الكتاب

41944‏السنة 126-العدد2001اكتوبر8‏21من رجـب 1422 هــالأثنين

من حديث الحيوان والطير
بقلم : د‏.‏عبدالقادر القط

في أغسطس الماضي نشرت الأهرام في مشروع كتاب في جريدة مختارات من كليلة ودمنة الذي ترجمه عبدالله بن المقفع من الهندية منذ نحو ألف ومائتي عام‏,‏ والكتاب وإن بدا كأنه حكايات من قصص الأطفال يحمل في أحداثه وشخصياته رموزا واضحة الدلالة علي طبائع النفوس وحقائق الحياة‏,‏ ويرمز بالحيوان والطير إلي كثير من النماذج البشرية‏,‏ والسلوك والأخلاق‏,‏ وتظل وقائع قصصه وشخصياته قابلة لأكثر من تأويل من عصر إلي عصر ومن مجتمع إلي مجتمع‏.‏
وحين قرأت الكتاب في هذا الأيام بوعي جديد من ورائه شيء من الخبرة وكثير من الهموم لما يجري في هذه الأيام بدت لي بعض وقائعه كأنها شديدة الصلة بعد تأويلها بما يشهد عالمنا من أحداث جسام‏.‏

والكتاب حوار عن طريق السؤال والجواب بين ملك ينشد الحكمة وفيلسوف أديب ينقل حكمته إلي الملك بمقدمة واضحة المعاني تتلوها قصة رمزية تجئ برهانا علي صدق الحكمة والخبرة وقد يدور الحوار بين كليلة ودمنة ـ وهما ثعلبان ماكران كانا في خدمة الأسد ـ ملك الغابة‏,‏ و شتربة وهو ثور جسيم طيب قامت بينه وبين الأسد مودة صادقة حتي أفسدها أصحاب السوء فبطش الأسد بصديقه المسالم‏.‏
قال الثور للثعلب دمنه‏:‏ اعلم أن الأسد لو لم يرد بي إلا خيرا ثم اراد اصحابه بمكرهم وفجورهم هلاكي لقدروا عليه فإذا اجتمع الماكرون الظلمة علي البرئ الصالح كانوا جديرين ان يهلكوه وإن كانوا ضعفاء وهو قوي كما أهلك الذئب والغراب والثعلب الجمل حين اجتمعوا عليه بالمكر والخديعة والخيانة‏.‏

قال دمنة‏:‏ وكيف كان ذلك ؟ قال شتر به‏:‏
زعموا أن أسدا في الغابة كان له أصحاب ثلاثة‏:‏ ذئب وغراب وثعلب‏,‏ ومر رعاة بذلك المكان ومعهم جمال فتخلف منها جمل‏,‏ ودخل إلي الغابة حتي انتهي إلي مكان الأسد‏,‏ وأعجب الأسد بوداعته وحسن منظره فاتخذه صديقا حميما‏,‏ ثم إن الأسد مضي في بعض الأيام في طلب الصيد فلقي فيلا عظيما فقاتله قتالا شديدا وعاد إلي عرينه مثخنا بالجراح غير قادر علي الصيد‏,‏ واشتد الجوع به وبأصحابه‏,‏ ومازالوا يغرونه بصديقه الجمل حتي وافق في النهاية علي افتراسه بعد ان يحتالوا علي الجمل بحيلة طريفة حتي لايبدو الأمر غدرا من صديق بصديقه‏.‏
واجتمع الصحاب والجمل عند الأسد وبدأ كل واحد من الصحاب المتآمرين يعرض نفسه ليأكله الأسد‏..‏ قال الغراب‏:‏ قد احتجت أيها الملك إلي مايقوتك ونحن أحق أن نهب أنفسنا لك فإنا بك نعيش وليس لأحد منا بقاء بعدك ولا لنا في الحياة من رغبة‏,‏ فليأكلني الملك فقد طبت نفسا بذلك‏!‏

وأجاب الذئب والثعلب‏:‏ اسكت فلا خير للملك في أكلك وليس فيك شبع‏!‏ قال الثعلب‏:‏ لكن أنا أشبع الملك فليأكلني فقد رضيت بذلك وطبت به نفسا
فرد عليه الثعلب والغراب‏:‏ إنك لمنتن قذر وقال الذئب‏:‏ ولكني لست كذلك فليأكلني الملك فقد رضيت بذلك وطبت به نفسا فاعترضه الغراب والثعلب قائلين‏:‏ قالت الاطباء إنه من أراد قتل نفسه فليأكل لحم الذئب‏!‏

وظن الجمل أنه إذا عرض نفسه للأكل التمسوا له عذرا كما التمس بعضهم لبعض الاعذار‏,‏ فقال‏:‏ لكن أنا في للملك شبع وري‏,‏ ولحمي طيب هني‏,‏ فليأكلني الملك ويطعم أصحابه وخدمه‏,‏ لقد رضيت بذلك وطابت نفسي به‏.‏
قال الذئب والغراب والثعلب‏:‏ لقد صدق الجمل وكرم‏!‏
ثم إنهم وثبوا عليه فمزقوه‏!‏

وحين فرغت من قراءة القصة أسفت لمصرع الجمل الطيب لكني لم أعجب من خيانة الأسد بل عجبت من بعض كتابنا الذين يرسلون في الصحف رسائل إلي الأسد الصديق يعاتبونه عتابا رقيقا علي موقفه من القضايا العربية ويرجونه ألا يفتك بالجمل العربي الطيب والأسد يستمع إلي وشاية قرناء السوء‏!‏
ومضيت في قراءة كليلة ودمنة‏.‏
قال دمنة لصديقه كليلة وهما يتآمران علي الثور شتربه‏:‏ إن الثور كما ذكرت في قوته لكن لا رأي له‏,‏ وأنا جدير بأن أصرعه كما صرعت الأرنب الأسد‏,‏ قال كليلة‏:‏ وكيف كان ذلك‏.‏

قال زعموا أن اسدا بسط سلطانه علي الغابة والتف حوله فريق من المنافقين والمنتفعين يأتمرون بأمره ويحملون رغبته إلي المستضعفين من أهل الغابة‏,‏ الذين فرض عليهم الأسد أن يقدموا إليه كل يوم قربانا يتغدي به‏,‏ واختارت القرعة ذات يوم أرنبا لتكون غداء للملك فقالت لأهل الغابة‏:‏ دعوني أصل إلي الملك متأخرة عن موعد غدائه لعلي أكفيكم شره بالحيلة واستجابت الوحوش لرغبتها وحين رآها الملك مقبلة عليه غضب واتجه نحوها وسألها لماذا جاءت متأخرة‏,‏ قالت‏:‏ أنا رسول الوحوش إليك وقد بعثوني ومعي أرنب لغدائك فتبعني أسد وأخذها مني‏,‏ وقال أنا أحق بهذه الأرض وما بها من الوحش‏,‏ فقلت إن هذا غداء الملك فلاتغضبه فسبك وشتمك وأقبلت مسرعة لأخبرك وقال الأسد‏:‏ انطلقي معي لأري موضع هذا الأسد فانطلقا حتي بلغا جبا عميقا في قاعه ماء غامر صاف ونظرت الأرنب إليه وقالت‏:‏ هذا هو المكان‏!‏ ونظر الأسد فرأي ظله وظل الأرنب في الماء فلم يشك في قولها ووثب علي الأسد ليقاتله فغرق في قاع البئر‏!‏
قلت لنفسي وقد انتهت القصة بمصرع الأسد‏:‏ ربما كانت قصة صالحة في قديم الزمان لترمز لبعض الجهلة والظالمين من الحكام الذين تغطي القدرة علي بصائرهم‏,‏ لكن أسد هذا العصر لم يعد يمثل تلك الغفلة التي كان بها الأسد القديم‏,‏ وهو لايمكن ان يقنع لغدائه بأرنب صغير‏,‏ فهو يترك مثل هذه الأرانب لأعوانه الناشئين في العالم الثالث أو النامي وهو لايمكن ان يخدعه ماء صاف بقاع جب عميق فإن له الآلاف من أولاد أوي أو الثعالب الذكية الماكرة يعرفون خبايا البر والبحر ولايبحثون له عن الماء بل عن مزيد من الوقود يستدفئ به في الشتاد البارد وتسير به بوارجه وطائراته ودباباته‏,‏ ويشوي علي ناره صيده اليومي من الشعوب المستضعفة في الأرض‏.‏

وإذا كان الأسد القديم لشدة غفلته قد أسرع إلي البئر لينازل عدوه فهل يمكن لأسد هذا العصر وأوليائه من المخططين أن يقيموا كل هذه الضجة الإعلامية للامساك برجل واحد يظنون أنه وراء ماحدث من فاجعة‏,‏ وهل يستحق الأمر كل تلك الحشود العسكرية التي تستمال من أجلها الحكومات ـ ولا أقول الشعوب ـ عن طريق رفع العقوبات التي فرضها عليهم الأسد وحده‏,‏ أو خفض الديون التي جلبها إليهم الأسد وهو يبيع لهم سلاحا لايدرون من سيحاربون به من أعداء وسلعا استهلاكية ليسوا في حاجة حقيقية لها وكان ثمنها أحق أن ينفق في التعليم والصحة والتنمية والانتاج؟
وسألت نفسي لماذا تخاذلت ارادة الحكومات شيئا فشيئا ـ واحدة بعد الأخري ـ فاستجاب أغلبها لرغبة الأسد العصري وأذنت لطيرانه أن يربض بأرضها ويخترق أجواءها‏,‏ ولبوارجه أن ترسو في مياهها ولدباباته أن تكمن في مخابئه؟ ولماذ لم ينهض الأسد العصري من قبل ليقضي علي الإرهاب قبل أن يطوله في عرينه أو علي الإرهاب اليومي الدائر كل يوم علي أهل فلسطين الذي ابتكروا له مصطلحا طريفا يرضي عنه بعض أعوان الأسد فسموه القتل الوقائي‏.‏

وسألت نفسي‏:‏ لمذا يرضي الحكام أن يكونوا فرائس يتغدي بهم ملك الغابة العصري واحدا بعد الآخر ويخدعون أنفسهم بأنهم إنما يدخلون معه في حلف للقضاء علي الإرهاب؟ لماذا لايتحدون فتتكامل قدراتهم واقتصادهم الذي لاغني عنه للأسد العصري‏,‏ فتنبت لهم مخالب ويعلو صوتهم الخفيض الذي يخفي ضعفه ستار السير في ركب الحضارة والاستجابة للشرعية الدولية التي لاتطبق إلا عليهم وحدهم؟
لقد أعلنت دول حلف شمال الاطلسي منذ أيام أن أي عدوان علي دولة في الحلف يعد عدوانا علي دوله جميعا وعليها أن تنهض جميعا لرده‏,‏ فلماذا لايتخذ أعضاء الجامعة العربية قرارا مماثلا؟ ولماذا لايصرون علي أن يوضع في كفتي الميزان القضاء علي مايسميه الغرب الإرهاب وليس كله كذلك ـ ووضع نهاية لاغتصاب حقوق أهل فلسطين وهدم ديارهم واقتلاع مزارعهم وقتلهم الوقائي المنظم واحتلال ارضهم الدائم‏.‏

لماذا لايصرون قبل ان يدخلوا ذلك الحلف أن تنفذ قرارات الشرعية الدولية التي اتخذت منذ أعوام وهم يشهدون اليوم كيف تتخذ القرارات الفردية العاجلة وتنفذ بصورة فردية عاجلة فتحبس بعض الشعوب العربية في أوطانها ويقوم علي بعضها أوصياء يشرفون علي شراء مايلزمها من غذاء ويضرب بعضها كل يوم بالطائرات علي سبيل التسلية والتدريب‏.‏
لكن العرب لايساومون فإن كلمتهم كلمة واحدة‏..‏ كلمة شرف وهم لايسألون أجرا عما يقدمون من صنيع فإن من خلقهم إغاثة الملهوف ومن العار أن يطلبوا ثمنا لهذا العمل الإنساني النبيل‏!‏

ووجدت الغضب الذي حذرت صديقي المكتئب قبل هذا من عواقبه‏,‏ قد أخذ يستبد بي فقلت لنفسي أحذرها‏:‏ فلنعد إلي قراءتنا البريئة الأولي للقصة حين كنا صغارا‏,‏ ولنفرح بغرق الأسد الظالم في ماء الجب العميق‏!‏
ولم يكد بعض الهدوء يعود إلي حتي عاجلني خبر جديد أعاد إلي القلق والوساوس إذ بدأ الإعلام العربي يردد في شيء من الرضا والترحيب أن أسد العصر الجديد قال إنه يقر ضمنيا قيام دولة فلسطينية‏,‏ وإن فكرة الدولة الفلسطينية كانت دائما جزءا من الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط‏.‏

وإذا صح هذا فلماذا لم يستجيبوا لنداءات العرب الكثيرة بتنفيذ مااتخذته لجنة معروفة من قرارات ولماذا لم يوافقوا علي ما أقرته دول مجلس الأمن من إرسال مراقبين دوليين لتنفيذ تلك القرارات؟ والأمر بعد كل ذلك ينتهي عندهم بوقف أعمال العنف والعودة إلي المفاوضات‏.‏
وقد رحب بعض أعضاء الكونجرس بهذه المبادرة لكنهم يخشون أن تحمل معني المكافأة للإرهاب‏!‏

وعاودت القراءة في كليلة ودمنة
قال الملك للفيلسوف‏:‏ اضرب لي مثلا للعدو الذي لاينبغي أن يغتر به وإن أظهر تقربا وقلقا واخبرني عن العدو هل يصير صديقا وهل يوثق من أمره بشيء‏,‏ وكيف ينبغي للملك أن يصنع إذا طلب عدوه مصالحته‏.‏
قال الفيلسوف‏:‏ زعموا انه كان في جبل من الجبال دوحة عظيمة ذات أشجار كثيرة وفيها أعشاش لالف من الطيور وكان بالقرب من تلك الدوحة كهف فيه ألف بومة تختفي بالنهار فإذا حل الليل واستطاعت الرؤية في الظلام أغارت علي الطيور فقتلت بعضها وامتصت بيضها وحطمت أعشاشها‏,‏ وحين ضاق ملك الطيور بالأمر جمع بعض حكماء الجماعة ليشيروا عليه بالرأي‏,‏ فنصح أولهم بالرحيل إذ لاطاقة لهم بحرب البوم‏,‏ ورأي الثاني جمع الكلمة والاستعداد للحرب وأشار الثالث بأن يتفاوضوا للصلح ويدفعوا للبوم ماشاءوا من الجزية‏,‏ أما الرابع فرأي أن تلجأ الطير إلي الحيلة ليعرفوا أسرار العدو ومكامن قوته وضعفه‏.‏

وقال صاحب الرأي‏:‏ انتفوا ريشي وذيلي وانقروني حتي يسيل دمي ثم ألقوني قريبا من مغارة البوم واستجابت الطير لما طلب وسمعت البوم آنينه فالتقطته فقص عليهم كيف ظلمة الملك حين أشار عليه بالصلح ودفع الجزية فصدقوه وأقام الطائر مع البوم وقد استرد عافيته ونبت ريشه وذيله من جديد وعرف أسرار البوم ومداخل محابئها‏,‏ ورأي قريبا من الكهف راعيا مع قطيعه من الغنم يوقد لنفسه نارا كل يوم واشار بأن تخرج الطيور في النهار فتلقي بعض النار في ثقوب الكهف وترمي عليها بعض يابس الحطب وتروح عليها باجنحتها‏,‏ فمن خرج من البوم احترق ومن لم يخرج مات بالدخان في موضعه‏!‏
وفجأة انتزعتني من القراءة البريئة للقصة ما يثقل صدري مما يجري في هذه الأيام فبدت لي رموزها وكأنها تتحدث عنا ـ نحن الطيور المسالمة ـ وعن البوم التي تخرج من الظلام من اوكارها لتفتك بجيرانها المسالمين‏.‏

لكن الشعوب المسالة لاتحسن اليوم الخداع كما احسنته طيور القصة فقد أصبح للخداع مدارس وهيئات واساليب ونفقات لاتقدر عليها تلك الشعوب‏,‏ ولعلهم لونتفوا ريش احدهم واثخنوه بالجراح ثم رموا به علي أبواب البوم‏,‏ أن يجدوه وقد نتف البوم مابقي من ريشه وامتصوا دماءه النازفة وطرحوه جثة هامدة علي أبواب العصافير المسالمة‏.‏
قلت لنفسي‏:‏ إذا كان شباب شعوبنا لايستطيعون مواجهة البوم مواجهة شاملة ولايحسنون لقاء الدبابات والصواريخ والطائرات فإنهم مع ذلك يحسنون شيئا آخر يقض مضاجع عدوهم‏:‏ إنهم يحسنون الموت لتكتب لهم الحياة‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية