قضايا و اراء

42021‏السنة 126-العدد2001ديسمبر24‏9 من شوال 1422 هــالأثنين

الثقافة العلمية من المنظور الفلسفي
بقلم‏:‏د‏.‏ يمني طريف الخولي
كلية الآداب ـ جامعة القاهرة

كمسك ختام للاحتفاليات بالكويت عاصمة للثقافة العربية في العام‏2001,‏ أقامت كلية الآداب بجامعة الكويت‏,‏ في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر مؤتمر الفلسفة الدولي الأول تحت عنوان‏:‏ العلم والثقافة من المنظور الفلسفي‏.‏
وكانت بادرة طيبة حقا‏,‏ فالموضوع يتسم بالحيوية‏,‏ والسعي نحو تفعيل الفلسفة في الواقع‏,‏ لتغدو حية معاشة تقوم بدورها في تنقيح وإثراء الرؤي والمنظورات العامة الدافعة للتوجهات الفكرية‏.‏ ساهم في أعمال المؤتمر شخصيات منتقاة من أساتذة الفلسفة المتميزين في معالجة القضايا الراهنة والاهتمام بفلسفة العلم والفلسفة العلمية‏,‏ علي اعتبار أن وضع العلم في المجتمع وبنيته الثقافية هو أشد القضايا الراهنة إلحاحا‏,‏ أساتذة من جامعات أمريكا وسويسرا والمغرب ولبنان وإيران والهند‏...‏ وطبعا من جامعة الكويت وفي مقدمتهم د‏.‏ شفيقة البستكي عميدة كلية الآداب المتخصصة في فلسفة العلم وأول سيدة كويتية تحصل علي درجة الدكتوراه‏,‏ وقد ألقت في الجلسة الأولي محاضرة ذات مداخل مستجدة وشديدة المعاصرة موضوعها‏:‏ علاقة العلمي بالثقافي‏.‏

في هذه الجلسة نفسها ألقيت أيضا محاضرة كاتبة هذه السطور‏,‏ الممثلة الوحيدة للجامعات المصرية في المؤتمر‏.‏ وطالما نتفق علي دور الثقافة العلمية العظيم في تأصيل وتوطين عوامل التنهيض والتنمية المرجوة‏,‏ فقد كانت محاضرتي لتفصح كيف أن الفلسفة والمناهج الفلسفية ـ وفقط المناهج الفلسفية ـ هي القادرة علي طرح الاطار العام والخلفية العريضة للثقافية العلمية‏,‏ تحقيقا للوعي الشامل بظاهرة العلم‏,‏ وبالتالي الوعي بالعلم كظاهرة إنسانية حميمة تؤثر في الحضارة الانسانية وتتأثر بها‏.‏
أجل الفلسفة فقط هي القادرة علي طرح الاطار العام والخلفية العريضة للثقافة العلمية‏.‏ هذا شريطة أن نتفق قبلا علي أن العلم ليس مجرد مهنة جليلة تحترفها فئة من ذوي العقول المتميزة‏,‏ بل هو أبعد من هذا وأشمل‏.‏ إن العلم شكل من أشكال وجود الانسان‏,‏ وواحد من أهم جوانب الحضارة الانسانية‏,‏ وأكثرها تعبيرا عن حضور الانسان ـ الموجود العاقل ـ في هذا الكون‏.‏ من هنا كان تحقيق الوعي الشامل بالعلم كظاهرة إنسانية هو الدور الحضاري والتفعيل الثقافي لفلسفة العلم التي هي أهم فروع الفلسفة المعاصرة‏.‏

وكما هو معروف‏,‏ السؤال المحوري لفلسفة العلم هو السؤال عن ماهية المنهج العلمي‏.‏ وفلسفة العلم حين تعمل علي تجريد المنهج العلمي فإنها لا تجرد محض وسيلة يتبعها العلماء في بحوثهم كتقنية خاصة بذوي الاحتراف‏,‏ إنما تجسد أسلوبا من أساليب التفكير‏,‏ هو أنجع وسيلة أمتلكها الانسان في التعامل مع الواقع وحل مشكلاته‏.‏ إن المنهج العلمي في جوهره لا يعدو أن يكون العلاقة الايجابية والتفاعل المثمر البناء بين الدماغ واليد‏..‏ بين العقل والحواس‏..‏ الذهن والمادة‏..‏ الفكر والوجود‏..‏ بمصطلحات فلسفة العلم بين الفرض والملاحظة أو النظرية والتجربة‏.‏
تصوغ النظرة الفلسفية صلب المنهج العلمي التجريبي الذي ينطلق من فرض أبدعه عقل الانسان‏,‏ فيخرج من هذا الفرض بنتائج جزئية يهبط بها إلي الواقع التجريبي ليختبر الفرض‏,‏ فيقبله أو يعدله أو يرفضه وفقا لنتائج التجريب‏.‏ والفلسفة بهذا تقدم تجسيدا للعقلانية التجريبية‏,‏ أي للتفاعل البناء بين ملكتي الانسان المعرفيتين‏,‏ تجسيدا للعقل حين ينطلق بمجمل طاقاته وقدراته أقصي انطلاقة في محاولاته الجسورة لوضع الفروض العلمية لكنها ـ دون كل انطلاقات العقل ـ ملتزمة بالواقع والوقائع‏,‏ بما تنبئ به التجربة لتتعدل الفروض أو تقبل أو تلغي وفقا له‏.‏ منهج العلم التجريبي ينصت لشهادة الحواس ومعطيات الواقع‏,‏ فتعين موضع الخطأ والكذب في الفرض حين يتعارض معها‏,‏ يصحح ويبحث عن فرض جديد متلاف لذلك الخطأ‏,‏ يعرض بدوره علي محكمة التجريب ويعدل بفرض جديد‏...‏ وهكذا دواليك في متوالية لتقدم لا يتوقف أبدا‏,‏ حتي ليكاد البحث العلمي يكون هو التمثيل العيني للتقدم‏,‏ كفعالية مستمرة تحمل في صلب ذاتها عوامل تناميها المتواصل دائما‏.‏

كل اجابة يتوصل اليها العلم تطرح تساؤلات أبعد‏,‏ فيؤدي كل تقدم الي تقدم أعلي‏,‏ ومهما علونا في مدارج التقدم فلن تغلق المعامل أبوابها‏,‏ ولن ينتهي البحث العلمي أبدا‏,‏ بل يزداد حمية ونشاطا في سعيه الدؤوب المتخطي دوما لحاضره مغيرا إياه‏.‏
لذلك لم يكن العلم بناء مشيدا من حقائق قاطعة‏,‏ بل هو نسق من فروض ناجحة كل يوم فروض أنجح من سابقتها‏,‏ كل يوم جديد يتلافي أخطاء وقصورات القديم‏,‏ فيلغيها أو علي الأقل يستوعبها ويتجاوزها‏,‏ ويقطع في طريق التقدم خطوة أبعد منها‏,‏ في تغير مستمر نحو الأقرب من الصدق‏..‏ الأفضل والأقدر‏.‏

في خضم هذه الحركية التقدمية الجبارة ينتصب مارد المنهج العلمي بوصفه الثابت الديناميكي إن جاز التعبير‏,‏ أو القوة المثمرة الولود لكل ما يتواتر من تغيرات‏.‏ في أعطاف هذا المارد تقوم وقائع التجريب بدور ناقد قاس لا يعرف الرحمة حين يعين مواضع الخطأ‏,‏ دور الفيصل والفاروق بين الصدق والكذب‏,‏ القاضي الحاتم ذي الحكم الموجب النفاذ‏:‏ إنها المسئولية العسيرة أمام الواقع والوقائع التي لا يقوي علي الاضطلاع بها الا المنهج العلمي‏,‏ فهو التآزر الجميل المثمر الخصيب بين العقل والتجريب‏..‏ اليد والدماغ‏..‏ الفكر والواقع‏..‏ فتلك هي العقلانية‏.‏
التجريبية
هكذا يستقي المنهج العلمي أرومته من قلب معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل لكنه ينصب في قلب البناء تلحضاري ليس اتلبتة كتقنية خاصة بذوي الاحتراف بل كبلورة مستصفاة للتفكير المثمر الملتزم بالواقع والوقائع لتعقيل السير نحو الهدف والسبيل إلي الظفر في خضم عالم الواقع ومشكلاته‏.‏

هكذا نجد التفكير العلمي في جوهره آلية من آليات العقل البشري‏,‏ تبلغ أقصاها في البحث والانجاز العلميين‏,‏ لكنها كائنة دائما ـ بدرجات متفاوتة ـ في العقل البشري من حيث هو عقل بشري ملتزم بمواجهة الواقع التجريبي‏.‏ وعن طريق تتبع هذه الآلية الفطرية يعمل الباحثون الآن علي تتبع الأصول الانثربولوجية الأولي للعلم منذ ما قبل التاريخ‏,‏ منذ العصر الحجري‏.‏
وها هنا نجد فلسفة العلم ـ من الناحية الأخري الموازية لسؤال المنهج والمتكاملة معه ـ تتبع حركة العلم في نشأته ومساره عبر التاريخ وتفاعله مع الأبنية والمؤسسات الحضارية الأخري‏.‏ كيف بدأ العلم؟ كيف نما وتطور؟ لماذا بلغ العلم القديم قمته في رحاب الحضارة العربية الاسلامية؟ كيف انتقل الميراث العربي الي أوروبا تمهيدا لانبثاقة العلم الحديث؟ ما هي الخصائص المعرفية والحضارية التي تميز العلم الحديث؟ ما أبرز معالمه ومنعطفاته؟ كيف ولماذا تتسارع معدلات التقدم العلمي؟ ما طبيعة هذا التقدم وشروطه وكيف يمكن تفعيله وتحفيزه وتشغيله في المناشط الحضارية الأخري؟‏!.......‏ الخ الخ‏.‏

ومن الواضح أن أمثال هذه التساؤلات التي تؤطر الوعي بظاهرة العلم تستلزم المناهج الفلسفية ومنظورات فلسفة العلم التي شهدت إبان العقدين الأخيرين تكاملا متناميا بين مباحث منهج العلم منطقه وبين تاريخ العلم وأبعاد العلم الاجتماعية والسيكولوجية والقيمية والأخلاقية والثقافية والبيئية والتخطيطية والادارية‏...‏ الخ‏.‏ إن فلسفة العلم منذ نهايات القرن العشرين ـ وبفضل التفاعل بينها وبين تاريخ العلم ـ قد أصبحت فلسفة الفعالية المعرفية والهم العقلي للانسان‏,‏ فغدت فلسفة إنسانية حميمة أكثر شمولية للموقف الانساني‏,‏ وأقدر علي القيام بدورها‏,‏ أي علي أنسنة الظاهرة العلمية وتحقيق الوعي بالعلم كظاهرة إنسانية‏.‏
وبهذا الوعي الشامل نجد المنظور الفلسفي هو الأقدر علي طرح الاطار والأساس العريض للثقافة العلمية‏,‏ التي هي شرط أولي ضروري لتوطين الانجاز العلمي في حضارتنا‏,‏ وينبغي أن تكون هدفا لتوجهاتنا الثقافية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية