|
عندما يموت الشاعر |
 |
ليس صدفة أن يكون نفس الشهر الذي تحتفل فيه فرنسا بمرور مائة عام علي مولد أندريه مالرو وعشرين عاما علي وفاته هو الشهر الذي يشهد وفاة أحد كبار شعراء وسياسيي ومحرري أفريقيا: ليوبولد سيدار سينجور الذي كان أول رئيس للسنغال بعد إستقلالها عام1960 وكان أول من جعل من' الزنوجة' فكرا وفخرا وحياة لا' تتصادم' مع الحضارات الأخري بل تتفاعل معها وتتضامن وتتشارك فتحصد ثراء فكريا وكرامة وعدالة وليس حروبا ودمارا. لقد تحلي ليوبولد سنجور بثلاث هويات أساسية: السياسي والمعلم والشاعر ومن بين تلك الهويات الثلاث اعتبر الشعر أهم جانب من جوانب شخصيته لأنه في نظره' اكثر انواع الثقافات تكاملا'. تلك الثقافات التي تعتبر' أساس وهدف كل سياسة'. فعبر أشعاره استطاع أن يوصل الي العالم فكره الذي يدعو الي' الحوار والاندماج بين الثقافات' وينقل حلمه بأن يقضي علي اي عداء بين ثقافة اللغة الفرنسية التي اعتبرها' إنسانية كاملة' وبين' الزنوجة' التي يري انها تضم' جميع قيم العالم الأسود الاقتصادية والسياسية الفكرية والأخلاقية الفنية والاجتماعية ليس فقط لشعوب إفريقيا ولكن ايضا لكل الأقليات السوداء في امريكا وأيضا في آسيا'.
وبعكس ما نسميه اليوم بـ' العولمة' والتي تعني هيمنة ثقافة وفكرا واحدا عالميا فإن سنجور كان يسعي الي التأكيد علي الاختلاف. فكان عليه أولا التأكيد علي هويته السوداء والتعرف علي جذوره الأفريقية ودعم الاحساس بالفخر بها قبل أن يتوجه بهويته تلك الي العالم ليتحاور معه ويتفاعل معه. فعرف بأنه' الذي وضع أسس الفخر بالهوية الأفريقية' عندما قام بتأسيس منظمة الوحدة الافريقية التي طالما اعتبرت رمزا لآمال الشعوب الافريقية لتحقيق حياة أفضل من خلال الحرية والوحدة واحترام التقاليد الافريقية مع الانفتاح علي العالم الحديث. وبعكس ما يدعو اليه الغرب اليوم من' الصدام بين الحضارات' التي اعتبرها صمويل هانتنجتون جزرا منعزلة ومتنافسة وبالتالي متصادمة دعا سنجور الي التآلف والحوار لأنه كما قال' عبر كل حياتي العملية كان هدفي الوحيد هو توحيد تلك التوجهات التي تبدو متناقضة والتي هي في حقيقتها مكملة بعضها لبعض.' لم يكن غريبا إذن أن يساهم سنجور في تأسيس المجتمع الفرانكفوني الذي يضم ربع سكان العالم وأن يوصف بأنه' رائد الحوار الثقافي' و'الجسر بين الثقافات المتعددة'.
لم يكن صدفة إذن ان يحتفل المجتمع الثقافي في العالم بذكري مولد أحد رواد حوار الثقافات الغربيين مثل أندريه مالرو ووفاة أحد رواد الحوار الافارقة مثل ليوبولد سنجور وذلك وفي نفس الوقت الذي تدعو فيه' الحضارة' الأمريكية الي تأكيد هيمنتها علي العالم مستخدمة أحدث أنواع الاسلحة الفتاكة. ولكن في النهاية تبقي حقيقة واحدة, وهي أنه عندما يموت المحارب يدفن معه سلاحه ولكن عندما يموت الشاعر فإن شعره يبقي! |
|
|
|
|
|