|
رسالة واشنطن : . عمرو عبدالسميع |
 | | جنود أمريكيون فى أحد معسكرات التدريب استعدادا للحرب |
يبدو أن الولايات المتحدة, لم تعتن كثيرا بقراءة وثائقها, وأفكار جهازها الإداري, والمخابراتي الحاكم, بدليل أنها انزلقت أثناء الأداء, منساقة الي معاداة والتشاجر مع الصور النمطية القديمة, إلي تجاهل بعض الأفكار التي تمثلها هذه الوثائق, أو تلك الآراء. فعلي حين تحرص الولايات المتحدة, علي عدم التفرقة بين ما هو إرهابي, وما هو تحريري في الجماعات الدينية الإسلامية العاملة في الشرق الأوسط, وتحرص ـ حتي في قرار مجلس الأمن الصادر في28 سبتمبر الماضي وفي البند166 منه ـ علي عدم تعريف الإرهاب, ومن ثم عدم التفرقة بين جماعات تحارب المحتل من أجل تحرير وطنها, وجماعات تخرب وتقتل فحسب, حين تفعل الولايات المتحدة ذلك, فإنها تخالف أفكار مسئوليها المذكورة من قبل, في أعلي مستويات( التخصص) ألا وهو مكافحة الإرهاب.
ففي حوار أجراه الأهرام مع مايكل شيهان( السفير فوق العادة المعين من قبل الرئيس الأمريكي ورئيس مكتب الإرهاب في الخارجية الأمريكية), نشرته هذه الصفحة قبل عام بالتمام والكمال, قال السفير: كل سنتين نقوم بفرز وتصنيف للمنظمات الإرهابية, وعلي سبيل المثال فإن( حماس) و(الجهاد الإسلامي) و(حزب الله) هي ثلاث منظمات مصنفة لدينا, بأنها إرهابية, وهذا التصنيف ـ كما أوضحت لك ـ يتم عبر عملية قانونية دقيقة وحريصة جدا في الولايات المتحدة الأمريكية.. ونحن نعلم أن هذه المنظمات الثلاث مسنودة من الحكومة الإيرانية لتخريب عملية السلام, ونحن واثقون للغاية من معلوماتنا في هذا الخصوص, وقد أوضحنا ذلك تماما.
وعلي سؤال: أين أوضحتموه؟, قال: في تقريرنا السنوي عن الإرهاب, وعلي السؤال التالي: لقد قرأت هذا التقرير ـ يا سيادة السفير ـ كلمة بكلمة, ثم وجدت أنكم محتاجون الي ايضاح آخر تعلنونه حول هذا الأمر, فهناك العديد من الناس في الشرق الأوسط وبالذات في دوائر المثقفين ـ يتهمون الولايات المتحدة بأن خطابها مشوش ومختلط, حين يعامل أنشطة حزب الله في لبنان من أجل التحرير, علي أنها إرهابية كيف تقوم وجهات النظر هذه؟. أجاب مايكل شيهان السفير فوق العادة ـ رئيس مكتب الإرهاب في الخارجية الأمريكية: نحن حريصون جدا حول ما نصفه بأنه ارهاب, وبخصوص حزب الله ـ علي سبيل المثال ـ أقول إن الجيش الإسرائيلي لم يعد موجودا في جنوب لبنان, ولكن عندما كان جيش الدفاع الإسرائيلي موجودا في جنوب لبنان, لم نعتبر التمرد المسلح لحزب الله عملا إرهابيا.. نحن نعتبر حركة حزب الله السياسية إرهابا.. نحن لا نعتبر برامجهم الاجتماعية إرهابا, ولكن هناك عناصرفي حزب الله نعتبرها منظمات سيئة متورطة ـ بوضوح ـ في الإرهاب, سواء في خطف أو قتل أمريكيين, أو تفجيرات, فعندما تقتل مدنيا فهذا إرهاب.
ويواصل مايكل شيهان قائلا: هناك قسم صغير جدا, أو عناصر قليلة جدا تفعل ذلك في حزب الله, وهم يستعملون الإرهاب كأداة لدعم سياساتهم. واذا تخلص حزب الله من هذه المجموعات, وأبعد نفسه عن استخدام الإرهاب, فإنه سوف يحذف من قائمتنا التي تضم المنظمات الأجنبية الإرهابية.. وفي الحقيقة فإننا قمنا ـ أخيرا ـ بإسقاط بعض المجموعات من قائمتنا التي نحدد فيها المنظمات الإرهابية, هذا بغير المراجعة التي نقوم بها كل سنتين, حول مدي تورط المنظمات التي نتابعها في الإرهاب, ومنها( الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين), التي استبعدناها العام الماضي من قائمتنا, لأنها منظمة سياسية فقط, ولم تفعل ـ طوال سنتين ـ شيئا له علاقة بالإرهاب.. وهكذا فإذا توقف حزب الله عن الأنشطة الإرهابية لمدة سنتين, فسوف يتم اسقاطه من قائمة الإرهاب, وسوف أكون سعيدا اذا فعل ذلك.
وهكذا, فقد كان كلام مايكل شيهان متقدما جدا علي الخطاب السياسي الأمريكي بعد حادث11 سبتمبر, والذي أصبح لا يفرق بين جماعة تحررية وجماعة إرهابية, ومن ثم فتح جبهة شديدة الاتساع للمواجهة, ومغرية بقدر كبير( بل وربما مطلق) من الانتقائية, وبحيث انتقل مفهوم مواجهة الإرهاب من( تدويل إجماعي ضد القتل الجائر) الي التعصدي لأعداء الولايات المتحدة الأمريكية, عبر قائمة مفتوحة قابلة لأن تضم من يقع عليه اختيار واشنطن في اللحظة ومن الحركة. وعلي كل حال, فإن هذا النكوص الأمريكي, ربما جاء تحت ضغط رأي عام رهيب ولده الحادث, الذي أهينت فيه أمريكا, بمقدار ما فزعت ودهشت, وربما كانت مواكب حاملي الشموع عند مدخل كل منطقة سكنية أمريكية, أو الأعلام الأمريكية المثبتة كل خمسة أمتار في بعض المناطق, أو ملاءات الأسرة التي ربطها البعض علي الجسور لتحمل عبارات أنا فخور بأني أمريكي.. أو بارك الله في أمريكا هي علامات لا تخطئها أي عين علي هذا الضغط المعنوي الرهيب للرأي العام الأمريكي, والذي يطالب حكومته بأن تفعل شيئا, ويؤيد بوش بنسب تصل الي90% في استطلاعات الرأي ليفعل شيئا, وهو الرئيس الذي كان ـ قبل هذه الأزمة ـ يشكو فقر تأييد غير مسبوق لسياساته الداخلية والخارجية. كل هذا ربما دفع الإدارة الأمريكية للنكوص عن بعض مواقفها التي( تميز) و(تفرز) و(تصنف) الي مواقف كلية اطلاقية لا تعرف التمييز.
وعلي أي حال ـ أيضا ـ فإن الإدارة الأمريكية لم تك كلها, عارفة, للفروق الدقيقة, حريصة عليها, حتي قبل الأزمة ودليلي علي ذلك, ما جاء في تقرير الخارجية الأمريكية عن الإرهاب في ابريل الماضي, أيضا, حيث يقول: إن جماعات الإرهاب في الشرق الأوسط والدول الراعية لها, استمرت في التخطيط, والتدريب, وتنفيذ أعمال ارهابية خلال عام2000, فقد شهدت الشهور الأخيرة للسنة زيادة محسوسة في المستوي الكلي للعنف السياسي, وللإرهاب في الإقليم, وخصوصا في إسرائيل والأراضي المحتلة, وقد حدث الكثير من هذا العنف بسبب انهيار المفاوضات, والتعاون بين إسرائيل والفلسطينيين ضد الإرهاب.. وقد فجر هذا الانهيار دائرة من العنف بين إسرائيل والفلسطينيين, واستمرت في التصاعد نهاية السنة.
ويضيف التقرير: إن الشرق الأوسط أصبح ـ في مناسبات عديدة ـ ساحة للاحتجاج العنيف ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية, وكذلك بواسطة جماعات ارهابية فلسطينية تساعد إيران, وحزب الله اللبناني, منتهزا فرصة الغضب الفلسطيني والإقليمي لتصعيد هجماتهم الإرهابية, ضد الأهداف الإسرائيلية. وهناك ارهابيون آخرون صعدوا من خطابهم ونشاطهم العملياتي ضد إسراذيل والولايات المتحدة, منهم أسامة بن لادن, قائد تنظيم القاعدة, والجهاد الإسلامي المصري, وتنظيمات أخري, تركز علي أهداف بالولايات المتحدة وإسرائيل, وقد صعدوا عملياتهم, وجهودهم لقيادة, وتلقين العنف في الشرق الأوسط, وهناك خطط مدمرة كثيرة لمهاجمة أهداف إمريكية وإسرائيلية في الشرق الأوسط يفهم منها أنهم ينوون إظهار غضبهم علي الاستخدام غير المتناسب للقوة من جانب إسرائيل.
ويقول تقرير الخارجية الأمريكية أيضا: إن( القاعدة) وأتباعها ـ علي الخصوص ـ يستخدمون قدراتهم, للإمداد بالمال, والتدريب, كأداة لإنشاء روابط لبناء قدرات إرهابية, تستخدمها مروحة واسعة من جماعات إرهابية شرق أوسطية مثل:( عصبة الأنصار) اللبنانية.. وقد كان العمل الإرهابي الأكثر مغزي ضد الولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم عام2000, كان تفجير المدمرة كول في اليمن يوم12 أكتوبر.. وعلي الرغم من التحقيقات المشتركة اليمنية ـ الأمريكية, في التفجير الوحشي الذي قتل17 بحارا أمريكيا وجرح39 آخرين, استمر حتي آخر2000, فإنه تضمن عددا من الإشارات: أن الهجوم صمم ـ أصلا ـ في أفغانستان, التي يحكمها طالبان, حيث يقع تنظيم( القاعدة), والتي يقيم فيها تنظيم الجهاد المصري, وجماعات ارهابية أخري, وعدد من المدعي عليهم بالقيام بتفجير المدمرة كول, والذين يتلقون تدريبا في القاعدة. ويضيف التقرير: حكومات شرق أوسطية أخري, زادت من جهودها لمواجهة التهديد من الإرهابيين في الإقليم أو المعتصمين بالقاعدة في أفغانستان, وقد قامت حكومة الكويت بالتعاون مع نظيراتها الإقليمية, وقبضت علي13 فردا من خلية إرهابية دولية, وصادرت كمية كبيرة من المواد المتفجرة والأسلحة.
ويظهر في هذا الجزء من الوثيقة الأمريكية, النظر الي الحركات التحريرية الفلسطينية, بوصفها إرهابا بما يؤكد انقسام الرؤي ـ حتي داخل الإدارة الأمريكية ـ حول النظر بإطلاقية الي كل الحركات المسلحة, بوصفها إرهابا, أو التمييز والتفرقة في النظر إليها. لكن واحدا من أهم العناصر الجديرة بالنظر وبالدراسة في تقرير الخارجية الأمريكية, وبخاصة في السياق الزمني ما بعد11 سبتمبر, والذي شهد عددا من ردود الفعل الأمريكية التي بدت مدهشة ومفاجئة للبعض في العالم العربي, وهو تنبؤ التقرير بالتغير الكيفي في استيعاب الإرهاب للتكنولوجيا.
إذ يقول التقرير: ستظل إمكانية حدوث هجوم إرهابي في الألفية الجديدة مستخدما أسلحة الدمار الشامل( كيماوية ـ بيولوجية ـ إشعاعية ـ نووية), أو أي أسلحة تفجير هائلة, احتمالا واردا كما كان عام2000. وباستثناء حادث استخدام الأسلحة الكيماوية بواسطة منظمة أوم شيرنيكو اليابانية علي مترو الانفاق عام1995, كان معظم الارهابيين يعتمدون علي تكتيكات تقليدية, مثل التفجير, والقنص, والخطف.
ولكن بعض الإرهابيين مثل أسامة بن لادن, وأتباعه, مازالوا يبحثون عن قدرات نووية وإشعاعية وكيماوية وبيولوجية (C.B.R.N). والأدب الشعبي السياسي العالمي, والحوار العام, يركز علي تداعي الأهداف المدنية, أمام هجمات (C.B.R.N) فمثل هذه الهجمات يمكن أن تسبب دمارا دائما, في البنية التحتية, وتخلف تأثيرا سيكولوجيا خطيرا لدي السكان.
ويضيف تقرير أشكال الإرهاب الدولي: لقد فهم الإرهابيون الاهتمام الدولي, بتكنولوجيا المعلومات (I.T) في الحياة اليومية, واقتربوا من فهم أسرار هذه التقنية, كونها تحسن الاتصال بين المنظمة والعناصر الأخري, وكذا تسمح للأعضاء للتعاون مع عدد أكبر من الأتباع, وتقدم مصطبة أو( منصة) للدعاية, كما تسمح الانترنت ـ أيضا ـ للإرهابيين بأن يصلوا الي جمهور أكبر من دافعي التبرعات الرئيسيين والمنتشرين علي مساحات جغرافية واسعة.
.................. بعبارة أخري, فإن الإرهاب طور قدراته ليصبح قادرا علي تدبير وتنفيذ عملية محبوكة, وعلي قدر كبير من الاحترافية, مثل عملية11 سبتمبر.
إقصاء! وبمقدار ما كانت النقاط السابقة تشي بأن سيناريو متصور سوف يتم تنفيذه لمواجهة( العدو), أو( الخطر) من الجانب الأمريكي, فقد كان سيناريو آخر متصور من الجانب العربي المسلم عن( الترصد) و(التآمر) يحتل أوسع مساحة وجدانية ومزاجية عند كل من يعيش في العالم العربي والإسلامي. ولقد ذكرتني مطالعة هذه الأوراق الأمريكية بمسرحية بريطانية اسمها( أقرب Closes عرضت علي مسرح ليريك في شافتسبري أفينيو, في الوست إند, وأزال فيها المخرج باتريك ماربير كل الحواجز بين الجمهور في الصالة, والممثلين علي المسرح, مؤكدا الانكشاف, معتنيا بتداخل الحركة والكلام بين مجموعات من الممثلين لا علاقة بينها, ولكنها تستمر في الحديث الي بعضها والحركة, مخترقة مجال المجموعة الأخري الشفاف, متقاطعة مع كلامها كأن الآخر غير موجود تماما.
فما يحدث الآن هو أن الطرفين في الصراع الرهيب, الذي يوشك علي البدء, واضحان جدا يطرح كل منهما تصورا ويسير في طريقه, دون أن يتوقف ـ كثيرا ـ أمام مقولات الطرف الآخر, بل وربما أمام تطورات الأحداث التي أفضت الي ما نحن فيه, والتي فجرها علي هذا النطاق الواسع حادث11 سبتمبر. فعشرات الأوراق والمقالات تناولت بن لادن في أمريكا, ورسمت له صورة العدو الأوحد, مؤكدة أنه الذي أوصل طالبان للسلطة بمنحهم3 ملايين دولار عام1996, استخدموها في رشوة معارضيهم, بل وخلطت هذه الأوراق بين الإسلام والإرهاب دون أن يناقش أحد.
وعشرات الأوراق والبحوث العلنية, كانت تغطس وتقب باسم محمد ظاهر مسعود ملك أفغانستان السابق منذ عزله عام1973, ثم تطرح في التسعينيات فكرة صيغة تجمعه مع تحالف الشمال الذي كان يقوده أحمد شاه مسعود, حتي9 سبتمبر الماضي حين تم اغتياله بواسطة انتحاري قيل إن بن لادن هو الذي أرسله, وبحيث تصبح الصيغة( التحالف+ الملك) بديلا موضوعيا معقولا لطالبان. وعشرات من الأوراق والمقالات تتكلم في نقد برنامج( بناء الأمة) الذي طبقه كلينتون في هايتي, والبلقان, ثم يأتي جورج دبليو بوش وادارته, ومستشاروه ليقرر شيئا شبيها جدا, عبر سيناريو قلب الطالبان, وشن الحرب ضد بن لادن وشبكته الإرهابية.
.............................. كل الأوراق ترسم سيناريو الساعات والأيام والأسابيع, التي تلت الساعة العاشرة والنصف من صباح11 سبتمبر, إذ أنها تصورات أعدت لمواجهة هذا العدو, وما اذا قام بعمل من شأنه تهديد أمن أمريكا, والقيم الديمقراطية التي تمثلها, وأسلوب الحياة الذي تعيشه. ونفس هذه الساعات والأيام والأسابيع, كانت ترسم سيناريو آخر علي الجانب العربي قائما علي التوجس وتوقع الأذي, واستمطار اللعنات علي الظالمين وأعداء الإسلام. كل مضي في طريقه, وكل أظهر اندهاشا هائلا من مسلك الآخر, وردود أفعاله.
كل تحرك نحو الصور النمطية سابقة التجهيز عن العدو( الأقرب) الذي يتلامس معه مثل المسرحية, بل ويتقاطع دون أن يراه أو يسمعه, أو يناقشه. أحسب أن الرؤية والسمع والمناقشة كان يمكن أن تكون أكثر جدوي ونتيجة ما اذا حدثت وقتما كانت هذه الأوراق ـ جميعا ـ تتري قبل حادث سبتمبر بسنوات.
وما اذا حدثت بمحاولة فهم حقيقية للولايات المتحدة, بعيدة عن صور نمطية للكاوبوي, وللامبريالية التي تتآمر أناء الليل وأطراف النهار. الفهم الذي لا يري كل شيء من قريب فحسب, ولكنه يسعي للربط والتحليل وبناء وتعميم خطاب دعائي وثقافي مبني علي نظرة شاملة وكلية ومستقبلية. |
|
|
|
|
|