ خطتها لبناء درع دفاعية صاروخية.. لن يشعل فحسب سباقا جديدا للتسلح أو يساعد علي انتشار أسلحة الدمار الشامل.. بل سوف يهدد السلام والأمن العالميين في القرن الحادي والعشرين. كذلك عقد في بكين خلال الأسبوع الماضي اجتماعا ضم وزراء خارجية25 دولة أوروبية وآسيوية أسام.. الذي يتألف من10 دول آسيوية و15 دولة أوروبية بالإضافة إلي المفوضية الأوروبية. وكان الغرض من الاجتماع بحث الخطط الأمريكية لإقامة نظام دفاع صاروخي.. وقد ذكرت وزارة الخارجية الصينية أن وزراء خارجية دول الملتقي قد بحثوا أيضا ـخلال اجتماع بكينـ قضايا نزع التسلح والسيطرة علي انتشار الأسلحة غير التقليدية في العالم. وبالرغم من معارضة الصين لكل من خطتي الدرع الأمريكية سواء الخاصة بحماية أراضي الولايات المتحدة أو تلك الخاصة بحماية الدول الحليفة والمناطق التي تتمركز فيها القوات الأمريكية في شمال شرق آسيا.. فقد أكد المتحدث الصيني أن بلاده تعارض بدرجة أكبر الخطة الثانية لأنها تقوي التحالفات العسكرية الأمريكية في آسيا.. التي تخرج عن إطار الاحتياجات الدفاعية المشروعة. وتعتبر الصين نفسها الهدف الرئيسي للمبادرة الأمريكية.. وأن الدرع الصاروخية جزء من استراتيجية أمريكية كبري تهدف إلي تطويق واحتواء الصين بواسطة شبكة تحالفات تجمع اليابان والهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وفيتنام. وقد شدد المتحدث الصيني علي الرفض القاطع لإدخال تايوان في مظلة الدرع الصاروخية.. باعتبار ذلك انتهاكا لسيادة الصين.. وأن أي مؤشر لتطور من هذا النوع من شأنه أن يدفع بكين إلي سباق تسلح ويهدد بتفجير نزاع حول مضايق تايوان.
وقد أقر المبعوث الأمريكي المكلف بشرح المشروع لـبكين جيمس كيلي وجود خلافات في وجهات النظر بين البلدين.. وأضاف ـقبل مغادرته بكين في الأسبوع الماضيـ أنه حاول إقناع الزعماء الصينيين بأن المشروع ليس تهديدا موجها للصين. ومن جانبها أكدت الخارجية الصينية أنه بالرغم مما أبلغه كيلي لمسئوليها.. فإنها لن تغير من معارضة بكين للمشروع.. وأن النظام المقترح يخل بالتوازن الاستراتيجي العالمي, ويضعف من الاستقرار الدولي. وأخيرا اعترف المتحدث باسم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أن المبعوثين الذين أرسلتهم واشنطن إلي آسيا وأوروبا للترويج لمشروع الدرع الدفاعية الصاروخية الأمريكية.. قد استقبلوا بمشاعر مختلطة من الشكوك والقلق تجاه المشروع الأمريكي. وأشار المتحدث إلي أن استراليا وبولندا وحدهما.. كان رد فعلهما إيجابيا.. لكنه لم يشر إلي ما إذا كانت هذه المعارضة الشديدة سوف تضطر الولايات المتحدة إلي تعديل خططها أو إعادة النظر في مشروعها. |
|
|
|
|
|