قضايا و اراء

41944‏السنة 126-العدد2001اكتوبر8‏21من رجـب 1422 هــالأثنين

مصر ـ مبارك والنصيحة الغائبة‏!‏
بقلم : محمود مراد

نادي الرئيس حسني مبارك تعبيرا عن ضمير وطنه وأمته بمواجهة علمية وموضوعية للارهاب‏,‏ وذلك منذ الثمانينات من القرن العشرين‏,‏ ولقد بلور هذا في خطابه ـ الذي أصبح تاريخيا ـ أمام الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بمدينة ستراسبورج في الثامن والعشرين من يناير سنة‏1986‏ حيث كرر المطالبة بعقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة لمناقضة قضية الارهاب وحدد المنهج المقترح بقوله إنه يتلخص في‏:‏
إعادة النظر في جميع الاتفاقيات الدولية المعنية بالارهاب الدولي‏,‏ بهدف عقد اتفاقية شاملة لمكافحته وردعه‏..‏

ويجب أن تعالج الاتفاقية المقترحة جميع النواحي المتصلة بالإرهاب والتعاون المطلوب بين الدول للتصدي له‏,‏ ويدخل في هذا تبادل المعلومات بين الأجهزة المختصة عن المخططات الارهابية والأفراد والجماعات المتورطة فيها‏.‏ وتدريب وحدات خاصة علي تلك المواجهة‏.‏ والتعاون للقبض علي الارهابيين وتسليمهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم‏..‏ وما يتبع ذلك من إجراءات جماعية إزاء الدول التي تساعد الارهابين وتحرضهم بصورة تضمن ألا تأخذ هذه الاجراءات الرادعة طابع العداء لجماعة قومية أو لمجموعة من الدول‏,‏ أو تنبع من انحياز سياسي معين بل يجب أن تكون مرتبطة بعامل واحد هو مسلك تلك الحكومات ازاء الارهاب‏.‏
ولابد أن يكون التحرك الدولي في هذا الاتحاه جماعيا شاملا لا تنفرد فيه دولة أو مجموعة إقليمية أو سياسية معينة‏..‏ بالرأي‏.‏ أو تتحرك بمعزل عن باقي الدول حتي نوفر لتلك المواجهة الجديدة قاعدة عريضة من القبول الدولي العام لخطواتها ومراميها‏..‏

هذا ما طالب به الرئيس مبارك منذ خمسة عشر عاما قبل حادث الثلاثاء الدامي في‏11‏ سبتمبر‏2001‏ الذي تحركت بعده الولايات المتحدة وطلبت تحالفا دوليا ـ علي بياض ـ بينما لم تعط أي اهتمام لما طالب به مبارك ولو كان ذلك قد حدث‏..‏ لكان الموقف قد تغير تماما‏..‏ بل أدعي انه ما كان الثلاثاء الدامي قد جاء‏!‏
وإذا عدنا الي ما قبل أيام وأسابيع وشهور قليلة فقط مما حدث في الولايات المتحدة فإننا نجد الرئيس يركز علي التنبيه والتحذير من الارهاب‏..‏

ففي‏18‏ فبراير‏2001‏ قال الرئيس خلال حديث مع صحيفة لاريبوبليكا الايطالية‏:‏ إن الدول الاوروبية تواصل تقديم استضافة طيبة للارهابيين‏...‏ وفي اليوم التالي قال خلال مؤتمر صحفي مع جوليا نوأموتو رئيس وزراء ايطاليا في روما‏:‏ إن لم تكن جميع الدول في أوروبا وفي العالم ستتعاون لمقاومة الارهاب‏,‏ فسوف تكون النتائج وخيمة علي جميع الدول‏.‏
وفي‏24‏ إبريل‏2001‏ قال الرئيس في ذكري تحرير سيناء إن التخلي عن كل صور العنف والارهاب وتهديد أمن الآخرين‏..‏ هو السبيل الأمثل لتحقيق الأمن والاستقرار‏.‏

ثم وعندما حدث ما حدث أسرعت شبكة سي‏.‏ ان‏.‏ ان إلي الرئيس بعد ثلاثة أيام فقط لتسأله وليجيب انه قد قدم النصيحة لأول مرة عام‏1986‏ وحذر من الارهابيين لكن أحدا لم يسمع وقيل في ذلك الوقت ان مبارك له بعض المشاكل مع الارهابيين ونحن بعيدون عن ذلك وأن الاوروبيين اتخذوا اجراءات في أنحاء بلادهم لمنع الارهاب‏.‏
وقال الرئيس انه في ضوء ما حدث مؤخرا في الولايات المتحدة‏,‏ فقد أصبح المؤتمر الدولي المقترح ضرورة دولية‏..‏

وتوالت أحاديث الرئيس وتصريحاته عقب الحادث وإلي الآن‏,‏ أما الأحاديث والتصريحات وما جاء في كلماته عبر السنوات الماضية فإنها كفيلة بأن تشكل مسودة لبرنامج المؤتمر الدولي المقترح لمكافحة الارهاب‏,‏ وبأن تسهم في صياغة مشروع اتفاقية دولية للتعاون بين الدول‏..‏ وتحديد مسئولياتها‏..‏
ومثلا بالنسبة لتعريف ظاهرة الارهاب ومن هم الارهابيون وأسباب الظاهرة‏..‏ يقول الرئيس في عيد الشرطة‏1989/1/25..‏ ان‏:‏

الارهاب أصبح من الظواهر العالمية التي ظهرت علي مسرح الأحداث بعد الحرب العالمية الثانية وساعد علي انتشارها واتساع نطاقها‏..‏ استمرار الاضطراب العالمي بعد انتهاء الحرب وما تبع ذلك من صراع الافكار والمصالح فوجد العنف طريقه‏..‏
وإستكمالا للتعريف قال لشبكة يورونيوز الاوروبية في‏1995/5/24‏ الارهاب ظاهرة دولية لأن ثمة شعورا بالظلم وبالنفاق يسود أنحاء العالم لا يؤدي إلا الي ايجاد مشاكل نفسية عميقة للشعوب في جميع أنحاء العالم‏.‏

وكان الرئيس قد وصف الارهابيين في حديثه مع صحيفة الأنباء الكويتية في‏1993/3/12‏ أنهم مجموعة من المجرمين الخارجين علي القانون‏..‏ وأضاف في حديث مع وكالة تليفزيونية الاسوشيتدبرس في‏1994/11/17:‏ ان الارهابيين يستخدمون الاسلام‏,‏ وأولئك الذين يرتكبون الجرائم ليست لديهم أية فكرة عن الاسلام‏.‏ فإن الاسلام لا يدعو للعنف وإنما يشجع التعاون والحب‏.‏
وقال في كلمته للمؤتمر الطاريء لاتحاد البرلمانيين العرب الذي عقد بالأقصر في‏1998/14‏ ان الانشطة الارهابية تتعدي اليوم حدود الدول لتنشر الرعب في المجتمعات الآمنة وتخرق القيم الانسانية والقواعد الأخلاقية‏,‏ ولا مراء في أن الاسلام بريء من كل ما يعلق به من افتراءات فهو دين الرفق والمحبة واحترام انسانية الآخرين‏..‏

وتأكيدا لأن الارهاب بلا هوية‏..‏ قال خلال مؤتمر صحفي مع الملك حسين في العقبة‏1995/12/26‏ إن هناك من كان يردد ان الارهاب موجود في مصر بسبب الفقر‏..‏ ولكن ماذا عن الارهاب في اليابان وهي من أغني دول العالم؟ ـ ويقول في تصريحات شرم الشيخ خلال مؤتمر صانعي السلام في‏1996/3/13‏ ان العمليات الارهابية يمكن ان تحدث في أي وقت ولا يمكن منعها مائة في مائة ولذلك لابد من عقد مؤتمر دولي لمكافحة الارهاب‏..‏
وبالنسبة للتفرقة بين الارهاب وبين الكفاح المشروع للشعوب‏..‏ قال الرئيس في كلمته أمام القمة الاسلامية الخامسة بالكويت في‏1987/1/27.‏

إن مصر قد نبهت منذ ما يزيد علي عام الي ضرورة التصدي لظاهرة الارهاب والكشف عن دوافعها وآثارها السياسية والاقتصادية والنفسية‏,‏ كما انها دعت الي التفرقة بين أعمال الارهاب
المستنكرة وبين القتال الذي تخوضه حركات التحرير الوطني للخلاص من الاحتلال الأجنبي والاستعمار والسيطرة‏..‏

وكشفا لمناطق إيواء الإرهابيين وتحذيرا للدول الحامية‏..‏ قال في حديث لصحيفة القبس الكويتية في‏1994/3/6‏ إن بعض بلدان أوروبا قد استقبل بعض الارهابيين وأعطاهم لجوءا سياسيا رغم إنه محكوم عليهم بالإعدام‏,‏ وإنني أنبه هذه الدول إلي أنها ستدفع الثمن عاجلا أو آجلا علي أيدي هؤلاء الناس‏!‏
وعاد يحذر في‏1994/10/12‏ خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البرتغالي ماريوس سواريش‏:‏ إذا سمحت أوروبا بأن تأوي مثل هذه العناصر فسوف يتأثر استقرارها في المستقبل ونحن نعلم أن هناك عدة دول أوروبية تأوي عناصر كثيرة وهذه هي الخطورة‏..‏

وقال في‏1994/12/31‏ في حديث مع صحيفة الأخبار إن أوروبا وأمريكا تشهد الكثير من عمليات الارهاب ولن يتوقف مسلسل الإرهاب طالما أن بعض دول العالم تشجع وتمول الارهاب من أجل زعزعة الاستقرار في الدول الأخري‏.‏
ومرة أخري في‏1995/7/21‏ قال في حديثه مع الأهرام ـ عقب حادث اديس أبابا ـ إنني أقول لأي دولة تأوي إرهابيا إنه سوف يكون بداية لخلية إرهابية ثم تتكاثر لتصبح خلايا‏..‏ وبعدها سوف تنقلب هذه الخلايا علي ذلك الذي يأويها‏.‏

وبالنسبة للتعاون الدولي وللاتفاقية الدولية المقترحة‏:‏ فإنه إضافة إلي ما أعلنه الرئيس حسني مبارك أمام مجلس أوروبا عام‏1986‏ وندائه بعقد مؤتمر دولي وإبرام اتفاقية لمكافحة الإرهاب‏,‏ قال عند إفتتاح مجمع انتاج الكلور في‏1995/4/23..‏
‏..‏ نحن لا نستطيع ملاحقة الإرهاب الدولي دون تعاون كافة الدول‏,‏ وإذا استشري الإرهاب في أوروبا والدول الاسكندنافية التي تأوي بعض القتلة فسوف يدفعون الثمن‏,‏ ففي النهاية ستكبر البؤرة الإرهابية وسيكون ثمن هذا غاليا‏,‏ وأتمني أن يكون هناك تعاون بين الدول وبين المجتمع الدولي كله للقضاء علي الإرهاب‏..‏

وفي‏2000/12/13‏ قال في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط‏:‏ أكرر دعوتي التي أطلقتها منذ عشر سنوات والخاصة بعقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب والذي أصبح ظاهرة عالمية‏.‏ ان المعركة في رأيي‏..‏ هي معركة عالمية‏.‏
وللتحذير أكثر واكثر‏..‏ واستشرافا للغد‏..‏ قال مبارك لمجلة باري ماتش الفرنسية‏,‏ في‏1998/5/11:‏ إن غياب الأمن أصبح ظاهرة عالمية وأستطيع أن أقول لكم من الآن‏:‏ ما هي الدول التي ستتأثر بالإرهاب بالدرجة الأولي ؟ إنها إسرائيل والولايات المتحدة ومصر والأردن‏..‏ إنه لايوجد بلد واحد في العالم يحظي بالحماية الكاملة‏!!.‏

وقد صدق مبارك في كل ما قال ـ ونحن نشير فقط ونذكر بعضا قليلا منه ـ إذ أنه كان يعبر عن الضمير الواعي لوطنه وأمته‏..‏ ويستوعب التجربة‏,‏ وهذا ما قاله بعد أحداث الثلاثاء الدامي وذكر أن مصر لديها خبرة في التعامل مع الإرهاب ومواجهته‏..‏ وتحدث عن كيفية المواجهة بتعقل ودون عشوائيه‏!‏
وللتسجيل أنقل هنا بعضا من تصريحاته‏..‏

ففي حديثه مع شبكة‏:‏ سي ان‏.‏ ان‏..‏ في‏2001/9/14‏ أشار الرئيس مبارك إلي أنه عندما قدم النصيحة لأول مرة عام‏1991‏ لأخذ الحذر من الارهابيين‏,‏ فإن أحدا لم يأخذ هذه النصيحة مأخذ الجدية‏.‏ وقال‏:‏ لقد قيل في أوروبا ودول أخري ـ في ذلك الوقت ـ ان مبارك له بعض المشاكل مع الارهابيين ونحن بعيدون عن ذلك وإن الأوروبيين اتخذوا اجراءات في انحاء بلادهم لمنع الإرهاب‏.‏
إن هناك فرقا كبيرا بين الحرب وبين الإرهاب‏..‏ إن الحرب عمل يسير ففي حالة الحرب تعلم الهدف وتعلم الفريقين المتحاربين وتعلم المهمة التي تود أن تحققها من خلال الحرب مثل تحرير أرض أو احتلال موقع كما ان الحرب لا تجري إلا في مكان محدد وتستخدم فيها الأسلحة التي تعارفنا عليها‏.‏

لكن الإرهاب علي العكس من ذلك يتخذ من العالم بأسره مسرحا له فلا نعلم من أي اتجاه يأتينا أو أي هدف يستهدف‏..‏ فهل تتوقع ما حدث للسفارة الاسرائيلية في الارجنتين‏..‏ هل كنتم تتوقعون الارهاب في الارجنتين وما حدث أيضا لسفارتنا في اسلام أباد‏..‏ لم أصدق أيضا وسفارتيكما في أفريقيا والمدمرة كول في عدن‏..‏ ان مسرح الارهاب كبير‏..‏ إنه لا يستعمل الأسلحة التقليدية مثل الغواصات والدبابات لكنه قد يأتي في أي مكان‏..‏ ولا تستطيع دولة واحدة في العالم ان توفر الحماية لجميع أهدافها الحيوية‏.‏
ولقد طالبت عدة مرات وقلت إن اقامة تحالفات من شأنه شق صف المجتمع الدولي وما دعوت إليه مرارا هو عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب تحت مظلة الأمم المتحدة في نيويورك أو في جنيف أو أي مكان‏..‏ وقد تمت فعلا الموافقة عليه لكن بعض الدول ومن بينها الولايات المتحدة قد مارست حق الفيتو علي المؤتمر متذرعة بما يحدث بين الفلسطينيين والاسرائيليين‏..‏

أما في ضوء ما حدث مؤخرا في الولايات المتحدة فقد أصبح المؤتمر ضرورة دولية‏..‏ في ضوء ما حدث من قتل للمدنيين بالطائرات المدنية في الولايات المتحدة برا وجوا‏..‏ علي الدول أن تعقد مؤتمرا دوليا يصدر قرارات ملزمة لجميع الدول لا تستثني منها أي مجموعة من الدول أما اقامة تحالفات فمن شأنها شق صف المجتمع الدولي إلي جبهتين أو ثلاث‏.‏
والآن‏..‏ هل يأخذون بالنصيحة وهم يخططون للسنوات العشر‏..‏ أم سيركبون رءوسهم‏!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية