|
|
 | |
في خضم الأحداث الجارية في الوقت الراهن.. وحالة التوتر الشديدة السائدة في المنطقة.. تبرز جهود السلام الضخمة التي تبذلها قيادة مصر السياسية لإنقاذ عملية السلام ووقف العنف في الأراضي الفلسطينية. إن مصر دائما لا تتردد في حمل مسئولياتها القومية بأمانة.. وذلك بحكم قدرها وقدرتها.. وهي تمارس رسالتها بصدق تجاه أمتها العربية.. التي تحملت مصر عنها عبء هذه المسئوليات حربا وسلاما منذ أكثر من نصف قرن. في هذا الخضم الذي لا تتوقف فيه حركة الأحداث.. نحتفل بالذكري التاسعة عشرة لتحرير سيناء. ويمثل هذا اليوم علامة بارزة في ملحمة تحرير سيناء التي امتدت خمس عشرة عاما.. لتجسد تجربة كاملة جمعت بين أهوال الحرب وجهود السلام.. بدأت يوم6 أكتوبر1973 بحرب العبور المجيدة.. وبالنجاح العظيم الذي حققته قواتنا المسلحة.. حين وجهت ضربتها العسكرية القاصمة ضد إسرائيل.. فزلزلت كيانها وقضت علي اسطورة الجيش الذي لا يقهر.. باقتحامها الكاسح لقناة السويس واجتياحها الكامل لذلك العمل الإسرائيلي الاسطوري المعروف بـ خط بارليف.. واستيلائها خلال ساعات قليلة علي الضفة الشرقية لقناة السويس بكل قلاعها وحصونها.. ثم ادارتها لقتال شرس في عمق الضفة الشرقية وعلي الضفة الغربية للقناة.. الي ان توقف القتال تماما يوم28 اكتوبر1973.. حين رضخت إسرائيل تحت ضغط الخسائر الفادحة.. والفشل الذريع في أن تحقق أي نتيجة استراتيجية علي مسار الحرب كلها.. لقبول وقف إطلاق النار والدخول فورا في مباحثات عسكرية للفصل بين القوات.. لتبدأ مسيرة السلام انطلاقتها من خيمة الأمم المتحدة في الكيلو101 طريق القاهرة ـ السويس.. وهي المسيرة التي استمرت حتي اليوم.. برغم ماتعرضت له من معوقات عطلتها لفترات طويلة. اليوم وقد مضت سنوات طويلة علي تحرير سيناء.. يعتبر يوم25 ابريل1982 يوما مشهودا في تاريخ مصر والأمة العربية.. بما حمله من دلالات وماحققه من نتائج.. وما أكده من القيمة الكبيرة للوعي بحقيقة مايحيط بنا من ظروف.. وما نواجهه من مواقف دولية أو اقليمية أو محلية.. والتأثيرات السلبية التي يمكن أن تعكسها هذه المواقف علي مسيرتنا القومية. بهذا الوعي كان يمكننا ـ إذا تحقق ـ أن نواجه التحديات ونتصدي للمعوقات.. وأن نتغلب علي الموانع التي عرقلت المسيرة العربية ومازالت.. وتفرض علي مستقبلها سلبيات خطيرة لابد من العمل علي التخلص منها.
*** لقد نجحت مصر من خلال الحرب.. في أن توجد موقفا استراتيجيا جديدا.. فتح الطريق أمام استكمال تحرير سيناء بوسائل أخري.. سواء باستخدام السلاح الاقتصادي العربي.. ممثلا في حظر تصدير البترول للدول الغربية المساندة لإسرائيل.. وفي مقدمتها الولايات المتحدة.. والذي أحدث دويا عالميا وآثارا ضخمة في الصناعات الغربية الكبري.. أو بتجمع عربي وحشد قومي خلف مصر وسوريا.. يوجد موقفا سياسيا قوميا قويا.. داعما للقضايا العربية.. معبرا عن موقف الأمة العربية ضد الاطماع الإسرائيلية. إن هذه الاستراتيجية الشاملة طويلة الأمد.. التي اتبعتها مصر لتحرير الأرض العربية.. والتي اتسمت بالوعي الكامل ومرونة الحركة دون التخلي عن الأهداف القومية.. كانت تعتمد أساسا علي استغلال نتائج الضربة العسكرية القاصمة التي وجهت ضد إسرائيل.. في استكمال مسيرة التحرير باستخدام أدوات ضغط أخري.. اقتصادية وسياسية ودبلوماسية.. بحيث تتحرك هذه المسيرة بما تتناسب مع معطيات الموقف السياسي العام.. ويحقق التوازن السليم بين الأهداف والقدرات المتاحة.. حتي يمكن تحقيق النصر واسترداد الأرض كاملة غير منقوصة.
هكذا أرغم المفاوض الإسرائيلي علي مواجهة مرحلة التفاوض التي بدأت في يوم وقف إطلاق النار نفسه.. بينما كان المفاوض المصري يقف ـ بفضل الإنجازات العربية ـ فوق أرض صلبة طوال فترة المفاوضات التي استغرقت ست سنوات من عام1973 حتي عام1979.. حين تم توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.. والتي نصت علي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء حتي الحدود الدولية. ولقد شهدت عملية الانسحاب من سيناء ثلاث مراحل أساسية.. مثلت المرحلة الأولي النتيجة العملية المباشرة للحرب.. والتي انتهت في عام1975 بتحرير8000 كم2.. وتحقيق أوضاع عسكرية تمثل سلاما عسكريا بين الطرفين.. وقد تم خلال هذه المرحلة استرداد منطقة المضايق الاستراتيجية وحقول البترول الغنية علي الساحل الشرقي لخليج السويس. ثم نفذت المرحلتان الثانية والثالثة في إطار معاهدة السلام(1979 ـ1982). تضمنت المرحلة الثانية انسحابا كاملا من خط العريش/رأس محمد.. والتي انتهت في يناير1980.. وتم خلالها تحرير32000 كم2 من سيناء ليصبح اجمالي الأراضي المحررة40000 كم2 وتمثل ثلثي مساحة سيناء. اما المرحلة الثالثة والأخيرة.. فقد أتمت خلالها اسرائيل الانسحاب الي خط الحدود الدولية الشرقية لمصر.. وتحرير21000 كم2 من سيناء. وفي يوم25 إبريل1982 تم تحرير كل شبر من سيناء فيما عدا الشبر الأخير ممثلا في مشكلة طابا التي اوجدتها إسرائيل في آخر أيام انسحابها من سيناء.. وقد استغرقت المعركة الدبلوماسية لتحرير هذه البقعة سبع سنوات من الجهد الدبلوماسي المكثف.. وانتهت باسترداد الشبر الأخير من أرض سيناء, ورفع عليه الرئيس حسني مبارك علم مصر في مارس1989.. بعد إزالة الوجود الإسرائيلي من المنطقة. بذلك يكون قد استكمل تحقيق هدف التحرير بعد نضال عسكري واقتصادي وسياسي ودبلوماسي دام خمسة عشر عاما.
وبمجرد انتهاء المرحلة الثانية للانسحاب في يناير1980.. انطلقت القيادة المصرية نحو تعمير الجزء الذي تم تحريره في سيناء( أكثر من65% من مساحة سيناء).. وبدأت مشروعات ربطه بوادي النيل والعمل علي تحويل سيناء الي منطقة استراتيجية متكاملة تمثل درع مصر الشرقية. ومن أجل ذلك تمت اعادة تقسيم سيناء اداريا الي محافظتين.. بعد أن كانت محافظة واحدة, فقسمت الي محافظة شمال سيناء ومحافظة جنوب سيناء.. كما اقتطعت شريحة من أرض سيناء الممتدة شرق قناة السويس بعرض20 كيلو مترا لضمها الي محافظات القناة الثلاث: بورسعيد والاسماعيلية والسويس.. تأكيدا لارتباط سيناء بوادي النيل.. حيث لم تعد القناة تمثل حاجزا إداريا يعزل شبه جزيرة سيناء عن وادي النيل. وبعد اتمام الانسحاب الكامل.. بدأ تنفيذ العمليات الكبري لتحقيق الربط الجغرافي بين وادي النيل وسيناء عبر قناة السويس. فأنشئ نفق أحمد حمدي شمال السويس.. ليمر تحت القناة ويربط غربها بشرقها برا.. كما شقت ترعة السلام جنوب بورسعيد الي سيناء لكي تروي بمياه النيل مايقرب من نصف مليون فدان في شمال سيناء, وفي اطار الخطة القومية لإعادة تعمير سيناء والتي ستستمر حتي عام2017.. استكملت عملية الربط العضوي بانشاء كوبريين عبر القناة هما: الكوبري المعلق جنوب القنطرة وكوبري القردان المتحرك للسكك الحديدية فضلا عن مد خط السكة الحديد بين الإسماعيلية ورفح ويبلغ طوله217 كيلو مترا.. وهكذا تصبح سيناء أرض الأمل والمستقبل لشعب مصر والميدان الواسع الذي يحقق لشبابها آماله وطموحاته.
*** لقد نجحت مصر بكل المقاييس الاستراتيجية والعسكرية والسياسية في تحقيق هدفها القومي من خلال الجهد العسكري والضغط السياسي والاقتصادي المشترك.. وهكذا استردت مصر كل أراضي شبه جزيرة سيناء حتي آخر ذرة من ترابها. وإذا كان الهدف من البداية هو تحرير كل الأراضي العربية المحتلة.. والذي لم يتحقق عقب الحرب.. فذلك لا يعود لأي قصور في الاستراتيجية الواعية التي اتبعتها مصر.. ولكنه يعود أساسا الي السلبية التي اتسمت بها المواقف العربية في ذلك الوقت.. وتخليها عن مساندة مسيرة مصر نتيجة للنقص في إدراك حقيقة معطيات الموقف الدولي في زمننا المعاصر.. وتأثير التوازنات الاستراتيجية والسياسة العالمية والاقليمية التي كانت سائدة.. والتي تجعل من فكرة امكان التحرير الشامل للأرض العربية باستخدام القوة العسكرية.. فكرة تنقصها الواقعية وتفتقر الي النضج السياسي والإدراك الاستراتيجي السليم لطبيعة الأوضاع المحيطة بنا.. إنها فكرة لم تتجاوز اطار الشعارات الحماسية البراقة.. الخالية من أي مضمون حقيقي وواقعي. إن نجاح مصر في استرداد كل ترابها الوطني في سيناء.. بعد احتلال دام خمسة عشر عاما.. قد دفع البعض الي التصور بأن مصر.. وقد حققت هدفها الحيوي.. سوف تغير سياستها القومية بشكل جوهري فلا تتمسك بالتزاماتها القومية وروابطها القوية بالأمة العربية.. وهو تصور يعكس قصورا في البصيرة وخطأ فادحا في تقويم المواقف.. وقد أكدت الأحداث المتعاقبة وعلي مدي عقدين كاملين من الزمان.. أن سياسة مصر القومية ظلت ثابتة لم تتغير. بل ازدادت قوة ورسوخا في المجال القومي الذي تعتبره مصر قدرا لا يمكن التخلي عنه. ومازالت مصر.. وقد مضت ثلاثة وعشرون عاما علي توقيع معاهدة السلام.. تواصل جهدها الجاد والمضني من أجل الابقاء علي عملية السلام ودفعها للامام.. والعمل الدءوب علي استرداد الحقوق العربية المشروعة.. مع التركيز الواضح والمستمر علي حل القضية الفلسطينية وحصول الشعب الفلسطيني علي حقه في أرضه كيانه السياسي المستقل.
علينا هنا ان نتذكر ان مصر لم تتوان عن تقديم العون لأي دولة عربية تتعرض للعدوان.. وكان المثل الأكثر بروزا وتجسيدا لهذا المبدأ.. مشاركة مصر الفاعلة علي الصعيد السياسي القومي والصعيد العسكري في أزمة الخليج عندما احتل العراق الاراضي الكويتية عام1990.. وشاركت قواتها المسلحة في تحرير هذه الأراضي وعودة السيادة الكويتية إليها في أوائل عام1991, كذلك علينا هنا أن نؤكد أن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي مازال يشكل حتي يومنا هذا المحور الرئيسي الذي دارت وتدور حوله عملية السلام ومباحثاتها مع الأطراف العربية المعنية.. هذا المبدأ هو ثمرة سياسية بارزة من ثمار حرب أكتوبر.. والذي ربط بين استرداد الأرض المحتلة كاملة وتحقيق السلام الشامل.. وقد أكدت الأحداث انه دون تحقيق الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية فلن يتحقق السلام في المنطقة أو يستقر الأمن لإسرائيل. إن هذا المبدأ الذي أرسته حرب أكتوبر.. ظل حيا برغم مرور مايقرب من ثلاثة عقود علي الحرب.. وكان هو الجوهر الذي بنيت علي أساسه صيغة مدريد عام1991.. والذي شكل طبيعة المسيرة التي يجب أن تتحرك في اطارها عملية السلام, إن المعضلة التي تواجهها هذه العملية الآن سببها الوحيد تمسك إسرائيل بأجزاء من الأرض العربية التي احتلتها عام1967.. الأمر الذي أضر ضررا بالغا بعملية السلام وعرضها للانهيار الكامل.. وهذا يعني أن مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أفرزته الحرب وطبقته مصر مع إسرائيل.. مازال يمثل العمود الفقري لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.. وهو يجسد المعادلة الوحيدة المتوازنة القابلة للتنفيذ.
وأخيرا فلا لإحياء عملية السلام.. وإجبار إسرائيل علي التراجع عن موقفها المتعنت.. وعودة الحق العربي الي أصحابه.. سوي بالاصرار العربي الشامل علي تحقيق الهدف القومي من خلال التضامن الحقيقي القوي.. الذي يوجد حركة عربية فاعلة قادرة علي فرض تأثيرها المباشر اقليميا ودوليا وعلي ضمان عودة الحقوق العربية المشروعة للشعوب العربية صاحبة هذه الحقوق. في هذا الاطار من الضروري وضع استراتيجية عربية شاملة متكاملة.. وبذل الجهد الصادق لحشد الجهود السياسية والدبلوماسية والاعلامية.. وإيجاد تأثير قوي في الرأي العام العالمي والقوي المحبة للسلام لمصلحة الحق العربي, وتحقيق السلام العادل القادر علي أن يضع حدا تاريخيا للصراع الدموي الدائر في منطقة الشرق الأوسط عامة وفوق أرض فلسطين بوجه خاص. |
|
|
|
|
|