|
|
دهشت أن يتردد الآن مثل هذا المصطلح ـ صراع الحضارات ـ الذي نحته هنتنجتون قرب منتصف التسعينيات من القرن الماضي وما لبث أن أكده في نهاية القرن, وشغل الرأي العام العالمي به, وليس العربي فقط. ودهشت أكثر أن المصطلح حين ردد كان يتم الربط فيه ـ بشكل متعمد ـ بين الحضارة والارهاب..
الحضارة التي هي حضارة الغرب والارهاب الذي هو ارهاب الشرق( الذي هو ـ أي الشرق ـ الشرق العربي الذي يرتبط بالعقيدة أو يربط بينه وبينها). إنه تراجع أن الأمر أمر صراع بين حضارات أو حضارتين إلي صراع بين حضارة هي الغرب وارهاب هو الشرق.
وبدا الأمر كأنه يتجسد في معركة بين الخير والشر. أو ـ أكثر تحديدا ـ بين المدنية والبربرية. لقد برهنت الأحداث الكثيرة منذ هذا اليوم ـ11 سبتمبر ـ حتي اليوم علي أن الحضارة ـ في مفهوم اصحابها ـ هي مفهوم غربي تماما, ليس له أية علاقة بالشرق, وإنما علاقته الأولي بالارهاب, ومن هنا, فقد تفاوتت درجات فهم تصريحات العديد من المسئولين الامريكيين بعد وقوع الحدث مباشرة حين سمعنا هذه الجملة مع تغيير الفاظها وثبات معناها من أن الحرب القادمة ضد الارهاب سيكون هدفه ضرب الارهابيين في العالم وفي...., بل ظلت تردد بعد فترة طويلة من وقوع الحدث مما يفهم منه أن هذا الوقت الطويل لم يخفف من غلواء المسئولين أو يجعلهم يعيدون النظر من وسم الشرق بالارهاب بشكل عام.. وهو مفهوم كامن واع في آن معا..
الغرب كان هو الحضارة والشرق هو الارهاب علي هذا النحو, توالت ردود الافعال ـ وما زالت ـ دون أن تغير من هذه المفاهيم أو تبدلها.. بدا هذا علي جميع المستويات في الغرب, فلم يتأكد هذا المفهوم في واشنطن فقط, وانما بدا أكثر وضوحا في العواصم الأوروبية الاخري وخاصة لندن التي شهدت عنفا ضد العرب والشرقيين فاق أي عنف آخر في واشنطن نفسها.. وروما أخيرا حيث بدا بيرلسكوني اكثر حماقة من سابقيه..
(2) وصلت الدهشة إلي أقصاها حين كان المصطلح يردد عقب هجمات اليوم الأسود علي نيويورك وواشنطن في العواصم الغربية الكبري خاصة, وفي واشنطن بوجه أخص, حين ربط الرئيس الامريكي بين الحضارة والارهاب بشكل مثير للتفكير لدي من يرفض الربط بين المفهومين: الارهاب والحضارة.. كما أنه ـ في الوقت نفسه ـ راح يفصل بشكل أكثر وضوحا بين اثنين أو كلمتين رددهما في بداية توليه للسلطة في امريكا حين اطلق شعار( نحن والعالم) في فترة مبكرة من هذا العام.
لقد قال بوش الثاني بالحرف الواحد هنا: (إن كل دولة حضارية تعي أن هذا الاعتداء لم يكن موجها ضد الولايات المتحدة فحسب بل ضد الحضارة) ورغم أن الرئيس الامريكي تورط فيما يشبه زلة لسان في أن ما يحدث هو الحروب الصليبية(!!) ووجدنا من يبرر له ذلك, فإن تصريحاته المتوالية بعد ذلك لم تتردد في تحميل رموز ومفاهيم اكثر يري منها وفيها أن الغرب هو الحضارة وان العالم الآخر هو الشر والارهاب..
وحين سمعنا صوت كيسنجر ـ من غلاة المتطرفين الصهاينة ضدنا ـ سمعناه يردد نفس الدلالة, ضرورة القضاء علي هذا الارهاب الشرقي, كيف؟ قال بالحرف الواحد بعد أن طرح السؤال: (ان الحلف الاطلسي هو الاطار المناسب لقيادة الحرب العالمية ضد الارهاب الدولي, خصوصا بعد ان أعلن الجناح الاوروبي للحلف, لأول مرة, مساندته الكاملة في هذه الحرب..)
اقتربنا من الجناح الاوروبي, إذن, فحين اغلقت إيران حدودها مع افغانستان علي اثر تدفق اللاجئين اليها بدا هذا للغرب شيئا طيبا, فدولة كإيران سوف تعاني ـ دون شك من الافغانستانيين مما يؤثر في اقتصادها, لكننا لا نستطيع أن نفهم حقيقة ماجري في إيران حين نتذكر أن ذلك حدث ولكن بعد أن اتصل توني بلير بالرئيس خاتمي, مؤكدا له مذكرا إياه بأنه يجب ـ والحديث للرئيس خاتمي هنا ـ ألا تصبح الحرب ضد الارهاب صداما بين الحضارات..(!!) تظل علامات التعجب من عندنا. وهنا نتعجب أكثر لذكر مفهوم الحضارات ثانية, فلا يمكن أن يكون اللاجئون الافغان ـ وهو افقر الشعوب في العالم واكثرهم معاناة ـ اصحاب حضارة يمكن أن يهددوا الغرب.. أن يدخلوا في صراع الحضارات ضدها..
إن التلميح لصراع الحضارات انما اكتسب رمزه العام, بتهديد دولة كإيران ألا تقف ضد الغرب, وألا تقف بجانب البرابرة من افغانستان ضد هذه الحضارة الغربية.. وهم قبل ذلك منطق القوي, المخادع, المغاير.. وهو ما شارك فيه عدد كبير من منظري الغرب من المثقفين والسياسيين...
(3) من متابعة الادبيات السياسية طيلة العقد الماضي نلاحظ تفرقة ذات دلالة بين طرفين, وينتفي هنا الحديث عن حضارة في مواجهة حضارة اخري, انما الامر يقصد به التذكير ان الحضارة الغربية هي الاساس, وأن ما يمكن أن يحدث انما هو تحفيز لغضب الغرب ضد الشرق, وان يكن في اللاشعور الحنق التاريخي من وجود( الآخر) في الوعي الغربي.
وهو ما يذكرنا بشعار الرئيس بوش عبر حملته الانتخابية في يناير2001 من أنه يتبني شعار( نحن والعالم) وهو ما يعود بنا إلي تفكير خطي لانخطئه ـ قبل ذلك ـ في محاولة تفسير هنتنجتون وفوكوياما حين يبشر هذا الاخير خاصة بأن( نهاية التاريخ) هي الوصول إلي نقطة النهاية في التطور البشري, ولكن لصالح الليبرالية الجديدة التي كانت في سعيها الدءوب منذ بداية التسعينيات إلي تجسيد( العولمة) وآلياتها في هذا العالم( الآخر). والملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا أن هنتنجتون حين يعقب علي هذا, فإنه يخرج بأوروبا من المعادلة, فالغرب يظل الغرب الامريكي وخلفه الاوروبي إنه العالم الذي انتهي عشية حرب الخليج الثانية وبدأ.., إن الصراع الكبير بين الغرب والعالم قد انتهي إذن بالتحديد في العالم غير الاوروبي حيث حدثت التغييرات الكبري في الصين والاتحاد السوفيتي. فالصراع الكبير قد انتهي إلي استئثار باقتصاد العالم وآليات التغيير الغربي فيه..
وقد يكون من المهم هنا, بل هو من المهم, ان نثبت هذه الرؤية الغربية التي تكونت قبل مجيء بوش في الفكر المخابراتي الغربي وفي اروقة وزارة الخارجية, وعبر عنها عدد كبير من اصحاب هذه الحضارة, هي, أن ادبيات التسعينيات توضح الامور بصراحة أكثر, حين نعرف ـ وهو كله مكتوب ومكرر في اكثر من مصدر, ردده هنتنجتون كما ردده فوكوياما بالقدر الذي ردده في نفس الوقت أو قبله بقليل كل من زبجنيو بريجينسكي ودانييل باتريك موينيهان وجون ميرشايمر ونورثروب.. وغيرهم من تخصصات كثيرة, وعلي فترات شارك فيه يهودي متعصب كبرنارد لويس بل وعرب يعيشون في الغرب ويرددون مقولاته!! فالصراع بين الحضارة والارهاب يظل هو الصراع بين الحضارة والآخر, في تعبير بوش( نحن وهم) ثم في تعبير هنتنجتون قبل ذلك كان( نحن وهم) ويطلق هذا التعبير ليعبر عن الجماعة التفضيلية والجماعة الأخري.
إن( نحن وهم) تعني بوضوح أكثر حضارتنا وأولئك البرابرة فالجميع هناك يحلل هذا العالم علي أساس: الشمال والجنوب, المركز والمحيط, الغرب والبرابرة. ويحدد التعريف هنا أكثر حسب الاجزاء, فإن صورة عالم من جزءين في ادبيات الغرب الامريكي الآن هي تأكيد التقسيم الاكثر شيوعا الذي هو متطابق مع الوعي الغربي نفسه, إذ نستطيع أن نلاحظ أن هذا التقسيم الاكثر شيوعا يظل بين الدول الغنية( الحديثة المتقدمة) والدول الفقيرة( التقليدية, المتخلفة, النامية) ثم يرتبط هذا التقسيم تاريخيا بالغرب والشرق..
وحين نقفز من هذا التصور, الذي راج في نهاية التسعينيات من القرن الماضي سوف نكشف عن أن عناصر الصورة زادت وضوحا مع رؤية السياسيين من امثال بوش الابن, فلم تعد القضية بين الاغنياء والفقراء او بين المتقدمين والمتخلفين او ـ حتي ـ بين الشمال والجنوب, وإنما أصبحت ـ بعد الثلاثاء الأسود ـ هي الصراع بين الحضارة والارهاب, وأصبح هم سادة البيت الأبيض اقامة( حلف عالمي لمقاومة الارهاب)... |
|
|
|
|
|