قضايا و اراء

42021‏السنة 126-العدد2001ديسمبر24‏9 من شوال 1422 هــالأثنين

إنتاج البهجة بين الغني والفقر
بقلم : د‏.‏ محمد السيد سعيد
نائب مدير مركز الدراسات
السياسية والاستراتيجية بالاهرام

اذا كان صحيحا أن حياتنا صارت أقل بهجة مما كانت عليه فلنقل منذ خمسين سنة مثلا فان ذلك لا يعود برأيي الي أننا أصبحنا أقل ثراء أو أن الحياة صارت أشد تعقيدا أو أن المجتمع تحول الي الرأسمالية حيث يزداد الجشع ويقل الرضا أو يستفحل الشعور بعدم الأمان‏.‏ وبرأيي أن‏'‏ شعبية‏'‏ تلك الأراء التي نتبادلها في المقاهي لا يمنحها رتبة الحقيقة فهي أبعد ما تكون عن ذلك‏.‏
وبرأيي أيضا أن مشكلاتنا الكبيرة هي في عمقها الحقيقي مفارقات ثقافية لم نحلها لأنها لم تعرض علينا بصورة سليمة وعبر مصارحة علمية غير ملوثة بالأغراض السياسية‏.‏ ولكن قبل أن نمضي في هذا التحليل خطوات اضافية يحسن بنا أن نستكمل ولو بإيجاز شديد فهم العلاقة بين الاقتصاد والسعادة التي أتعامل معها هنا بمعني القدرة علي صنع البهجة‏.‏

ثمة قول شائع يعبر بروعة عن المفارقة وهو‏'‏ فقراء لكن سعداء‏'‏ والقول بالعكس‏'‏ أغنياء لكن تعساء‏'.‏ ويبدو أن البشر جميعا وأيا كانت خلفياتهم الثقافية يتفقون مع الحكمة المتضمنة‏.‏ فعديد من الفقراء سعداء والعكس‏.‏ ولكن نفس القول ينطوي مع ذلك علي معني مخالف للحدس بمعني أن الأصل أو القاعدة الحدسية المتضمنة في هذا القول هي أن الفقر شرط قهري نادرا ما يواتي السعادة ولكنه لا يمنعها كلية وأن الثراء شرط تحريري يوفر فرصا أفضل للسعادة ولكنه لا يحتمها‏.‏
هذا الحدس المشترك بين عموم الناس يعني في الحقيقة استحالة أن يكون الفقر بذاته مصدرا للسعادة أو الغني مصدرا للتعاسة‏.‏ وما يقول به هو أن هناك مصادر للسعادة تقهر الفقر وتلغي تعاسته والعكس بطبيعة الحال أي أن هناك مصادر للتعاسة تلغي ما كان يمكن أن يوفره الغني من مصادر السعادة‏.‏

معنيان للفقر
الفقر في الأصل هو ضيق شديد لمجال الاختيار‏.‏ هو قلة الحيلة وندرة الوسائل وضعف الامكانيات والموارد‏.‏ وله بهذا المعني بعدان‏:‏ خارجي وداخلي‏.‏ الفقر الخارجي يرتبط بالبيئة الطبيعية والتنظيم الاجتماعي الذي يحد من القدرة علي انتاج الثروة ويحد من الاختيارات‏.‏ أما الفقر الداخلي فهو قلة موارد الفكر وبؤس الامكانيات والمهارات المكتسبة وضعف الارادة عن اتخاذ الوسائل‏.‏ الفقر الداخلي اذن هو ضعف في العقل وانخفاض في الخيال وعجز في الهمة وتلف في الارادة الضرورية لاكتساب المعارف والمهارات‏.‏ والفقر في اعمق معانيه هو ترك الدنيا تمضي كما هي لتحدد الناس وتحدهم أوتفنيهم وتهدهم او تشكل حياتهم وميولهم وفكرهم دون انتباه للطاقات والملكات الانسانية اللامحدودة علي التعلم والتحرر والابداع والتطور الوجداني والاخلاقي والعقلي والجسماني أو التوظيف الفعلي لهذه الامكانيات والطاقات‏.‏ الفقر بهذا المعني اذن يصادر امكانية السعادة أو إيجاد البهجة‏.‏ فمن هم الفقراء لكن سعداء قد يذهب البعض الي تفسير يعني بالسعادة في الحقيقة البلاهة والبلادة وهو ما قد يفهم من تعبير خلو البال‏.‏ فاذا ابتعدنا عن هذا المعني الذي لا يميز بين الانسان والجماد أو بين الوجدان الحي والميت يتحقق هذا الشرط عندما لا يصادر الفقر الخارجي علي التطور المتدفق للشخصية والتجربة المخصبة للخيال أوالمكونة للمهارات أوالحافزة للارادة أو كل ذلك معا‏.‏ وبتعبير أخر يستطيع الناس أن يتجاوزوا فقرهم الخارجي عندما تتوافر لديهم ارادة أو خيال وذكاء أو مهارات تمكنهم من خوض تجربة حياة وتجربة عمل تشبعهم ومن ثم تسعدهم‏.‏ ولا بد أن تتوافر بعض هذه الطاقات بكميات ونوعيات تكفي لتجاوز الضيق أو الحد الكامن في الفقر الخارجي‏.‏
وقد يكون في هذا الشرح تناقض منطقي‏.‏ فهؤلاء الذين يتمتعون بتلك الطاقات القاهرة للفقر غالبا ما ينجحون في أن يصبحوا أغنياء‏.‏ والواقع أن هذا صحيح لو أن التنظيم الاجتماعي يسمح به ويشجعه ويدعمه‏.‏ وتبقي بضعة تجليات مخالفة ومهمة في التاريخ الوجداني للبشرية‏.‏ وعلي سبيل المثال تختار طائفة من الناس عمدا أن تبقي فقيرة ـ خارجيا‏-‏ لأغراض روحية مثل المتصوفة والنساك‏.‏ وعلي الجانب الأخر كان بعض فقراء القاهرة من أظرف الناس وأكثرهم قدرة علي انتاج البهجة‏.‏ بل ان تقاليد الظرف المصرية العريقة تصل ما بين شطار وزعر القاهرة المملوكية وظرفاء الكتاب والفنانين والمبدعين المصريين الذين برزوا في عقد الخمسينات والذين اشتهروا بحب النكتة وانتاجها في مجالسهم المبهجة وفي انتاجهم الابداعي الملهم‏.‏ وبينما ظل أكثر هؤلاء فقراء بالمعني الشائع للكلمة فقد كانوا من أغني الناس تجربة وموهبة‏.‏ ويرجع لهم الفضل في التوسع المدهش للفضاء العام وفي تقاليد الابداع الذي أسعد الملايين وساهم في تلوين الشخصية المصرية بألوان زاهية وأضاف لها مزيدا من اللطف والطرافة‏.‏

اقتصاد النفط والمعونة
ومادام موضوعنا هو ما انتاب هذه الشخصية من تطور يعتقد الكثيرون أنه سلبي فإن ما يهمنا هنا هو القانون العام والذي يخص عملية انتاج البهجة علي المستوي الجماعي‏.‏
وبوسعنا أن نلخص هذا القانون العام كما يلي‏.‏ لقد أدركتنا ظروف خارجية حصلنا فيها علي ثروة خارجية استثنائية وهائلة بالفعل فسلمنا معها بأن المثل الأعلي للتطور هو الحصول علي الثروة‏,‏ وأهملنا تنمية طاقاتنا القومية من موارد الخيال والفكر ومهارات الصناعة وفنون الانتاج جميعا وأخذت ارادتنا للتقدم والمنافسة الشريفة مع الأخرين وصولا الي أعلي المستويات المعروفة للاداء العصري في السياسة والاقتصاد والثقافة تخور وتنحسر حتي كادت تتلاشي الا في الكلام وبالكلام‏.‏

وما حدث لنا هو نفسه ما يحدث للفقير الذي هبطت عليه ثروة مفاجئة فتخلي عن حرفته وأقلع عن الاجتهاد والتعلم وأخذ ينفق ببذخ فيما لا ينفع حتي أفلس وعاد الي فقره نادما علي ما فاته من زمن وهي الشخصية التي يعيش المسرح الكوميدي المصري علي السخرية منها لفترة طويله‏.‏
قد يدهش هذا التوصيف الكثيرين فيظنون أني قد أخطأت العنوان وتحدثت عن الخليج وليس عن مصر‏.‏ وقد تكون الدهشة مشروعة لأسباب كثيرة‏.‏أول هذه الأسباب هو أن مصر لا تبدو بحال ثرية‏.‏ فمظاهر الفقر أوسع وأشد مما يبدو علي السطح من مظاهر الثراء والبذخ‏.‏ ولا تخطأ عين الفوارق المذهلة بين حالة المجتمع الخليجي من ناحية وحالة المجتمع المصري من ناحية أخري‏.‏ ولكن السبب الأكثر وجاهة يتعلق في الحقيقة بمدي المعرفة بأحوال مصر الاقتصادية الحقيقية‏.‏ فالخطاب الحكومي ركز تقليديا علي الانجازات بهدف الشرعية وأخفي عمق المشكلة الاقتصادية المصرية‏.,‏لم يحدث أبدا أن صارحت الحكومة المجتمع أو أشركته في ادراك مدي الخلل الاقتصادي الذي تعانيه البلاد‏.‏ وحتي عندما اضطرت الدولة بتأثير أوضاع ضاغطة للغاية الي تطبيق برامج انكماشية خلال الفترة‏1990‏ ـ‏1995‏ أو في الوقت الحالي لم تشرح أسبابها بدقة ووضوح حتي يفهم الناس عمق المشكلة‏.‏ ثم أن علاج الخلل الجسيم في التكوين الاقتصادي الطبيعي والمالي كان يتطلب ما هو أكثر من المصارحة التامة للشعب‏.‏ فالمصارحة كانت ولا تزال مطلوبة لانها الطريق الوحيد لتأمين برنامج اصلاح وانقاذ كان من المحتم أن يشتمل علي تضحيات جسيمة جدا لفترة ليست بالقصيرة حتي نخرج من عنق الزجاجة فعلا ولا نعود لها أبدا ونكون قد حققنا الانطلاق المطلوب بالمناهج السليمة التي ينصحنا بها العلم‏.‏ ولا شك في أنه كان لمظاهرات‏18‏ و‏19‏ يناير عام‏1977‏ دور حاسم في استبعاد أية مداخل اصلاحية تتطلب تضحيات كبيرة وجماعية‏.‏ ولكن أسبابا أخري ربما كانت أكثر تأثيرا لعبت دورها أيضا‏.‏
لم تتلق البلاد بالطبع ثروة تضاهي الفوائض النفطية العملاقة التي هبطت علي الخليج خلال ربع القرن الماضي‏.‏ فلا مجال للمقارنة من حيث الكم‏.‏ ولكن المقارنة بل المشابهة ممكنة من حيث النوع‏.‏ فحقيقة الأمر هي أننا تلقينا قدرا مذهلا من الموارد جاءتنا من مصادر ريعية أي مصادر لا ترتبط بالعمل والعرق والاجتهاد والابتكار‏.‏ وتشمل المنح والقروض الأجنبية وعوائد صادرات النفط والسياحة‏.‏ وقد نضيف الي هذه تحويلات المصريين العاملين في الخارج وهي عائد عمل ولكنه عائد له ظروف خاصة‏.‏ ولنترك تقدير حجم هذه المصادر خلال ربع القرن الماضي للاقتصاديين‏.‏ ولكنها لا تقل بحال عن مائة وخمسين مليار دولار وقد تزيد عن مائتي مليار دولار‏.‏

الإهدار والسفه
ولكن الحقيقة الأهم هي أن جانبا كبيرا من هذه الموارد قد أهدر فيما لا يفيد بل ربما فيما يضر‏.‏ دعك من حساب وارداتنا الضخمة من المخدرات ولتحسب فقط حجم ما أهدر في استيراد السيارات الخاصة وحديثا الهواتف النقالة وغيرها من السلع الاستهلاكية‏.‏ وليس عندي مقياس جامد للبذخ والترف‏.‏ ولكن المؤكد ان بلادنا لو كانت قد وظفت ما أتيح لها من موارد استثنائية في بناء صناعة وقاعدة تكنولوجية حديثة لكانت قد تركت فلك التخلف الاقتصادي والفقر معا‏.‏
لقد فعلنا بالضبط مثلما فعلت دول الخليج‏.‏ بعثرنا أموالا كثيرة ذات اليمين وذات الشمال في الوقت الذي كنا نحتاج فيه الي توظيفها فيما يعود علينا بالخير‏.‏ وأهملنا طويلا وضع نظم فعالة للتعليم والتدريب والتثقيف والرياضة وانتاج العلم والمعرفة والتكنولوجيا والنهوض بانتاجنا الثقافي والصناعي الي ذري عالية تكفينا ما نحتاجه وتغنينا عن سؤال اللئام‏.‏

الاستراتيجية الاقتصادية كلها دارت حول الاستهلاك وليست حول التعليم أو التدريب أو المناحي الأخري للتنمية البشرية أو التنمية الصناعية‏.‏ ومن المؤكد أننا أهملنا العلوم والتكنولوجيا بصورة شبه تامة‏.‏ وظل جوهر السياسات العامة جميعها هو ضمان مستوي عال من الاستهلاك للجميع‏.‏ فالأغنياء انطلقت شهواتهم الاستهلاكية ورغباتهم ومطالبهم الدينية والدنيوية بلا حد أو قيد وتكفلت الحكومة بتمويل جانب كبير من استهلاك الفقراء ومحدودي الدخل اضافة الي تمويل التوظيف في القطاع الحكومي والذي يعد أوسع صور الدعم وأشدها تكلفة وذلك علي حساب القطاعات والتوظيفات الضرورية ضرورة مطلقة للانطلاق في التنمية البشرية والانتاجية‏.‏
ولنعد الأن الي القياس علي مسألة السعادة الفردية‏.‏ ماذا تفعل ان توافرت لك أو لعائلتك بعض الموارد الاضافية‏,‏ بعض العائلات ستنفق الأصل والاضافي في الأكل والشرب والسكن والترفيه‏.‏ بعض العائلات الأخري ستنفق الاضافي علي التعليم والتدريب والثقافة‏.‏ وثمة قليل من العائلات ستكون راغبة في التضييق علي ذاتها قليلا حتي في الضروريات المادية المباشرة لتوفير أفضل الامكانيات الممكنة للوصول الي أعلي مستويات التعليم الممكنة وربما لامتلاك مهارات الصنع والابتكار أو لمزيد من تنمية القدرات الابداعية‏.‏

العائلات الأخيرة ستعيش حالة من الضنك لفترة تطول أو تقصر ولكن هذه العائلات هي التي يقال عنها‏'‏ فقيرة ولكن سعيدة‏'.‏ النوع الوسيط لم تقدم علي تضحيات كبيرة وسيقال عنها أنها‏'‏ مستورة‏'‏ وقد تكون سعيدة أو غير سعيدة‏.‏ أما النوع الأول فانها ستظهر قريبة للغاية من صفة أغنياء لكن تعساء القضية الجوهرية هنا هي الانجاز الجماعي الذي يبرر الفخر ويحقق الاشباع ويوسع فضاء التجربة والاختيار‏.‏
خلال النصف الأول من القرن العشرين كنا أقرب الي صفة‏'‏ فقراء ولكن سعداء‏'.‏ وخلال الربع الثالث من القرن كنا أقرب الي النوع الثاني‏.‏ أما في الربع الأخير من القرن فكنا أقرب الي صفة أغنياء لكن سفهاء

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية