|
|
في يوم الثلاثاء الماضي طالبت صحيفة قومية كبري في افتتاحيتها الولايات المتحدة بالتدخل في الأحوال المتدهورة في الشرق الأوسط, وفي داخل الصحيفة نفسها جاء مقال لكاتب كبير يدعو فيه إلي وقف الدعوة للولايات المتحدة وأوروبا أيضا بالتدخل في أحوال المنطقة, وبدلا من ذلك دعوة الجماهير للعمل والحركة للتعامل مع الموضوع نفسه. بعد ذلك بأسبوع عقد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ندوة عن مستقبل النظام الإقليمي العربي انقسم فيها المشاركون بين من اعتبروا أمريكا عدوا لدودا لمصر والأمة العربية, ومن اعتبرها دولة صديقة أسهمت في تحقيق الجلاء الإسرائيلي عن الأراضي المصرية وأراض عربية أخري من خلال مشاركتها في عملية السلام, ولدورها في حماية أمن دول عربية بعينها, ولما قدمته من معونات اقتصادية لمصر وعدد من الدول العربية الأخري. قبل ذلك في شهر يناير الماضي تحدث الرئيس حسني مبارك كعادته في معرض الكتاب للمفكرين والكتاب, وتطرق في حديثه إلي ضرورة الاستثمار الأجنبي لمصر ودوره في تلطيف وتخفيف الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها الدولة. وفي اليوم السابق تماما لهذا الحديث كان أعضاء مجلس الشعب, بمن فيهم طليعة لا بأس بها من الحزب الوطني الديمقراطي, تهاجم بقسوة كل ما يتعلق بالاستثمار الأجنبي, ولم ينس بعض المشاركين لهذا الرأي في الصحف التنويه إلي أن مثل هذا الاستثمار ربما يعني نوعا من الغزو الأجنبي لمصر. وخلال عام ونصف عام تقريبا بعد انتهاء مصر من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية المشاركة انقسمت الحكومة والرأي العام حول الاتفاقية حتي اضطر الرئيس مبارك للتدخل وانتهي الأمر بقبول التوقيع بالأحرف الأولي, لكن ذلك لم ينه القضية التي لا تزال تشغل حيزا مهما في انقسامات النخبة المصرية المعروفة.
الأمثلة بعد ذلك, وقبل ذلك أيضا, كثيرة للغاية, وكلها تشير في جانب منها إلي حيوية وتعددية فكرية وسياسية تتعدد فيها الاجتهادات والآراء, خاصة أن بعضها بالغ الخطورة يتعلق بعملية الحرب والسلام في الشرق الأوسط, وبعضها بالغ الحيوية لأنها تتعلق بالمصالح اليومية الحياتية للمواطنين. لكن هذه التعددية علي الجانب الآخر تبدو ليست مثل كل تعددية أخري في العالم حينما تقود في النهاية إلي نوع من التوافق بين النخبة أو علي الأقل الأغلبية الحرجة منها علي سياسة ما, وعلي الأرجح فإن التعددية تقود في حالتنا إلي انقسامية شديدة تمتد عبر العقود بعد انتهاء الموضوع, فحتي هذه اللحظة لا يزال الانقسام في النخبة المصرية موجودا حول اتفاقيات كامب دافيد, بل هناك من يريد من القيادة المصرية الخروج منها باعتبار ذلك خلاصا من العبودية والهيمنة والسيطرة الأجنبية واستعادة لدور مصر العربي والإسلامي والعالمي. وإذا كان هناك درس قد تعلمناه من بعثة الأهرام الصحفية بقيادة الأستاذ إبراهيم نافع إلي دول شرق أوروبا الأربع: رومانيا وبولندا وتشيكيا ويوجوسلافيا, فقد كان الدور الحيوي الذي يلعبه توافق النخبة في مدي نجاح الدولة وتقدمها وخروجها من عثرتها, أو بمعني آخر من الحالة المزرية التي انتهت عندها عند زوال الشيوعية. وبالتأكيد فإن غياب توافق النخبة في كل من رومانيا ويوجوسلافيا حول موقع كل منهما من النظام الأوروبي الجديد, وحول الحزمة المناسبة من السياسات الداخلية للتغيير والتقدم, هو الذي أدي ليس فقط إلي تدهور الأحوال في كليهما أكثر مما كانت متدهورة منذ عشر سنوات, وإنما أيضا إلي تأخر لحاقهما بالمؤسسات الأوروبية والأطلنطية, وفي حالة بلجراد وصل الأمر إلي المواجهة الدامية معها.
وعلي العكس من ذلك كان الحال في بولندا وجمهورية التشيك كما ذكر في هذا المكان في الأسبوع الماضي, وفي حالة براج علي وجه التحديد لم تجد النخبة مشكلة إطلاقا في فك العلاقة التشيكية ـ السلوفاكية مادامت النخبة في القوميتين عجزتا عن التوافق والوصول إلي استراتيجية مشتركة. هذا الدرس بالغ الحيوية لمصر, وأظن أن الحوار الوطني الذي دار منذ سنوات كان يهدف إلي تحقيق التوافق بين أركان النخبة المصرية, وكذلك كان هو الهدف من الحوار الذي دار بين عدد من الأحزاب والقوي السياسية منذ فترة, حول الدستور المصري. والحقيقة أن النتائج في الحالتين كانت محدودة للغاية, لكن إجراء كلبهما كان يعني أن هناك إحساسا عاما بمشكلة ما في التطور السياسي المصري. وإذا كانت هذه المشكلة تأخذ في الصحافة والإعلام أشكالا مختلفة للانقسام في الرأي والخلاف السياسي المحمود وغير المحمود, فإنها تأخذ أشكالا من عدم الحسم والتردد والبطء عندما يتحول كل ذلك إلي استراتيجيات وخطط وسياسات ومواقف تجاه الأوضاع الداخلية والخارجية.
فالنخبة في النهاية هي تلك الجماعة من الناس التي تقف بين الجماهير والسلطة السياسية, وبينما هي أقل عددا بكثير من الأولي فإنها أوسع كثيرا من الثانية, وهي تضم كل من ليساهم من خلال الرأي والقول والنفوذ في صنع القرار, وفي الوقت نفسه فإنها من خلال نفوذها الفكري والمعنوي تسهم في عملية تشكيل موقف الجماهير من القرارات السياسية. وتضم النخبة في العادة المثقفين والقيادات السياسية في الأحزاب, وجماعات المصالح والجمعيات الأهلية والنقابات, والمجالس الشعبية, والقيادات البيروقراطية ومن يماثلهم من الناس. وكان انقسام هؤلاء جميعا خلال ربع القرن الماضي مسئولا جزئيا عن أن تقدم مصر لم يكن بالسرعة نفسها التي سارت بها بلدان أخري, بل إن قدراتنا التنافسية السياسية والاقتصادية بالمقارنة مع العالم أصيبت بوهن شديد خلال العامين الماضيين. فرغم كل ما يقال عن أن الحكومات في بلدان العالم الثالث تفعل ما بدا لها أيا كان رأي النخبة, فإن ذلك ليس صحيحا علي إطلاقه, وفي الحالة المصرية تحديدا فإن مساحة التأثير أكبر مما يتخيل الكثيرون. ولعل جزءا من التردد, وأحيانا التخبط, ما بين مواقف كثيرة خارجية وداخلية, يعود في كثير منه إلي النخبة وانقساماتها الحدية الكثيرة ما بين مدارس شتي فكرية وسياسية, وتكون النتيجة هي محاولة إرضاء جميع الفرق في المجتمع بعدم اتخاذ قرار علي وجه الإطلاق لأن ذلك يمكن أن يسبب الفتنة كما هو الحال مثلا مع قانون إيجارات المساكن الذي يتم تأجيل بحثه والنظر فيه عاما بعد عام, أو اتخاذ قرارات جزئية علي أمل أن تتكامل الجزئيات يوما وتحدث التغيير في الكل. النتيجة النهائية أن لدينا تسييرا للمجتمع والدولة, يواجه مشكلاتها اليومية, ويتعامل مع زيادتها السكانية, ويحاول حل المعضلات الخارجية والداخلية كلما استحكمت تناقضاتها وإشكالياتها, وليس مشروعا مستقبليا يكفل التقدم والنهضة والمكانة بين الأمم, لأننا باختصار لم نتفق علي ما هو التقدم, وما الذي نعنيه بالنهضة, وما هي الأمم التي نريد أن نكون لنا مكانة بينها.
الأخطر من ذلك أن العالم يجد صعوبة كبيرة في فهمنا, فنحن تارة دولة تريد الاندماج في العالم بكم هائل من المفاوضات حول إنشاء مناطق للتجارة الحرة, وتارة أخري تظهر الصورة المصرية حمائية للغاية ليس خوفا فقط علي الصناعات الوطنية, ولكن خوفا أكثر ممن نريد فتح التجارة والاستثمار معهم. ونحن لنا صلات قوية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي, ومع ذلك فإنها ليست مشهرة بالشكل الكافي وكأنها باعثة علي الخجل, وعند منحني أية خلافات في السياسات والرأي, فإن الرسالة المصرية, خاصة من جانب النخبة الإعلامية, فإنها لا تظهر كخلافات, وإنما كدلالة علي العداء التاريخي الذي لا تخبو له نار. وكما أسلفنا في مقدمة المقال, فإننا نريد للولايات المتحدة دورا في عملية السلام, ولا نريد لها دورا, وهكذا. ومهما احتج البعض علي أن موقف السلطة السياسية واضح في كل هذه الأمور, وسياستها متسقة مع بعضها البعض, فإ الزمن الذي كانت تعتمد فيه الدول علي مواقف السلطات السياسية قد ولي, نتيجة تغيرات كثيرة في النظام العالمي ليس هنا مكان إعادة التفكير بها, فإن الدول الأخري تنظر أيضا وبشكل لصيق علي مواقف النخبة ومدي توافقها علي سياسات بعينها.
ولعل السؤال المطروح هو: لماذا لا تتوافق النخبة المصرية, ولماذا تستمر خلافاتها وانقساماتها السياسية والفكرية دون حل أو تقدم يذكر لعقود عديدة, وفي بعض الأحوال قرن أو أكثر. فوفق بعض الآراء أن كثيرا من القضايا التي كانت مطروحة علينا في القرن التاسع عشر لا تزال مطروحة علينا في أول القرن الحادي والعشرين. وما علينا إلا التفتيش عن موضوعات العلاقة مع الغرب, والتحديث, والأصالة والمعاصرة, والمواطنة, والمرأة, والدولة والدين, وما ماثلها, إلا ونجد تلك الانقسامات الضاربة حتي جذور المجتمع والدولة. الموضوع ـ علي أية حال ـ يتطلب مزيدا من النظر والنقاش.. فلعلنا نستفيد من تجربة زيارة بعثة الأهرام لمنطقة شرق أوروبا. |
|
|
|
|
|