تقارير المراسلين

42021‏السنة 126-العدد2001ديسمبر24‏9 من شوال 1422 هــالأثنين

أبعاد الحملة اليمنية علي تنظيم القاعدة
بقلم‏:‏د‏.‏ حسن أبو طالب

تكشف الحملة العسكرية التي قامت بها القوات الخاصة اليمنية ضد مناطق قبلية في محافظتي شبوة ومأرب شرق العاصمة صنعاء بحثا عن مجموعة يشتبه في انتمائها الي تنظيم القاعدة ومنهم أربعة طلبت واشنطن اعتقالهم وهم أبو ايمن المصري وثلاثة يمنيين من حضر موت والحديدة تكشف عن الكثير من الإجراءات القاسية التي باتت دول عربية عدة علي استعداد جدي وصادق لاتخاذها من أجل تجنب مواجهة مع الولايات المتحدة لا طائل من ورائها بل علي العكس تبدو العواقب وخيمة وبلا مبرر‏.‏ خاصة وان الأمر لا يحمل معه أية قضية قابلة للدفاع عنها أو التضحية من أجلها‏.‏ كما تكشف عن قدر كبير من التغير في أولويات الدول بحيث تراعي طبيعة التوازنات الدولية والاقليمية التي فرضت نفسها الآن علي الساحة الدولية‏.‏
كما يكشف العدد الكبير من الضحايا لهذه المواجهات العسكرية‏)35‏ قتيلا و‏40‏ جريحا فيهم أطفال ونساء‏(‏ مع أبناء بعض القبائل الذين اعتادوا التمرد علي الدولة او لا يشعرون بالحاجة إليها تماما كما أن الدولة رغم سطوتها لا تذهب اليهم من أجل معالجة مشاكلهم التنموية والاجتماعية المتصاعدة بل تتركهم في مواجهة مصيرهم حسب قدراتهم المتواضعة‏.‏ حيث لا تذهب إليهم إلا لحاجة سياسية أو أمنية عابرة مقابل وعود عدة سرعان ما تنتهي ولا ينجز منها شيء بالمرة‏.‏ الامر الذي ولد الكثير من المرارات التاريخية والتجارب غير السارة في علاقة الدولة بهذه القبائل وأدي الي حال شك متبادل ونوع من الاستنفار المسبق دائما‏.‏ وتأتي المواجهة الاخيرة لتفتح بدورها هذا الملف الذي لم يغلق قط من قبل وبما يقتضيه من حسن المعالجة من كلا الطرفين والتعاون علي خلفية حماية المصالح اليمنية ووحدة البلاد‏.‏

أتت الحملة علي خلفية وعود قدمها الرئيس علي عبد الله صالح للرئيس بوش أثناء زيارته للولايات المتحدة نهاية الشهر الماضي وهي وعود قصد منها التأكيد علي موقف اليمن الثابت في مناهضة كل صور الارهاب الدولي وفقا للتعريف الذي نجحت واشنطن بفرضه سياسيا ودوليا‏.‏ ويدل حجم وطبيعة القوات اليمنية التي قامت بالمهمة علي رغبة اليمن في إبراز عنصرين متكاملين‏:‏ أولهما عنصر الحسم وعدم التراجع وثانيهما عنصر الجدية وعدم الاعتداد بالثمن أيا كان والذي يمكن دفعه إذا جاءت التحركات محلية بحتة مقابل الثمن المحتمل دفعه في حال حدث تدخل خارجي لا يأخذ في اعتباره مصالح أو سيادة الدولة اليمنية‏.‏ وكلاهما بمثابة رسالة للداخل اليمني وللخارج بأن اليمن يمكنه ان يتخذ اصعب القرارات في سبيل تجنب الخيارات الأصعب غير القابلة للسيطرة‏.‏ والواضح أن عملية المقارنة بين القيام بعمل داخلي كبير تحت سيطرة الدولة ومؤسساتها وبين ترك الأمور لاعنتها بما في ذلك تدخلات خارجية لا تبقي و لا تذر لا تترك مجالا كبيرا للاختيار ويكون لها تبعاتها القاسية‏.‏ فالأفضل دوما تقوية دور الدولة وتجنبها التعرض لضغوط لا قبل لها بها‏.‏ لذلك يبدو صحيحا أن القرار بالقبض علي المطلوبين وإغلاق الباب امام استقبال اي عناصر مرتبطة بتنظيم القاعدة قد جنب اليمن ضربة أمريكية محتملة أو علي الأقل يتكرر الحديث بشأنها في وسائل الإعلام الأمريكية منسوبة الي مصادر سياسية وعسكرية مسئولة‏.‏ وهي التلميحات التي لم يتم نفيها رسميا وتركت تؤتي بآثارها النفسية والسياسية بما في ذلك تأكيد أن اليمن لن تكون ملاذا لفلول تنظيم القاعدة إذا ما قدر لها الهرب بصورة او بأخري من أفغانستان الي الأراضي اليمنية‏.‏

هذا الجانب الايجابي من الحملة علي المناطق اليمنية القبلية في وسط البلاد وفي جنوبها التي اعتادت ان تكون ملاذا لعناصر يمنية وغير يمنية شاركت في الحرب الأفغانية إبان حقبة الاحتلال السوفيتي في الثمانينات يطرح بدوره قضيتين متكاملتين‏:‏ الأولي تتعلق بالدور الذي لعبته السلطة اليمنية تاريخيا في احتضان عناصر الأفغان العرب علي اختلاف جنسياتهم إبان الثمانينات ثم الطريقة التي عالجت بها عودة هذه العناصر مرة ثانية اليها بعد انتهاء الاحتلال السوفيتي لافغانستان‏.‏ اما القضية الثانية فتتعلق بحدود التعاون الامني الذي تقبل به اليمن مع واشنطن وترضي عنه الأخيرة‏.‏

فبالنسبة للقضية الأولي والتي يمكن النظر اليها من الزاوية التاريخية المحضة فالمعروف أن اليمن كان محطة أساسية في استقطاب واعادة بث العناصر العربية التي ذهبت لتشارك في حملة الجهاد الافغاني ضد الاحتلال السوفيتي كما كانت محطة أساسية في استقبال هؤلاء بعد تحرر افغانستان‏.‏ وهو ما شكل صعوبات جمة لليمن في علاقاته مع دول عربية وأوربية عدة خاصة وان بعض العائدين الذين وصفوا بالأفغان العرب واصلوا ما اعتبروه جهادا ضد حكومات بلدانهم الأصلية انطلاقا من الاراضي اليمنية لاسيما في النصف الأول من التسعينات‏.‏ وقد استخدمت السلطات اليمنية استراتيجية ثلاثية الأبعاد في تعاملها مع هؤلاء اذ فرقت بين العائدين اليمنيين وغير اليمنيين حيث طلبت من الاخيرين ترك الاراضي اليمنية دون أن تلقي القبض علي أي منهم حتي تلك العناصر التي ثبت مشاركتها في أعمال إرهابية ضد بلدانها الأم‏.‏ اما العناصر اليمنية فقد تم توظيفها علي مستويين‏:‏ العناصر العادية وغير القيادية التي أمكن استيعابها في الحياة اليومية بسهولة والعناصر القيادية التي وظفت في الصراع مع الحزب الاشتراكي اليمني وقامت بأعمال اغتيال لحساب السلطة ذاتها في صنعاء ضد قيادات اشتراكية عديدة لاسيما ف
ي عامي‏1992‏ و‏1993‏ ثم في حرب صيف‏1994‏ ثم تقديرا لدورها تم استيعاب بعضها في التنظيمات العليا لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم مثل الشيخ طارق الفضلي الذي عين عضوا في اللجنة المركزية للمؤتمر الشعبي العام وترك لبعضها الآخر حرية التصرف في مناطق جنوبية محددة علي أن لا تتحدي سلطة الدولة مباشرة وبأي صورة مثل جمال الهندي الذي منح منصبا أمنيا في محافظة حضر موت‏.‏ ومع ذلك حدث ان تحدي البعض من الأفغان اليمنيين سلطة الدولة وأنشاوا تنظيمات غير قانونية رفعت شعارات الجهاد ضد السلطة اليمنية ذاتها واشهرها جيش عدن الإسلامي الذي أسسه أبو الحسن المحضار الذي تم اعدامه عام‏1998‏ بعد القضاء علي تنظيمه ومحاكمة أعضائه‏.‏

وقد ظهر الاثر السلبي لهؤلاء الذين لم يتجاوبوا مع خطة الدولة في الاستيعاب في اكثر من حادثة امنية هزت البلاد منها عمليات اختطاف للسائحين الاجانب في ابين نهاية‏1998‏ وفي حادث المدمرة الامريكية كول التي تعرضت لهجوم اثناء رسوها في ميناء عدن اكتوبر العام الماضي‏.‏

وهو الحادث الذي فتح مرة أخرة ملف قدرة الدولة اليمنية علي احتواء و التخلص من أثر الافغان اليمنيين الذين لم يتم إدماجهم بعد في صلب الحياة الرسمية والقانونية وفتح معه أيضا حدود التعاون الامني المقبول مع الولايات المتحدة‏.‏ وعلي الصعيد المعلن والفعلي هناك تعاون أمني ملموس بين الحكومة اليمنية وواشنطن ازداد كثافة في أعقاب حادثة الهجوم علي المدمرة كول قبل اكثر من عام‏,‏ ولكنه لم يخل من مشاكل فنية وقانونية منها حدود مشاركة جهات التحقيق الامريكية في التحقيق مع المشتبه بهم‏,‏ وطريقة هذا التحقيق والحد الذي يمكن معه استدعاء شخصيات يمنية ذات طابع خاص ومستوي قيادي رفيع للتحقيق معها بواسطة الجهات الأمنية الامريكية مباشرة او عبر الجهات اليمنية وحدها وتقديم ملخص لهذا التحقيق الي الجهات الأمريكية‏.‏ ويطول الخلاف أيضا مسألة مدي كفاية التحقيقات التي قامت بها الجهات اليمنية حيث يسود اتجاه يمني رسمي بأن التحقيقات كافية وان الأمر يجب أن يحول الي القضاء ليحسم المسألة ويغلق ملفها وهو ما لا توافق عليه الجهات الأمريكية والتي تطالب بمزيد من التحقيقات مع أشخاص آخرين عدة بعضهم يمثل رموزا سياسية وأمنية عتيدة من شأن اخضاعها للتحقيق بواسطة الامريكيين ان يثير مشكلات سياسية كبري‏.‏ ووفقا للمباحثات التي جرت في واشنطن أثناء زيارة الرئيس علي عبد الله صالح تم بحث توقيع اتفاق للتعاون الأمني لتجاوز نقاط الخلاف سواء بشأن حادث المدمرة كول او غيرها من القضايا‏.‏ ويبدو ان الموقف اليمني المرحب بمثل هذا الاتفاقية من حيث المبدأ لم يصل بعد الي حد القبول بكل المقترحات والمطالب الأمريكية إذ يري فيها تجاوزا لبعض مظاهر السيادة وتجاوزا لدور السلطات اليمنية ومن ثم اتفق علي مزيد من الاتصالات لتنقيح بنود الاتفاق المزمع توقيعه‏.‏

ان الترابط بين خبرة اليمن القريبة في التعامل مع ظاهرة الأفغان العرب و اليمنيين بكل ملابساتها السلبية والإيجابية وكذلك الخلافات ذات الطابع القانوني والشكلي بشأن التعاون الأمني مع الولايات المتحدة مع الإصرار علي مواصلة هذا التعاون بصيغ مختلفة ونافذة وترضي الطرفين معا اضافة الي الضغوط المباشرة وغير المباشرة التي تعرضت لها اليمن علي خلفية التحذير بأن تتحول أراضيها الي مستقر لفلول تنظيم القاعدة المرجح هروبهم من أفغانستان يمكنها أن توضح طبيعة القرار اليمني بالمواجهة العسكرية الواسعة لكل من لا يتعاون مع السلطة لتجنب مخاطر أسوأ واشد‏.‏ والظاهر بكل وضوح أن السلطات اليمنية تعمل بكل جدية علي الإغلاق النهائي لملف الأفغان مهما كان الثمن الداخلي وأن كانت تعول علي حسن التأييد الشعبي واستيعاب الرموز القبلية لحقيقة الأوضاع الدولية والإقليمية والتي لا تسمح إطلاقا بأي نوع من سوء الحسابات‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية