يرتبط الانتخاب بالديمقراطية بصلة وثيقة ـ وفي وقتنا الراهن ـ جعلت منه الوسيلة المثلي لإسناد السلطة للحاكم من ناحية, ولتحقيق مشاركة فعلية للرغبة في رسم حياتها السياسية من ناحية أخري, ويرجع سبب احتلال الانتخاب لهذه المكانة العليا وقتنا الحالي إلي تعذر الأخذ بنظام الانتخاب المباشر الذي ينتخب فيه الحاكم من الشعب مباشرة, وهو نظام تحدث عنه الفلاسفة باعتباره أحد الأسس التي تكون المدينة الفاضلة التي شطح إليها خيالهم كأمان لم تتحقق, و هو ماحدث مع الانتخاب المباشر الذي لم يتحقق علي أرض الواقع إلا في مقاطعة سويسرية صغيرة قيل إن أهلها جميعا يجلسون تحت أشجار السرو الجميلة المنظر لينتخبوا مجلسهم البلدي مباشرة, فضلا عن أن الديمقراطية غير المباشرة أو النيابية صارت اليوم من الأمور الحتمية, وذلك بالنظر إلي ضخامة عدد سكان أي دولة في المجتمع الدولي المعاصر, بمالا يسمح أبدا بالفرصة لإجراء انتخاب النواب أو الحكام بطريقة الانتخاب المباشرة.
ولن يكون الانتخاب مغيرا عن روح الديمقراطية مالم يشارك في إسناد السلطة للنواب والحكام أكبر عدد من الرعية وهو ما يتطلب تعميم حق الاقتراع فلا يعتد بنصاب مالي معين قل أو كثير, أو بشرط الكفاءة أو غيره. وتختلف كل دولة في ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عن الأخري, وذلك حسب رقيها الحضاري وتمدينها الثقافي والاجتماعي ومدي ديمقراطية نظامها السياسي, لذا كان من الطبيعي أن يختلف النظام الانتخابي من دولة إلي أخري, وعلي سبيل المثال فما يصلح لفرنسا لن يكون صالحا بنفسه أو بذات نسبته في مصر, وما يصلح بالقطع أو بنفس النسبة في ليبيا أو السودان برغم التجاوز الحدودي بين كل منها, وبين مصر, بل في مصر نفسها اختلف النظام الانتخابي من عهد إلي عهد وذلك حسب النظام السياسي الذي ساد في كل عهد, ففي العهد الملكي اختلف نظام الانتخاب عما سار عليه العهد الجمهوري, واختلف في عهد الزعيم جمال عبدالناصر عما صار عليه الحال في عهد الرئيس أنور السادات الذي ظهرت في عهده ظواهر كثيرة لا تتفق في جوهرها مع الطبيعية المصرية, لهذا كان مصيرها الحكم بعدم الدستورية من المحكمة الدستورية العليا كالانتخاب بالقائمة الذي أخذت به مصر لأول مرة في تاريخها السياسي سنة1980 عند صدور القانون رقم120 لسنة1980 بشأن مجلس الشوري الذي نص علي انتخاب أعضاء مجلس الشوري بالانتخاب بالقائمة بالأغلبية المطلقة, ثم امتد الأخذ بنظام القائمة إلي قانون الإدارة المحلية الذي كان يسمي بقانون الحكم المحلي في ظل العمل بالقانون رقم50 لسنة1981 المعدل للقانون رقم43 لسنة1979, ثم امتد نظام القائمة إلي مجلس الشعب بالقانون114 لسنة1983 الذي عدل بعض أحكام القانون رقم38 لسنة1972, ولكن علي أساس نظام التمثيل النسبي, وقد طبق هذا النظام حينا من الدهر إلي أن قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية لمخالفته للدستور. وتعالج في هذا البحث النظم الانتخابية المعروفة مع بيان مزايا وعيوب كل نظام وتطبيقه علي مصر لتصل إلي تحديد أي الأنظمة أكثر اتفاقا مع الطبيعية المصرية وذلك علي النحو التالي:
(1) الانتخاب الفردي: الانتخاب الفردي هو الذي يقوم فيه الناخبون, في دائرة انتخابية معينة باختيار شخص واحد من بين عدد المرشحين ليتولي مهمة تمثيلهم في المجلس التشريعي, وفيه تقسم الدولة إلي دوائر انتخابية تتميز بأنها صغيرة وتكاد تكون متساوية إن لم تتساو بالفعل في الحجم وكبيرة في عدد الناخبين بها, بحيث يختار عن الدائرة مرشح واحد ليمثلها, ويترتب علي ذلك تطابق واضح في عدد الدوائر الانتخابية علي مستوي الدولة ككل مع عدد النواب المنتخبين بالمجلس التشريعي. وهو ينقسم إلي قسمين أولهما الانتخاب الفردي بالأغلبية النسبية, وفيه يفوز المرشح الذي حصل علي أكبر عدد من الأصوات الصحيحة للناخبين, حتي وان كان مجموع عدد الأصوات الحاصل عليها باقي المرشحين في نفس الدائرة أكثر من عدد الأصوات الحاصل عليها المرشح الفائز, ويترتب علي تطبيق هذا النظام نتيجتان تمثل الأولي منهما الأصل الذي تتفرع عنه الثانية, أما الأصل فهو التلازم بين الأخذ بذلك النظام ووجود حزبين فقط في الدولة, كما هو الحال في بريطانيا وأمريكا, والثانية التناوب في تولي الحكومة بحيث يكون أحدهما في الحكم والآخر في المعارضة, ففي بريطانيا إذا كان حزب العمال هو الحاكم, فالمحافظون هو وثانيهما: هو الانتخاب الفردي بالأغلبية المطلقة وفيه يجب حصول المرشح علي الأغلبية المطلقة للأصوات الصحيحة المشاركة في الانتخاب, أي لفوز أحد المرشحين بالمقعد النيابي للدائرة الانتخابية فإنه يشترط حصوله علي أكثر من50% من عدد الأصوات الصحيحة وهذا النظام هو السائد في فرنسا, ويترتب علي هذا النوع من الانتخابات تعدد الاحزاب غالبا وأن كان في الأمر ليس ثمة ما يمنع من أن تؤدي الأغلبية إلي الثنائية الحزبية.
مزايا الانتخاب الفردي بالأغلبية هو بسيط فلا تعقيد في إجراءاته, وواضح فيسهل فهمه علي جميع الناخبين مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية. ـ يترتب عليه وجود أغلبية برلمانية متسقة وقوية بما يساعد علي إمكان تحقق الاستقرار السياسي وثبات حكومي ملموس في الدولة.
أما عيوبه فقد اتهمه البعض بعدم العدالة لأنه يظلم الأقليات السياسية, ويحابي الأحزاب السياسية ذات الثقل علي حساب الأحزاب الصغيرة. ـ كما اتهم بأنه يؤدي أحيانا إلي إفساد الأسس التي يقوم عليها النظام النيابي ويشوه الرأي العام.
(2) الانتخابات بالقائمة ويقوم هذا النوع من الانتخابات علي أساس أن يختار عدد محدد من الأشخاص من بين المرشحين عن طريق الناخبين ليمثلوهم في البرلمان, ويكونوا ممثلين للدائرة الانتخابية المنتمين إليها, ويستلزم تحقيق ذلك تقسيم الدولة إلي دوائر انتخابية كبيرة, وعدد الناخبين بها كبير, ويترتب علي هذا النظام انكماش واضح في عدد الدوائر الانتخابية, وينقسم الانتخاب بالقائمة إلي أنواع ثلاثة تطبق كل دولة من الدول التي تأخذ به ماتراه متفقا مع ظروفها ومصالحها ويحقق لها انتخابات تأتي بأفضل العناصر, وهذه الأنواع ( أ) الانتخاب بالقوائم المغلقة: وفيه يجب علي الناخب أن يصوت لمصلحة إحدي القوائم الحزبية المرشحة, ولكن ليس لها أي حق في إجراء أي تعديل علي ترتيب الأسماء الواردة بالقائمة سواء بإضافة أو حذف أي اسم من اسماء المرشحين الواردة بالقائمة الحزبية أو حتي إعادة ترتيب الاسماء الواردة بها والتي يدلي بصوته لمصلحتها.
(ب) التصويت مع مكنة التفضيل, وفيه يكون بمكنة الناخب التغيير في ترتيب اسماء المرشحين الواردة اسماؤهم بالقائمة التي أدلي بصوته لمصلحتها حسب وجهة نظره وتقديره الشخصي للمرشحين ومدي تفضيله لبعضهم علي بعض وليس علي الترتيب الذي وضعه الحزب الذي تمثله القائمة. (ج) التصويت مع المزج, وفيه يكون بمكنة الناخب أن يمزج بين القوائم المختلفة. بحيث يكون قائمة جديدة, تشتمل علي اسماء المرشحين الذين يراهم أصلح لتمثيله في المجلس التشريعي. ويتم تطبيق الانتخاب بالقائمة علي أساس الانتخاب بالقائمة بالأغلبية النسبية وفيه تفوز القائمة الحاصلة علي الأكبر من الأصوات الصحيحة التي أدلي بها في صناديق الانتخاب بالمقاعد النيابية في الدائرة الانتخابية التي تتم فيها الانتخابات بغض النظر عن جملة الأصوات التي حصلت عليها قوائم الأحزاب الأخري.
أو الانتخاب بالقائمة بالأغلبية المطلقة لعدد الأصوات الصحيحة التي شاركت في العملية الانتخابية, بمعني أنه لكي تفوز احدي القوائم الحزبية بالمقاعد النيابية المخصصة للدائرة الانتخابية فإنه يتعين عليها أن تحصل علي أكثر من نصف عدد الأصوات الصحيحة التي أدلي بها في الانتخابات. وقد عرفت مصر هذا النظام لأول مرة في تاريخها النيابي سنة1980 وذلك بصدور القانون رقم120 لسنة1980 لشأن لمجلس الشوري, إذ قضي ذلك القانون بانتخاب3/2 أعضاء مجلس الشوري بالانتخاب بالقائمة بالأغلبية المطلقة, ثم تلاه تعديل قانون الحكم المحلي( الإدارة المحلية الآن) بالقانون رقم50 لسنة1981 الذي أخذ فيه المشرع في انتخابات المجالس الشعبية المحلية بنظام الانتخاب بالقائمة بالأغلبية المطلقة ولم يستمر هذا والنظام طويلا في الحياة السياسية المصرية إذ سرعان ما قضت المحكمة الدستورية في جلستها المنعقدة في15 أبريل سنة1989 بعدم دستورية انتخابات مجلس الشوري بالقائمة ثم تلته بحكم آخر قضي بعدم دستورية انتخابات المجالس الشعبية المحلية بذات النظام.
تقدير نظام الانتخابات بالقائمة لنظام الانتخاب بالقائمة الحزبية لاشك مزايا تعود بالمنفعة علي الدول التي تأخذ به وبالمقابل فهو نظام بشري يجري عليه مايجري علي البشر من مساويء ولذا فله مساويء قد تعادل مزاياه وذلك علي النحو التالي: أ ـ مزايا الانتخابية بالقائمة المفاضلة فيه علي أساس مباديء وبرامج الحزب الذي يختاره الناخب وليست علي أشخاص المرشحين وعلاقتهم الشخصية بالناخب ومن هنا فالفائز سيكون الأصلح والأكثر نفعا للدائرة وليس الأكثر شعبية.
ـ يترتب علي الميزة المتقدمة اهتمام واضح من قبل الناخبين بالشئون العامة للوطن, وكلما فهموا مباديء وبرامج الأحزاب المتنافسة, كانت مقارنتهم أدق, واختيارهم للقائمة التي تتضمن برنامج الحزب الأكثر منفعة لهم أكثر وضوحا وتحديدا, وبالتالي فلن تفوز الا القائمة التي تحقق منفعة وفائدة أكثر لهم. ـ لاشك في أن هذا النظام من شأنه زيادة أهمية صوت الناخب ودوره لأنه سيعطيه الحق في اختيار عدة مرشحين ليمثلوه في البرلمان
ـ في هذا النظام يؤدي كبر الدوائر إلي الحد من تدخل الإدارة في إرادة الناخبين, كما يقل دور المال في إفساد العملية الانتخابية وذلك لصعوبة شراء أصوات الناخبين لكثرة عددهم وانتشارهم في أرجاء الدائرة الانتخابية وهو ماظهر أثره بوضوح في انتخابات مجلس الشعب الحالي2000 والشوري2001. ـ يترتب علي هذا النظام إطلاق حرية النواب في مباشرة دورهم النيابي سواء التشريعي أو الرقابي لبعدهم عن الصلات والروابط الشخصية التي تحد من حريتهم في العمل البرلماني.
أما عيوب النظام الانتخابي بالقائمة فهي: ـ تضع الاحزاب قوائمها الانتخابية لمرشحيها بما يحقق مصلحة الحزب أولا وبما يكفل لها الفوز بالأغلبية, دون اعتبار يذكر لمصلحة الناخبين في الدوائر الانتخابية المختلفة. ـ يترتب علي سيطرة الحزب علي عملية تحديد اسماء مرشحيه علي قوائمه الانتخابية إلي خداع الناخبين, وذلك بوضع اسماء براقة تحظي بمكانة اجتماعية وشعبية واضحة علي رأس القائمة ثم تكمل بقية قوائمها باسماء مغمورة أو ذات قدرة محدودة ليس لديها مكنة تمثيل الدائرة في البرلمان.
ـ يبعد هذا النظام النواب عن ناخبيهم وذلك لأن اختيار الناخب كان لمباديء وبرامج حزبية وليس لشخص المرشح أي دور في الاختيار.
(3) الانتخاب المختلط: وهو عبارة عن نظام انتخابي يجمع بين نظامين انتخابين كالأخذ بنظام الانتخاب بالقائمة بالتمثيل النسبي علي مستوي الدوئر مع إعطاء الحق للقوائم التي تتضمن برامج متشابهة أو حتي مختلفة في الدائرة الانتخابية الواحدة أن تنضم لبعضها ويتم جمع الأصوات التي فاز بها, وعند توزيع المقاعد البرلمانية علي القوائم, تعتبر القوائم المنضمة بمثابة قائمة واحدة, ويسمج هذا النظام بالاستفادة من المزايا التي يحققها كل نظام مع تفادي العيوب التي تنسب إليها, وقد أخذ المشرع بالقانون رقم188 لسنة86 هذا النظام عندما قضي بالاخذ بنظام انتخابي يقوم علي أساس الجمع بين الانتخاب الفردي بالأغلبية المطلقة إلي جانب الانتخاب بالقائمة مع التمثيل النسبي في انتخابات الشعب التي أجريت في أبريل سنة1987 ثم تلاه بالأخذ بالنظام المختلط في انتخابات المجالس الشعبية المحلية بالتعديل الذي تم علي القانون رقم43 لسنة1979 بالقانون رقم145 لسنة1988 حيث أجريت انتحابات المجالس الشعبية المحلية عن طريق الجمع بين نظامي القوائم الحزبية والانتخاب الفردي.
تقدير جربت مصر كل الأنظمة الانتخابية المذكورة تقريبا وظهر لكل نظام عيوب كشف عنها التطبيق, بحيث لم يعد أي منها متفقا مع طبيعية الشعب المصري عندما يختار نوابه البرلمان, وعقب انتخابات مجلس الشعب2000 والشوري2001 وما كشفت عنه من عيوب فقد اهتم الفقه بتحديد أنسب النظم الانتخابية التي تصلح للتطبيق في مصر, وقبل أن نحدد رأيا في الموضوع فإننا نضع المسلمات التالية: ـ تصل نسبة الأمية في مصر علي أحس الفروض إلي40% من نسبة الناخبين وبطبيعة الحال فإن الشخص الأمي بعيد عن فهم مايدور حوله من شئون عامة تمس الوطن وبالتالي من السهل توجيهه والتأثير عليه.
ـ أكثرية المرشحين للمجالس التشريعية كثيرو الوعود لدوائرهم الانتخابية ابان الانتخابات, فإن فازوا تبخرت وعودهم بل ان اكثرهم لايقمون في نطاق الدائرة التي انتخبتهم لتمثيلها في المجلس التشريعي. ـ نسبة اقبال الناخبين علي التوجه لصناديق الانتخابات للأدلاء بأصواتهم قليلة وصلت في مجلس الشعب إلي نحو30%, بينما وصلت في الشوري إلي أقل من5% أحيانا.
ـ تسود العصبيات والتربيطات في بعض المناطق بحيث ينتخب الناخبون أمين عصبتهم وان كان غير أهل لتمثيلهم في البرلمان. ـ ولاشك في أن طبيعية الشعب المصري تتطلب نظاما انتخابيا يتاح فيه للناخب الفرصة في اختيار المرشح الأصلح في الدائرة الانتخابية التي ينتمي إليها وفي الوقت نفسه تزداد حرية النواب في أداء دورهم البرلماني, وذلك بإبعادهم عن تأثير الوعود الانتخابية والمصالح المحدودة للناخبين وتقيد حريتهم في العمل, بالإضافة إلي الحد من تدخل السلطة العامة في الانتخابات بما يصاحبه من عدم وصول الناخب إلي صندوق الانتخاب, فتكون النتيجة غير معبرة عن إرادة الناخبين كما حدث في انتخابات مجلس الشعب والشوري الماضيين ولهذا فإن أفضل نظام انتخابي يتفق مع الطبيعة المصرية هو النظام الفردي وإلي جانبه نظام الانتخاب بالقائمة, والأخذ بهذا النظام من شأنه تحقيق الاستقرار المنشود لنظام الانتخاب في مصر خاصة مع وجود إشراف قضائي فعال علي العملية الانتخابية علي نحو ماحدث في الانتخابات الماضية.
موضوعات أخرى |