قضايا و اراء

41804‏السنة 125-العدد2001مايو21‏27 من صفر 1422 هـالأثنين

التفسير العلمي للقرآن الكريم
بقلم : د‏.‏ محمود حمدي زقزوق

منذ أكثر من ربع قرن من الزمان استضاف الاعلامي الكبير الاستاذ أحمد فراج الشيخ محمد متولي الشعراوي ـ رحمه الله ـ في برنامجه المتميز نور علي نور في حديث عن الاسراء والمعراج‏,‏ فانبهر الناس بما جاء علي لسان الشيخ من كلمات مضيئة‏,‏ ولمحات ذكية لم يسمعوها من قبل‏,‏ فأقبلوا علي الشيخ إقبالا منقطع النظير‏,‏ وأصبح الشيخ الشعراوي منذ ذلك الحين ظاهرة جديدة في سماء الدعوة الإسلامية‏,‏ ولايزال الناس يحرصون علي الاستماع والمشاهدة لأحاديثه المسجلة في الاذاعتين المرئية والمسموعة حول تفسير القرآن الكريم‏,‏ وقد كان الشيخ متمكنا من اللغة العربية وأساليبها البلاغية‏,‏ ويمكن وصف تفسيره للقرآن الكريم بأنه تفسير لغوي إلي حد بعيد استخدم فيه علمه الغزير باللغة العربية وفنونها في براعة فائقة‏.‏
ومنذ شهور قليلة استضاف الاستاذ أحمد فراج العالم الدكتور زغلول النجار في البرنامج ذاته نور علي نور الذي يرجع الفضل في عودته مرة أخري إلي الاستاذ صفوت الشريف وزير الاعلام ـ واذا كان الشيخ الشعراوي قد أفاض الله عليه العلم الغزير في تفسيره للقرآن علي النحو الذي أشرنا إليه‏,‏ فان الدكتور زغلول النجار قد اتجه إلي تفسير القرآن بحقائق العلم ومقرراته‏.‏

وانبهر الناس بزغلول النجار كما سبق أن انبهروا بالشيخ الشعراوي‏,‏ ولعل انبهارهم بالتفسير العلمي للدكتور النجار قد فاق كل الحدود‏,‏ وقد تجلي ذلك بوضوح في كل مكان دعي اليه الدكتور النجار ليحاضر فيه‏,.‏ ومن الأمثلة علي ذلك المحاضرة التي ألقاها في قاعة المحاضرات الكبري بمسجد النور بالعباسية‏,‏ فقد امتلأت القاعة بشكل غير مسبوق بما يزيد علي ألفين من الحضور‏,‏ وضاقت عن استقبال ثلاثة الاف آخرين خارج القاعة لم تتح لهم الفرصة لدخولها رغم محاولاتهم المستميتة‏.‏
وقد أقلق ذلك البعض‏,‏ فراحت بعض الأقلام تسلق الدكتور بألسنة حداد‏,‏ والنقد مطلوب‏,‏ ولكن الهجوم غير المبرر لايدخل في مجال النقد‏,‏ وقد أحسنت صحيفة الاهرام صنعا إذ بادرت ـ في خطوة جريئة ـ بافراد صفحة كاملة كل أسبوع للدكتور النجار‏,‏ وبذلك تجاوبت الصحيفة مع الرغبة العارمة للمواطنين من كل فئات المجتمع الذين أقبلوا بنهم غير معهود علي التزود بهذا الزاد العلمي الغزير الذي أنعم الله به علي العالم الجليل‏.‏

والذي يهمنا هنا بعد هذه المقدمة أن نشير إلي قضية التفسير العملي للقرآن الكريم ودلالاتها في عصرنا الحاضر‏,‏ ونود في البداية أن نشير إلي ان التخوف من التفسير العلمي للقرآن ليس وليد اليوم‏,‏ وإنما يعود إلي سنوات بعيدة مضت قبل أن يعرف العلم الكثير من المنجزات العلمية الباهرة التي أحدثت ثورة في عالم التكنولوجيا والاتصالات والمعلومات‏.‏
ومنذ حوالي نصف قرن تصدي الامام الاكبر الراحل الشيخ محمود شلتوت لمعارضة التفسير العلمي للقرآن الكريم‏,‏ وضرب بعض الامثلة التي كانت رائجة في زمانه‏,‏ وأضاف‏:‏ لسنا نستبعد ـ إذا راجت عند الناس في يوم ما نظرية دارون مثلا ـ أن يأتي الينا مفسر من هؤلاء المفسرين الحديثين فيقول‏:‏ ان نظرية دارون قد قال بها القرآن الكريم منذ مئات السنين‏.‏

ورفض الشيخ للتفسير العلمي للقرآن مبني علي أنه تفسير بنظريات العلم‏,‏ ومن هنا يبرز في هذا الصدد وجهة نظره في خطأ هذا التفسير قائلا‏:‏
ان هذه النظرة للقرآن خاطئة من غير شك‏,(‏ أولا‏)‏ لأن الله لم ينزل القرآن ليكون كتابا يتحدث فيه إلي الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف و‏(‏ ثانيا‏)‏ لانها تحمل أصحابها والمغرمين بها علي تأويل القرآن تأويلا متكلفا يتنافي مع الاعجاز ولا يستسيغه الذوق السليم و‏(‏ ثالثا‏)‏ لانها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان‏,‏ والعلوم لاتعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الاخير‏,‏ فقد يصح اليوم في نظر العلم مايصح غدا من الخرافات‏(‏ تفسير القرآن الكريم للشيخ شلتوت ص‏13).‏

ونحن مع الشيخ الجليل في خطأ تفسير القرآن الكريم بنظريات العلم المتغيرة ـ ولكن هناك فرقا بين النظريات ـ التي لاتزال محل نظر وبحث يؤدي إلي اجراء الكثير من التعديلات عليها ـ وبين حقائق العلم التي استقرت ولم يعد هناك مجال للشك فيها‏,‏ وما أكثرها في عالمنا المعاصر‏,‏ فهل نرفض حقائق العلم في مجالاته المتعددة في الطب والجيولوجيا وعلوم الفلك والفضاء والطبيعة والكيمياء والذرة وغيرها؟ ان هذا أمر غير واراد اطلاقا‏,‏ ولايوافق عليه من لديه ذرة من عقل‏.‏
والدكتور زغلول النجار يؤكد أنه لايلجأ إلي تفسير القرآن الكريم بنظريات العلم المتغيرة‏,‏ وإنما بحقائق العلم المستقرة‏,‏ وهذا مانتفق معه فيه ونؤيده تماما في هذا الاتجاه‏.‏

ومن الجائز أن يخطيء الدكتور النجار في بعض الأمور‏,‏ ولكن هذا لايعني أن نرفض هذا الاتجاه رفضا تاما‏,‏ فالمجتهد إذا اجتهد واصاب فله أجران‏,‏ واذا اجتهد وأخطأ فله أجر‏,‏ وأنا أعلم ان هناك من سيقول ان هذا وارد فقط في الأمور الفقهية الفرعية وليس في ثوابت الدين‏.‏
ونحن معه أيضا ولا أعتقد ان تفسير الدكتور النجار سيعرض ثوابت الدين للتغيير والتبديل‏.‏

صحيح أن هناك بعض العلماء الذين بالغوا في التفسير العلمي للقرآن‏,‏ وراحوا يؤولون تأويلات لاتحتملها الآيات ولا السياق الذي وردت فيه‏,‏ ومن ذلك ان عالما جليلا من علماء لفلك رحمه الله تعرض لتفسير سورة الفلق تفسيرا بعيدا كل البعد عن المعاني الواضحة لآيات السورة‏,‏ وراح يسهب في تفسير ذلك بما عرف في عالم الميكروبات والفيروسات‏..‏ إلخ‏.‏ وقد ووجه بمعارضة قوية بعد انتهائه من محاضرته التي ألقاها منذ حوالي عشرين عاما باحدي الجامعات الخليجية‏,‏ وقد كنت حاضرا حينذاك ولم أوافق ايضا علي ما ذهب إليه ـ ولكنني لم أسمعه بعد ذلك يردد هذا التفسير ـ الذي ليس له مبرر علمي ـ إلي ان توفاه الله وهذا الخطأ في التأويل من بعض العلماء لايبرر رفضنا لهذا الاتجاه جملة وتفصيلا‏.‏
وأعتقد ان الدكتور زغلول النجار جاء في وقته‏,‏ فنحن في عصر العلم‏,‏ ونحن أحوج مانكون في هذا العصر إلي الاهتمام بالعلم إلي آخر مدي‏,‏ والاقبال الشديد الذي يصادفه الدكتور النجار في كل مكان يدل علي مدي تعطش الناس للعلم‏,‏ وقد استطاع الدكتور النجار أن يلفت انتباه الناس إلي هذا الجانب المهم‏,‏ أليس ذلك أجدي لشبابنا من الانشغال بما لايجدي ؟ أليس من المفيد أن نشغل اهتمامهم بالعلم وقضاياه‏,‏ وفي الوقت نفسه بالقرآن الكريم واعجازه حتي تنطلق الطاقات إلي البحث والدراسة والابداع في كل مجالات العلم وآفاقة لنستزيد علما ونستزيد تقدما؟

وفضلا عن ذلك فاننا ـ نحن المسلمين ـ مطالبون بتعريف غير المسلمين بتعاليم القرآن‏,‏ والعقلية المعاصرة عقلية علمية تحترم العلم ومقرراته‏,‏ ومن هنا فان مخاطبة هؤلاء لاتكون إلا بمنطق العلم وحقائقه‏.‏
لقد سئلت ذات مرة عقب انتهائي من محاضرة في الأكاديمية الكاثوليكية في مدينة زيوريخ بسويسرا عام‏1993‏ م سؤالا يتصل بما نحن فيه الآن من التفسير العلمي للقرآن‏,‏ فقد كان السؤال هو‏:‏ كيف استطاع محمد ـ وهو الامي ـ ان يعرف مراحل تطور الجنين في بطن امه ـ كما وردت في القرآن الكريم ـ في حين ان هذه أمور لم يستطع العلم معرفتها إلا في العصر الحديث؟

وكانت اجابتي تتمثل في أن هذا ان دل علي شيء فانما يدل علي ان هذا القرآن وحي من عند الله وليس من عند محمد‏.‏
ان القرآن الكريم نفسه يثني علي العلماء مبينا أنهم أخشي الناس لله‏,‏ لانهم الذين يدركون أسرار الخلق وجمال الكون وجلال الخالق‏:(‏ إنما يخشي الله من عباده العلماء‏),‏ ومن الأمور التي تسترعي الانتباه وتدعو إلي التأمل أن الدعوة التي أمر الله نبيه محمدا في القرآن الكريم أن يدعو ربه بها تتمثل في طلب الاستزادة من العلم‏:(‏ وقل رب زدني علما‏)‏ ونحن أحوج مانكون الآن إلي الاستزادة من العلم والمعرفة‏,‏ وأعتقد ان طريقة الدكتور النجار في تفسير القرآن يمكن أن تحقق هدفين في آن واحد‏,‏ هما الاقبال علي العلم والاستزادة منه‏,‏ ونشر الثقافة العلمية بين فئات المجتمع من ناحية‏,‏ وتعميق الايمان بالقرآن الكريم وتعاليمه من ناحية أخري‏.‏

ألا يكفي ذلك سببا مقنعا للترحيب بتفسير القرآن الكريم بحقائق العلم ومقرراته الثابتة؟
ان القرآن الكريم ذاته يلفت نظرنا إلي ذلك حين يقول‏:‏
‏(‏سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق‏).‏

وهذا التعبير القرآني يبين لنا أن هذا الكشف أمر مستقبلي لم يتحقق في الماضي إلا بقدر ما يكتشفه الانسان عن طريق العلم‏,‏ وحتي يومنا هذا لايزال الانسان يكتشف العديد من آيات الله الكونية والانسانية‏,‏ وهذا الكشف لن يقف عند حد‏,‏ فلايزال هناك الكثير أمام العلم في هذا الصدد‏.‏
والمفارقة هنا هي انه كلما اكتشف العلماء جديدا اتسعت أمامهم مساحة الجهل بدلا من أن تضيق فيزيدهم ذلك اصرارا علي اكتشاف المزيد‏,‏ وسيظل الأمر علي هذا النحو إلي نهاية العالم‏,‏ والعلم اليوم هو سبيلنا للنهوض‏,‏ والمشاركة في صنع التقدم‏,‏ والحصول علي المكان الذي يليق بنا علي خريطة العالم في الألفية الجديدة‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية