|
|
 |
جاء تصريح الرئيس الأمريكي بوش المفاجئ في الأسبوع الماضي بتأييد إقامة دولة فلسطينية مذكرا بالوعد الذي قطعته علي نفسها دولة كبري أخري في زمانها هي بريطانيا العظمي, علي لسان رئيس وزرائها لورد بالفور بتأييد إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.. ومثلما لم يكن وعد بالفور يعني الكثير حين تفوه به رئيس الوزراء البريطاني عام1917, فإن تصريح بوش هو الآخر لن يعني الكثير في حد ذاته ما لم نحسن استخدامه كما فعلت الصهيونية العالمية بوعد بالفور, فحولته إلي صك رسمي لإقامة الدولة العبرية برغم أنه لم يتحدث في أي موضع منه عن دولة لليهود, ولقد بدأت إسرائيل بالفعل تنشط لمحاربة تصريح بوش الأخير إلي حد الابتزاز السياسي لأمريكا, فماذا نحن فاعلون كعرب؟! ان الوثيقة البريطانية التي نسميها في الوطن العربي باسم وعد بالفور لم تكن هي الأخري أكثر من تصريح ـ وإن كان مكتوبا ـ مثل تصريح بوش الأخير, ولذلك فهي لا تعرف في السياسة الدولية باسم وعد وإنما باسم تصريح بالفور BalfourDeclavrtion أما من حولها إلي وعد ربط به بريطانيا, فقد كان العمل الصهيوني الدءوب علي مدي ثلاثين عاما من1917 إلي1947 عام صدور قرار التقسيم من الأمم المتحدة, وذلك برغم ما كان بالوثيقة من ثغرات تسمح بالشيء ونقيضه في نفس الوقت, كما أنها لم تتضمن أكثر من أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين, مما يعني أن بريطانيا غير ملزمة بإقامة هذا الوطن, وإنما تنظر إليه فقط بعين العطف, وأن المراد تحقيقه ليس دولة ذات سيادة علي أنقاض الدولة الفلسطينية القائمة, وإنما فقط وطن قومي لليهود قد يقام داخل دولة فلسطين نفسها, ويخضع لسيادتها وقوانينها الداخلية, لذلك فإن رئيس الوزراء البريطاني في وعده الذي لم يكن أكثر من خطاب أرسله تحت إلحاح حاييم وايزمان إلي رئيس الجالية اليهودية لورد روتشيلد, اشترط ألا يضر ذلك بحقوق السكان الأصليين في فلسطين.
وبالمثل فإن ما صرح به الرئيس الأمريكي جورج بوش يوم الثلاثاء الماضي لا يعدو كونه تصريحا شفهيا هذه المرة ـ لا يحمل في طياته أي مشروع لتحقيق هذا الوعد بإقامة دولة فلسطينية, ومع ذلك فهو لم يتحدث عن وطن قومي للفلسطينيين, وإنما عن دولة يفترض أن لها سيادة, كما لم يشر إلي أن إدارته تنظر بعين العطف لاحتمالات قيام هذه الدولة, وإنما قال إن الدولة الفلسطينية تشكل جزءا من التصور الأمريكي عن الحل النهائي لأزمة الشرق الأوسط, وقد اتفق مع تصريح بالفور في وضع احترام الدولة القائمة الآن في فلسطين إسرائيل كشرط لإقامة الدولة الجديدة. والسؤال هو: ماذا بإمكاننا نحن العرب أن نفعل بهذا التصريح الذي قد يقصد منه مجرد إبراء ذمة الإدارة الأمريكية أمام الغضب العربي في وقت هي تحاول ضمان تعاونهم معها في معركتها ضد الإرهاب؟ تماما كما كان تصريح بالفور يمثل إرضاء للقوة الصهيونية داخل بريطانيا.
وللرد علي هذا السؤال قد ينبغي لنا أن ننظر لما فعلته الصهيونية بخطاب بالفور الذي حولته إلي صك رسمي معترف به دوليا لقيام دولة إسرائيل علي أنقاض كل ما كان قائما في فلسطين من مجتمع وسكان وحتي أسماء الشوارع والميادين, وهكذا أصبح خطاب رئيس الوزراء البريطاني إلي ما أصبحنا نسميه في الوطن العربي ـ عن حق ـ بـالوعد. وقد يزيد تصريح بوش عن تصريح بالفور في أنه ستلحق به مبادرة أمريكية جديدة تسعي لوضع الأسس التي تقوم عليها تسوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي, معتمدة علي ما تضمنه تصريح بوش الأخير, وتشير الدوائر الرسمية الأمريكية إلي أنه من المنتظر أن تأتي هذه المبادرة في خطاب يلقيه قريبا وزير الخارجية كولين باول متضمنا تفاصيل المبادرة.
وإذا كان ذلك يعني لنا شيئا فإنه يعني أن علينا أن نسارع بفتح قنوات قوية للحوار مع واشنطن حول المبادرة القادمة, وقد تجدر الإشارة هنا إلي الضغوط التي بدأت إسرائيل تمارسها بالفعل ضد واشنطن, حيث وجهت لها علي لسان رئيس الوزراء شارون ما اتخذ شكل الإنذار, حين قال شارون صراحة لأمريكا: ألا تحاول إرضاء العرب علي حسابنا.. وأضاف إن هذا غير مقبول! وقد أضافت إسرائيل لإنذارها قدرا من الابتزاز السياسي بأن ذكرت الولايات المتحدة بمؤتمر ميونيخ عام1938 الذي تخلي فيه الغرب عن تشيكوسلوفاكيا إرضاء لهتلر, ولا شك في أن معايرة واشنطن بما جري في ميونيخ إنما يهدف إلي جعلها تشعر بالذنب مما يضعفها أمام جماعات الضغط اليهودي التي تضمنت تصريحات شارون الغاضبة إشارة واضحة لها بأن تبدأ في ممارسة ضغوطها المعتادة كي تحول دفة الأمور إلي غير الوجهة العربية. وقد يقوي من وضع موقف بوش في مواجهة قوي الضغط اليهودي في أمريكا ذلك التأييد الأوروبي الذي يمكن أن يحصل عليه علي موقفه الجديد الذي ينبني لأول مرة ليس علي أساس الحسابات السياسية الداخلية وحدها, وإنما آخذا في اعتباره الحقائق علي أرض الصراع في الشرق الأوسط, وقد بدأ هذا التأييد الأوروبي يعبر عن نفسه بالموقف البريطاني الذي أعلنه رئيس الوزراء توني بلير فور إعلان بوش عن وعده للفلسطينيين.
لقد اعتمدت إسرائيل في علاقاتها بالولايات المتحدة علي الاستئثار بالأذن الأمريكية والحيلولة دون أن تسمع الولايات المتحدة أي صوت آخر من المنطقة غير صوت الدولة العبرية وحدها, وحدث أثناء مباحثات وزير الخارجية الأمريكية السابق هنري كيسنجر مع الجانب العربي خلال فترة ما بعد حرب أكتوبر1973 أن سأل كيسنجر سفيره في السعودية قبل اجتماع الوزير بالملك فيصل عما بإمكانه أن يفعل حتي يتفادي الاستماع إلي المحاضرات( كما سماها كيسنجر) التي كان فيصل مغرما بإلقائها علي ضيوفه الأمريكان ضد الصهيونية وعلاقاتها الوطيدة بالشيوعية.. فقال له السفير: لا شيء.. يجب أن تستمع!.. وقد لخصت هذه الواقعة التي يعرفها جيدا العاملون بالخارجية الأمريكية الموقف الأمريكي من حقائق الصراع في الشرق الأوسط, والتي كانت تعتمد دائما علي استبعاد وجهة النظر العربية والاستماع إلي الجانب الإسرائيلي وحده. ولا شك في أن تصريح بوش الأخير يرتبط ارتباطا مباشرا بأحداث يوم11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن, برغم ما صرحت به بعض المصادر الأمريكية بأنه كان يجري الإعداد للإعلان عن المبادرة الأمريكية الجديدة من قبل هذا التاريخ. لكن لنا أن نتصور ـ في حالة صحة هذا القول ـ أن مضمون المبادرة لابد أن تعدل وتغير وفق التطورات الأخيرة التي هزت قواعد المؤسسة الأمريكية من أعماقها وأيقظت الضمير الأمريكي من حالة الرضا عن الذات والتي يطلق عليها تعبير Smugness وهي آفة كل الامبراطوريات الكبري والتي يأخذها بعض المؤرخين مثل أرنولد توينبي علي أنها أولي علامات اضمحلال الامبراطورية في الدورة المعروفة لصعود الحضارات وازدهارها ثم اضمحلالها وسقوطها, وقد أفاض المؤرخ البريطاني ادوارد جيبون في توصيف هذه الدورة المتكررة في مؤلفه الضخم عن اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانية.
فها هي أكبر قوة عظمي في العالم بعد أن استراحت لعدم وجود منافس لها ولقدرتها العسكرية غير المسبوقة, فبدأت تعيد ترتيب الخريطة الدولية بما يخدم مصالحها, غير عابئة بما قد يعتمل في ضمائر الشعوب من آمال وآلام, تجد نفسها في موقف ذهول وضعف بعد أن أفاقت علي صدمة مروعة تثبت لها أنها ليست وحدها في هذا العالم, وأن هناك من يستطيعون النيل منها في أخطر مراكزها الدفاعية والاقتصادية, فلم يكن قد مضي شهر واحد علي هذه الصدمة حين أعلن بوش عن تأييده لقيام دولة فلسطينية, فكانت تلك هي المرة الأولي التي يتخذ فيها رئيس جمهوري مثل هذا الموقف. ولقد كانت المطالبة بإعادة النظر في السياسة الأمريكية في المنطقة والعمل جديا علي إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية هي الرد الذي قابل الولايات المتحدة أثناء اتصالاتها مع الدول العربية طوال الشهر الماضي لتطلب تعاونها في معركتها ضد الإرهاب, وقد أكدت التقارير الصحفية الأمريكية أن بعض الحكومات العربية التي وصفت بـالمعتدلة قد جعلت تدخل واشنطن للتوصل إلي حل لأزمة الشرق الأوسط شرطا أساسيا لمساندتها في جهودها الحالية للوصول إلي مراكز الإرهاب.
إن علي العرب الآن أن يواصلوا ما بدأوه مع واشنطن بتكثيف الحوار معها حول طبيعة المبادرة القادمة قبل أن تنجح إسرائيل بإنذاراتها وبابتزازها السياسي في تحويلها إلي مصلحتها, فعلي العرب مثلا أن يتفقوا مع واشنطن علي مرجعية مبادرتها الجديدة: هل ستكون المرجعية هي قرار التقسيم الذي تحدث عن دولتين يهودية وفلسطينية, ورسم حدودهما مع تدويل القدس؟ أم قرار242 الذي يطالب بالانسحاب من القدس الشرقية؟ أم اتفاق كامب ديفيد الذي يتحدث عن الحكم الذاتي للفلسطينيين ولا يشير إلي الدولة؟ أم اتفاق أوسلو الذي لا ترد فيه كلمة القدس؟ أم مرجعية مدريد التي أقرت مبدأ الأرض مقابل السلام؟ أم وثيقة الرئيس كلينتون التي قدمها لعرفات في كامب ديفيد والتي تحدث فيها صراحة عن دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للعيش, وتحدث عن القدس كمدينة مفتوحة وعاصمة للدولتين اليهودية والفلسطينية؟. لقد صرح مسئول بإدارة الرئيس بوش بأن المبادرة الأمريكية الجديدة ستأخذ في اعتبارها التقدم الذي تم إحرازه بين الجانبين خلال رئاسة الرئيس السابق كلينتون, لكنها ستمتنع عن تحديد التفاصيل التي ستترك للمفاوضات بين الجانبين.
وتميل الدوائر القريبة من عملية اتخاذ القرار في واشنطن إلي ترجيح أن طرح المبادرة الأمريكية الجديدة سيجيء قبل تنفيذ الولايات المتحدة تهديدها بضرب أفغانستان, أي في غضون أيام أو أسابيع قليلة ليس أكثر, وتلك إشارة لنا بأن نكثف من اتصالاتنا علي الفور مع الولايات المتحدة, قبل أن نفاجأ بالمبادرة التي طمأن السفير الأمريكي في تل أبيب حكومة شارون إلي أنها لن تتم إلا بالتشاور معها. إن المهمة التي أمامنا الآن إذا كنا نريد الاستفادة من الموقف الأمريكي الجديد هي أن نحول تصريح بوش إلي وعد يرتبط ببرنامج تنفيذي يضمن التوصل إلي حل عادل يأخذ في الاعتبار الآمال الوطنية للشعب الفلسطيني والمصالح القومية العربية. |
|
|
|
|
|