ملفات الأهرام

41783‏السنة 125-العدد2001ابريل30‏6 صفر 1422 هـالأثنين

في ضوء الذكري التاسعة عشرة لتحرير سيناء
ملحمة التحرير‏..‏ بين الواجب الوطني والالتزام القومي
بقلم‏:‏ طه المجدوب

في خضم الأحداث الجارية في الوقت الراهن‏..‏ وحالة التوتر الشديدة السائدة في المنطقة‏..‏ تبرز جهود السلام الضخمة التي تبذلها قيادة مصر السياسية لإنقاذ عملية السلام ووقف العنف في الأراضي الفلسطينية‏.‏ إن مصر دائما لا تتردد في حمل مسئولياتها القومية بأمانة‏..‏ وذلك بحكم قدرها وقدرتها‏..‏ وهي تمارس رسالتها بصدق تجاه أمتها العربية‏..‏ التي تحملت مصر عنها عبء هذه المسئوليات حربا وسلاما منذ أكثر من نصف قرن‏.‏ في هذا الخضم الذي لا تتوقف فيه حركة الأحداث‏..‏ نحتفل بالذكري التاسعة عشرة لتحرير سيناء‏.‏ ويمثل هذا اليوم علامة بارزة في ملحمة تحرير سيناء التي امتدت خمس عشرة عاما‏..‏ لتجسد تجربة كاملة جمعت بين أهوال الحرب وجهود السلام‏..‏ بدأت يوم‏6‏ أكتوبر‏1973‏ بحرب العبور المجيدة‏..‏ وبالنجاح العظيم الذي حققته قواتنا المسلحة‏..‏ حين وجهت ضربتها العسكرية القاصمة ضد إسرائيل‏..‏ فزلزلت كيانها وقضت علي اسطورة الجيش الذي لا يقهر‏..‏ باقتحامها الكاسح لقناة السويس واجتياحها الكامل لذلك العمل الإسرائيلي الاسطوري المعروف بـ خط بارليف‏..‏ واستيلائها خلال ساعات قليلة علي الضفة الشرقية لقناة السويس بكل قلاعها وحصونها‏..‏ ثم ادارتها لقتال شرس في عمق الضفة الشرقية وعلي الضفة الغربية للقناة‏..‏ الي ان توقف القتال تماما يوم‏28‏ اكتوبر‏1973..‏ حين رضخت إسرائيل تحت ضغط الخسائر الفادحة‏..‏ والفشل الذريع في أن تحقق أي نتيجة استراتيجية علي مسار الحرب كلها‏..‏ لقبول وقف إطلاق النار والدخول فورا في مباحثات عسكرية للفصل بين القوات‏..‏ لتبدأ مسيرة السلام انطلاقتها من خيمة الأمم المتحدة في الكيلو‏101‏ طريق القاهرة ـ السويس‏..‏ وهي المسيرة التي استمرت حتي اليوم‏..‏ برغم ماتعرضت له من معوقات عطلتها لفترات طويلة‏.‏
اليوم وقد مضت سنوات طويلة علي تحرير سيناء‏..‏ يعتبر يوم‏25‏ ابريل‏1982‏ يوما مشهودا في تاريخ مصر والأمة العربية‏..‏ بما حمله من دلالات وماحققه من نتائج‏..‏ وما أكده من القيمة الكبيرة للوعي بحقيقة مايحيط بنا من ظروف‏..‏ وما نواجهه من مواقف دولية أو اقليمية أو محلية‏..‏ والتأثيرات السلبية التي يمكن أن تعكسها هذه المواقف علي مسيرتنا القومية‏.‏ بهذا الوعي كان يمكننا ـ إذا تحقق ـ أن نواجه التحديات ونتصدي للمعوقات‏..‏ وأن نتغلب علي الموانع التي عرقلت المسيرة العربية ومازالت‏..‏ وتفرض علي مستقبلها سلبيات خطيرة لابد من العمل علي التخلص منها‏.‏

‏***‏
لقد نجحت مصر من خلال الحرب‏..‏ في أن توجد موقفا استراتيجيا جديدا‏..‏ فتح الطريق أمام استكمال تحرير سيناء بوسائل أخري‏..‏ سواء باستخدام السلاح الاقتصادي العربي‏..‏ ممثلا في حظر تصدير البترول للدول الغربية المساندة لإسرائيل‏..‏ وفي مقدمتها الولايات المتحدة‏..‏ والذي أحدث دويا عالميا وآثارا ضخمة في الصناعات الغربية الكبري‏..‏ أو بتجمع عربي وحشد قومي خلف مصر وسوريا‏..‏ يوجد موقفا سياسيا قوميا قويا‏..‏ داعما للقضايا العربية‏..‏ معبرا عن موقف الأمة العربية ضد الاطماع الإسرائيلية‏.‏
إن هذه الاستراتيجية الشاملة طويلة الأمد‏..‏ التي اتبعتها مصر لتحرير الأرض العربية‏..‏ والتي اتسمت بالوعي الكامل ومرونة الحركة دون التخلي عن الأهداف القومية‏..‏ كانت تعتمد أساسا علي استغلال نتائج الضربة العسكرية القاصمة التي وجهت ضد إسرائيل‏..‏ في استكمال مسيرة التحرير باستخدام أدوات ضغط أخري‏..‏ اقتصادية وسياسية ودبلوماسية‏..‏ بحيث تتحرك هذه المسيرة بما تتناسب مع معطيات الموقف السياسي العام‏..‏ ويحقق التوازن السليم بين الأهداف والقدرات المتاحة‏..‏ حتي يمكن تحقيق النصر واسترداد الأرض كاملة غير منقوصة‏.‏

هكذا أرغم المفاوض الإسرائيلي علي مواجهة مرحلة التفاوض التي بدأت في يوم وقف إطلاق النار نفسه‏..‏ بينما كان المفاوض المصري يقف ـ بفضل الإنجازات العربية ـ فوق أرض صلبة طوال فترة المفاوضات التي استغرقت ست سنوات من عام‏1973‏ حتي عام‏1979..‏ حين تم توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل‏..‏ والتي نصت علي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء حتي الحدود الدولية‏.‏ ولقد شهدت عملية الانسحاب من سيناء ثلاث مراحل أساسية‏..‏ مثلت المرحلة الأولي النتيجة العملية المباشرة للحرب‏..‏ والتي انتهت في عام‏1975‏ بتحرير‏8000‏ كم‏2..‏ وتحقيق أوضاع عسكرية تمثل سلاما عسكريا بين الطرفين‏..‏ وقد تم خلال هذه المرحلة استرداد منطقة المضايق الاستراتيجية وحقول البترول الغنية علي الساحل الشرقي لخليج السويس‏.‏ ثم نفذت المرحلتان الثانية والثالثة في إطار معاهدة السلام‏(1979‏ ـ‏1982).‏
تضمنت المرحلة الثانية انسحابا كاملا من خط العريش‏/‏رأس محمد‏..‏ والتي انتهت في يناير‏1980..‏ وتم خلالها تحرير‏32000‏ كم‏2‏ من سيناء ليصبح اجمالي الأراضي المحررة‏40000‏ كم‏2‏ وتمثل ثلثي مساحة سيناء‏.‏ اما المرحلة الثالثة والأخيرة‏..‏ فقد أتمت خلالها اسرائيل الانسحاب الي خط الحدود الدولية الشرقية لمصر‏..‏ وتحرير‏21000‏ كم‏2‏ من سيناء‏.‏ وفي يوم‏25‏ إبريل‏1982‏ تم تحرير كل شبر من سيناء فيما عدا الشبر الأخير ممثلا في مشكلة طابا التي اوجدتها إسرائيل في آخر أيام انسحابها من سيناء‏..‏ وقد استغرقت المعركة الدبلوماسية لتحرير هذه البقعة سبع سنوات من الجهد الدبلوماسي المكثف‏..‏ وانتهت باسترداد الشبر الأخير من أرض سيناء‏,‏ ورفع عليه الرئيس حسني مبارك علم مصر في مارس‏1989..‏ بعد إزالة الوجود الإسرائيلي من المنطقة‏.‏ بذلك يكون قد استكمل تحقيق هدف التحرير بعد نضال عسكري واقتصادي وسياسي ودبلوماسي دام خمسة عشر عاما‏.‏

وبمجرد انتهاء المرحلة الثانية للانسحاب في يناير‏1980..‏ انطلقت القيادة المصرية نحو تعمير الجزء الذي تم تحريره في سيناء‏(‏ أكثر من‏65%‏ من مساحة سيناء‏)..‏ وبدأت مشروعات ربطه بوادي النيل والعمل علي تحويل سيناء الي منطقة استراتيجية متكاملة تمثل درع مصر الشرقية‏.‏ ومن أجل ذلك تمت اعادة تقسيم سيناء اداريا الي محافظتين‏..‏ بعد أن كانت محافظة واحدة‏,‏ فقسمت الي محافظة شمال سيناء ومحافظة جنوب سيناء‏..‏ كما اقتطعت شريحة من أرض سيناء الممتدة شرق قناة السويس بعرض‏20‏ كيلو مترا لضمها الي محافظات القناة الثلاث‏:‏ بورسعيد والاسماعيلية والسويس‏..‏ تأكيدا لارتباط سيناء بوادي النيل‏..‏ حيث لم تعد القناة تمثل حاجزا إداريا يعزل شبه جزيرة سيناء عن وادي النيل‏.‏
وبعد اتمام الانسحاب الكامل‏..‏ بدأ تنفيذ العمليات الكبري لتحقيق الربط الجغرافي بين وادي النيل وسيناء عبر قناة السويس‏.‏ فأنشئ نفق أحمد حمدي شمال السويس‏..‏ ليمر تحت القناة ويربط غربها بشرقها برا‏..‏ كما شقت ترعة السلام جنوب بورسعيد الي سيناء لكي تروي بمياه النيل مايقرب من نصف مليون فدان في شمال سيناء‏,‏ وفي اطار الخطة القومية لإعادة تعمير سيناء والتي ستستمر حتي عام‏2017..‏ استكملت عملية الربط العضوي بانشاء كوبريين عبر القناة هما‏:‏ الكوبري المعلق جنوب القنطرة وكوبري القردان المتحرك للسكك الحديدية فضلا عن مد خط السكة الحديد بين الإسماعيلية ورفح ويبلغ طوله‏217‏ كيلو مترا‏..‏ وهكذا تصبح سيناء أرض الأمل والمستقبل لشعب مصر والميدان الواسع الذي يحقق لشبابها آماله وطموحاته‏.‏

‏***‏
لقد نجحت مصر بكل المقاييس الاستراتيجية والعسكرية والسياسية في تحقيق هدفها القومي من خلال الجهد العسكري والضغط السياسي والاقتصادي المشترك‏..‏ وهكذا استردت مصر كل أراضي شبه جزيرة سيناء حتي آخر ذرة من ترابها‏.‏ وإذا كان الهدف من البداية هو تحرير كل الأراضي العربية المحتلة‏..‏ والذي لم يتحقق عقب الحرب‏..‏ فذلك لا يعود لأي قصور في الاستراتيجية الواعية التي اتبعتها مصر‏..‏ ولكنه يعود أساسا الي السلبية التي اتسمت بها المواقف العربية في ذلك الوقت‏..‏ وتخليها عن مساندة مسيرة مصر نتيجة للنقص في إدراك حقيقة معطيات الموقف الدولي في زمننا المعاصر‏..‏ وتأثير التوازنات الاستراتيجية والسياسة العالمية والاقليمية التي كانت سائدة‏..‏ والتي تجعل من فكرة امكان التحرير الشامل للأرض العربية باستخدام القوة العسكرية‏..‏ فكرة تنقصها الواقعية وتفتقر الي النضج السياسي والإدراك الاستراتيجي السليم لطبيعة الأوضاع المحيطة بنا‏..‏ إنها فكرة لم تتجاوز اطار الشعارات الحماسية البراقة‏..‏ الخالية من أي مضمون حقيقي وواقعي‏.‏
إن نجاح مصر في استرداد كل ترابها الوطني في سيناء‏..‏ بعد احتلال دام خمسة عشر عاما‏..‏ قد دفع البعض الي التصور بأن مصر‏..‏ وقد حققت هدفها الحيوي‏..‏ سوف تغير سياستها القومية بشكل جوهري فلا تتمسك بالتزاماتها القومية وروابطها القوية بالأمة العربية‏..‏ وهو تصور يعكس قصورا في البصيرة وخطأ فادحا في تقويم المواقف‏..‏ وقد أكدت الأحداث المتعاقبة وعلي مدي عقدين كاملين من الزمان‏..‏ أن سياسة مصر القومية ظلت ثابتة لم تتغير‏.‏ بل ازدادت قوة ورسوخا في المجال القومي الذي تعتبره مصر قدرا لا يمكن التخلي عنه‏.‏ ومازالت مصر‏..‏ وقد مضت ثلاثة وعشرون عاما علي توقيع معاهدة السلام‏..‏ تواصل جهدها الجاد والمضني من أجل الابقاء علي عملية السلام ودفعها للامام‏..‏ والعمل الدءوب علي استرداد الحقوق العربية المشروعة‏..‏ مع التركيز الواضح والمستمر علي حل القضية الفلسطينية وحصول الشعب الفلسطيني علي حقه في أرضه كيانه السياسي المستقل‏.‏

علينا هنا ان نتذكر ان مصر لم تتوان عن تقديم العون لأي دولة عربية تتعرض للعدوان‏..‏ وكان المثل الأكثر بروزا وتجسيدا لهذا المبدأ‏..‏ مشاركة مصر الفاعلة علي الصعيد السياسي القومي والصعيد العسكري في أزمة الخليج عندما احتل العراق الاراضي الكويتية عام‏1990..‏ وشاركت قواتها المسلحة في تحرير هذه الأراضي وعودة السيادة الكويتية إليها في أوائل عام‏1991,‏ كذلك علينا هنا أن نؤكد أن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي مازال يشكل حتي يومنا هذا المحور الرئيسي الذي دارت وتدور حوله عملية السلام ومباحثاتها مع الأطراف العربية المعنية‏..‏ هذا المبدأ هو ثمرة سياسية بارزة من ثمار حرب أكتوبر‏..‏ والذي ربط بين استرداد الأرض المحتلة كاملة وتحقيق السلام الشامل‏..‏ وقد أكدت الأحداث انه دون تحقيق الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية فلن يتحقق السلام في المنطقة أو يستقر الأمن لإسرائيل‏.‏ إن هذا المبدأ الذي أرسته حرب أكتوبر‏..‏ ظل حيا برغم مرور مايقرب من ثلاثة عقود علي الحرب‏..‏ وكان هو الجوهر الذي بنيت علي أساسه صيغة مدريد عام‏1991..‏ والذي شكل طبيعة المسيرة التي يجب أن تتحرك في اطارها عملية السلام‏,‏ إن المعضلة التي تواجهها هذه العملية الآن سببها الوحيد تمسك إسرائيل بأجزاء من الأرض العربية التي احتلتها عام‏1967..‏ الأمر الذي أضر ضررا بالغا بعملية السلام وعرضها للانهيار الكامل‏..‏ وهذا يعني أن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أفرزته الحرب وطبقته مصر مع إسرائيل‏..‏ مازال يمثل العمود الفقري لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة‏..‏ وهو يجسد المعادلة الوحيدة المتوازنة القابلة للتنفيذ‏.‏

وأخيرا فلا لإحياء عملية السلام‏..‏ وإجبار إسرائيل علي التراجع عن موقفها المتعنت‏..‏ وعودة الحق العربي الي أصحابه‏..‏ سوي بالاصرار العربي الشامل علي تحقيق الهدف القومي من خلال التضامن الحقيقي القوي‏..‏ الذي يوجد حركة عربية فاعلة قادرة علي فرض تأثيرها المباشر اقليميا ودوليا وعلي ضمان عودة الحقوق العربية المشروعة للشعوب العربية صاحبة هذه الحقوق‏.‏
في هذا الاطار من الضروري وضع استراتيجية عربية شاملة متكاملة‏..‏ وبذل الجهد الصادق لحشد الجهود السياسية والدبلوماسية والاعلامية‏..‏ وإيجاد تأثير قوي في الرأي العام العالمي والقوي المحبة للسلام لمصلحة الحق العربي‏,‏ وتحقيق السلام العادل القادر علي أن يضع حدا تاريخيا للصراع الدموي الدائر في منطقة الشرق الأوسط عامة وفوق أرض فلسطين بوجه خاص‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية