قضايا و اراء

41944‏السنة 126-العدد2001اكتوبر8‏21من رجـب 1422 هــالأثنين

مكتبة الإسكندرية وعبرية الحلم المصري
بقلم : مهندس‏/‏ صفوت سالم
وكيل أول وزارة التعليم العالي

لم يكن يدور بخلد أي من الحالمين بإحياء مكتبة الاسكندرية القديمة منذ نحو ربع قرن‏,‏ أن هذا الحلم يمكن أن يتحول إلي حقيقة واقعة خلال هذه الفترة الوجيزة‏,‏ وأن يبعث من جديد بعد توقف دام مايقرب من ستة عشر قرنا من الزمان‏.‏
والحق أن عودة مكتبة الاسكندرية مع مطلع الألفية الثالثة لتمارس من جديد دورها كمنارة للفكر والعلم والثقافة رغم أنها تمثل حدثا ثقافيا عالميا له أصداؤه وآثاره في كل الأوساط المهتمة بالتراث الثقافي لما له من أبعاد دولية وخصائص انسانية‏,‏ إلا أنها تمثل في المقام الأول رسالة تؤكد بها مصر للعالم أجمع أن المحبة والسلام يأتيان في طليعة اهتماماتها‏.‏

وإذا كان هذا الانجاز قد تم بعزم الإنسان المصري وبنفس الروح التي أنجز بها أروع الأعمال وأعظمها‏,‏ فإن التاريخ سيسطر بحروف من نور أن مكتبة الاسكندرية بعثت من جديد في عهد الرئيس مبارك كمنارة إنسانية نورها علي العالم بأسره‏.‏ ولعلي لا أبالغ اذا شبهت مشروع المكتبة بالملحمة الشعبية التي ساهمت في تجسيدها مجموعة من العبقريات أخرجت الحلم الابداعي إلي حيز النور‏.‏
يأتي في مقدمة هذه العبقريات عبقرية الحلم‏,‏ فالأحلام عادة تتحطم علي صخورالواقع‏,‏ ولكن هذا الحلم صادف الزمان والمكان والظروف المناسبة لتحقيقه‏.‏ حلم غير عادي‏,‏ فهو ليس مجرد إنشاء مكتبة تقليدية‏,‏ وإنما هو رمز لحدث ثقافي فريد يمثل بعثا حضاريا جديدا علي أرض مصر التي شهدت في ماضيها من العلم والفن والمعرفة ما كان فجرا للحضارات الإنسانية ومشرقا للهداية البشرية‏.‏ فمدينة الاسكندرية التي التقت علي أرضها حضارات عديدة انصهرت في بوتقة واحدة‏,‏ يرجع الكثير من مجدها وشهرتها القديمة إلي سمعة مكتبة الاسكندرية الأسطورية التي كانت أبرز وأسمي مراكز العلم والمعرفة في عصرها‏.‏ وحتي عندما انمحت آثار المكتبة بسبب الاضطرابات السياسية والدينية في عهد الإمبراطورية الرومانية‏,‏ فإن انجازاتها لم يطوها النسيان‏,‏ بل تحولت إلي حلم ظل كامنا ينتظر الوقت الذي يسود فيه مناخ روحي جديد يسمح له بالبزوغ والنمو والازدهار‏...‏ حتي جاء هذا العهد الذي سمح للحلم بأن يتحول إلي حقيقة‏,‏ وأفسح للثقافة مجالا للازدهار‏,‏ وأعاد تجسيد الأسطورة القديمة واقعا حيا ملموسا‏.‏

ثم تأتي بعد ذلك عبقرية الإرادة‏,‏ حيث إن حلما بهذه العبقرية يتطلب لتحقيقه إرادة لاتعرف اليأس وعزما لايلين‏,‏ وهو ماعبرت عنه مصر في كل مراحل المشروع بداية من فكرته‏,‏ ومرورا بالبدايات الأولي علي المستويين المحلي والدولي‏,‏ ووصولا إلي المراحل التنفيذية المختلفة‏.‏
وشحذت مصر أمضي أسلحتها‏,‏ فدخل المشروع نطاق الاهتمام الرسمي للرئيس مبارك‏,‏ وتم تشكيل لجنة دولية له برئاسة السيدة الفاضلة سوزان مبارك‏,‏ ضمت في عضويتها حشدا من الملوك ورؤساء الدول والحكومات والشخصيات الدولية المرموقة‏.‏ وعقدت اللجنة اجتماعا في مدينة أسوان في فبراير‏1990,‏ كان أشبه بتظاهرة دولية احتشدت دعما للمشروع‏.‏ولقد كان لهذه الإجراءات أكبر الأثر في تسارع الأحداث نحو إنجاز المشروع فاحتل أولوية قصوي علي مستوي الحكومة التي وفرت كافة احتياجاته من التمويل‏,‏ وبذل كل من تولوا مسئوليته كل مافي وسعهم لإنجازه وتذليل كافة المعوقات والعقبات التي اعترضت طريق تنفيذه‏,‏ كما أنه مثل للشعب المصري‏,‏ منذ أن كان مجرد فكرة‏,‏ أملا في تحقيق نقلة حضارية جبارة تضاف إلي الإنجازات المصرية السابقة‏,‏ ومن ثم كان تطلع الشعب بأكمله إلي اكتمال المشروع عندما كان في بدايته‏,‏ ثم تطلعه إلي أن تمارس المكتبة دورها الريادي كمركز عالمي للاشعاع الثقافي والفكري‏,‏ وهو ما شكل حافزا اضافيا لإرادات كافة الأطراف المرتبطة بالمشروع ليضاعفوا جهودهم ويسارعوا في خطوات إتمامه‏,‏ فبدأ الأمر وكأن الجميع تشابكت أيديهم لإتمام التنفيذ بصورة مؤسسية‏,‏ فكان
لكل دوره المرسوم‏,‏ من التنفيذ والإشراف علي التنفيذ إلي التسجيل اليومي لحركة التنفيذ والمتابعة المستمرة له‏,‏ في ديناميكية رائعة وتناغم مدهش‏.‏
وهناك ايضا عبقرية التوقيت‏,‏ فبينما كانت مصر خارجة لتوها من غمار حرب‏1973‏ التي حققت فيها انتصارا باهرا‏,‏ وكانت تموج بأفكار الدعوة إلي السلام‏,‏ ظهرت فكرة المشروع لتبرز وجه مصر الحضاري كدولة تنزع إلي البناء والسلام‏.‏ ولأن العلم والفن والفكر والثقافة هي مادة الصرح الحضاري الذي تفكر مصر في إعادة بنائه‏,‏ وهي في الوقت نفسه دعائم السلام ــ إذ هي صانعة عقل الإنسان وحامية ضميره ووجدانه‏,‏ والمرتقية به لأعلي مراتب السمو الروحي والحضاري ــ فقد جاء توقيت طرح الفكرة العبقري ليخدم كل هذه الثوابت التي تتبناها مصر‏,‏ وليؤكد أن الذين نجحوا في اختيار توقيت العبور الذي كان أحد العوامل الهامة في تحقيق الانتصار‏,‏ نجحوا ايضا في اختيار التوقيت المناسب لهذا المشروع العبقري‏.‏

ويمثل تلقف الفكرة بالتأييد عبقرية أخري تضم لما سبقها‏,‏ فمع البدايات الأولي لاعتلاء الرئيس مبارك سدة الحكم‏,‏ قامت جامعة الاسكندرية بالعديد من الدراسات‏,‏ واتخذت خطوات تنفيذية جادة‏,‏ وشكلت للمشروع لجنة تحضيرية داخل الجامعة‏.‏ وعندما آلت إلي وزارة التعليم العالي مسئولية المشروع‏,‏ قامت بتوسيع نطاق عضوية اللجنة التحضيرية لتضم كبار رجال العلم والأدب والفكر في مصر‏,‏ وتم إنشاء الهيئة العامة لمكتبة الاسكندرية‏,‏ فأعطت المشروع بذلك بعدا قوميا‏,‏ ثم سعت من خلال الاتصال بالمنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة يونسكو إلي الانتقال بالمشروع إلي رحاب العالمية‏.‏ كان من الطبيعي أن ترنو مصر بنظرها إلي هذه المنظمة‏,‏ فالمشروع في فكرته وأهدافه يدخل في نطاق اختصاصها‏,‏ كما أنها أسهمت من قبل في رعاية وانقاذ آثار النوبة‏,‏ فأنقذت تراثا حضاريا قائما‏,‏ وهذه فرصتها في الإسهام في إحياء حضارة اندثرت‏.‏ ولم تخيب اليونسكو رجاء مصر‏,‏ وكانت استجابتها الرائعة‏,‏ فعلي أثر قرار أصدره المجلس التنفيذي للمنظمة‏,‏ أصدرت اليونسكو عام‏1987‏ نداء دوليا لجميع الدول والمؤسسات والهيئات والافراد للمساهمة في دعم المشروع‏.‏ وإسهاما من اليونسكو في تعزيز البعد الدولي للمشروع قامت بإيفاد مجموعة خبراء دوليين رفيعي المستوي لإعداد دراسات الجدوي اللازمة‏,‏ كما أنها عندما اعتمدت عقد التسعينيات عقدا عالميا للتنمية الثقافية اعتبرت إحياء مكتبة الاسكندرية مشروعها الرئيسي في إطار هذا العقد‏.‏

وكان طبيعيا أن يستجيب المجتمع الدولي‏,‏ فقام المهتمون بالمكتبة بإنشاء جمعيات لأصدقاء مكتبة الاسكندرية‏,‏ أصبحت تنتشر الآن في العديد من العواصم والمدن العالمية‏,‏ وأبدي العديد من دول العالم اهتماما كبيرا بالإسهام في دعم المشروع وتراوح الإسهام بين الدعم المادي المباشر وتزويد المكتبة باحتياجاتها من الأثاث والمعدات والتجهيزات والنظم التكنولوجية الحديثة وتزويدها بالكتب والوثائق الهامة‏...‏ الخ
والحق أنه طوال مراحل تنفيذ المشروع‏,‏ سواء علي المستوي المحلي أو الدولي كان اسم مكتبة الاسكندرية وحده كفيلا بالحصول علي التأييد والدعم والانتقال الفوري إلي التنفيذ والانجاز‏.‏

ثم تطالعنا عبقرية الموقع التي تحسب لمجلس جامعة الاسكندرية الذي كان في يقين أعضائه عندما أصدر قراره عام‏1985,‏ بتخصيص‏45‏ الف متر مربع من أرض الجامعة بمنطقة السلسلة‏,‏ أن هذا الموقع كان جزءا من الحي الملكي الذي اشتمل علي مكتبة الاسكندرية القديمة‏,‏ وهو موقع استراتيجي فريد ثم كان القرار الرائع بأن يتسع نطاق المشروع ليشتمل ايضا علي قاعة المؤتمرات الكبري‏,‏ في رؤية استراتيجية بعيدة المدي لما يمكن أن يؤديه هذا المجمع الإنشائي من فائدة كبري للنشاط الثقافي والفكري بعد اكتماله‏.‏
وترتبط بعبقرية الموقع عبقرية لاتقل عنها هي عبقرية التصميم‏,‏ الذي فاز بالجائزة الأولي للمسابقة المعمارية الدولية التي نظمتها الحكومة المصرية عام‏1988‏ بالتعاون مع اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية‏,‏ وبالاشتراك مع الاتحاد الدولي للمعماريين‏,‏ فأمكن للجنة التحكيم الدولية أن تقارن بين أعظم الأفكار والتصميمات‏,‏ ويكفي أن نذكر أن الإعلان الدولي عن المسابقة‏,‏ استجاب له‏1400‏ مكتب هندسي من نحو‏77‏ دولة‏,‏ وتم تقديم‏540‏ مشروعا نهائيا من أكثر من‏50‏ دولة ووفقا للاعلان الخاص بالمسابقة تم إسناد الإشراف علي المشروع إلي الفريق المعماري الفائز بالجائزة الأولي‏.‏

وعلي نفس هذا الدرب تتجلي عبقرية المبني الذي اكتمل بناؤه الآن وأصبح بإمكانه أن يتحدث عن نفسه ولا يملك المواطن العادي أمام هذا المبني إلا الانبهار أمام المظهر الخارجي‏,‏ وتتوارد إلي ذهنه كل المباني العظيمة التي أبدعها الانسان علي مر العصور وينتقل إلي مقارنة تخيلية وسؤال محتوم‏..‏ تري هل كان المبني القديم بهذه الروعة وهذا الجمال وهذا المستوي الخارق من الدقة والتميز؟ فإذا دلف إلي الداخل انتابه شعور روحي بالهدوء والسكينة‏,‏ وتملكه إحساس بأنه يسير في مكان مقدس‏.‏ علي أن شعور المتخصصين مختلف تماما‏,‏ فهم ينقبون في كل صغيرة وكبيرة‏,‏ ويسجلون بالتقدير عناصر الابداع المعماري والإنشائي الذي يكتنف الكثير من جوانب المبني‏.‏ ويكفي مصر فخرا أن مبني مكتبة الاسكندرية تم تقييمه في مجلات هندسية متخصصة بأنه الأروع في العالم وأصبح مادة للتدريس في العديد من المؤسسات والمعاهد العلمية المتخصصة في هذا المجال‏.‏
ونصل إلي عبقرية الإدارة‏,‏ إذ كان من الطبيعي مع اقتراب اكتمال مبني المكتبة‏,‏ التفكير في أسلوب للإدارة يحررها من القيود واللوائح التي قد تحول دون تحقيق انطلاقتها المنشودة‏,‏ وتحقق لها‏,‏ في الوقت نفسه‏,‏ سبل النجاح في أداء المهام المنوطة بها‏.‏ ولم يكن الأمر يسيرا‏,‏ فليس هناك سوابق يقاس عليها‏,‏ فكان أن أجريت دراسات مستفيضة استغرقت عاما كاملا صدر علي أثرها القانون الأخير بشأن مكتبة الاسكندرية وتبعه العديد من القرارات والتنظيمات التي تضع نظاما متكاملا للإدارة نأمل أن يكون عونا لها في تحقيق الآمال التي نعلقها علي المكتبة‏.‏

وبعد فلا يزال يبقي لاكتمال الملحمة الشعبية‏,‏ عبقرية رئيسية كانت جميع العبقريات السابقة تعمل من أجل الوصول إليها‏,‏ وهي عبقرية التشغيل‏,‏ فبدونها ربما تهتز الصورة التي طالما حلمنا بها والمغزي الذي عملت مصر من أجل ترسيخه والشكل الرائع الذي أردنا أن يكون المشروع عليه‏.‏
ويقيني الراسخ أن عبقرية الحلم المصري لابد أن تكتمل إن شاء الله بفضل عزم وتصميم أبناء مصر الأوفياء كما هو عهدنا بهم دائما‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية