|
|
إلي الأربعينيات من القرن العشرين, لم يكن أحد قد سمع بشيء اسمه الإرهاب إلي أن طالعتنا أنباء العصابات اليهودية في فلسطين وما كانت تقوم به من عمليات القتل والاختطاف لضباط الجيش البريطاني المحتل, وتعليق الضحايا من أرجلهم كالشاة بعد ذبحها.. وبدأنا نسمع عن عصابات الهاجاناه, وشتيرن, وأرجان زفاي ليومي التي تكونت في عقب الحرب العالمية الثانية, وباشرت عملياتها الإرهابية لا لترويع الجيوش البريطانية فحسب, بل تنفيذا لخطط جهنمية مدروسة وبعيدة المدي في إلقاء الرعب في قلوب العرب الفلسطينيين ابتغاء إجلائهم عن بيوتهم ودورهم ـ إما بإغراء المال أولا ـ ولم يكن يفلح إلا قليلا ـ وإما بالرعب والاختطاف والقتل..
ثم حدثت عام1948 أكبر عملية إرهابية في التاريخ ـ هي إسرائيل ذاتها ـ عندما أسفرت الصهيونية عن وجهها القبيح ـ وتشكلت أول عملية إرهابية جماعية في صورة ما أطلقنا عليه العصابات المسلحة التي استخففنا بشأنها, وقمنا لتأديبها في عملية حربية أطلق عليها وزير الحربية آنذاك بأنها نزهة عسكرية صادفتها صنوف من الجهل والغرض الذي وصل إلي حد الخيانة.. وليس بعيدا عن الذهن أن الجيش المصري عندما طلب نوعا من التغطية من جيش عربي آخر قيل له ماكو أوامر وتركونا لنستقي مرارة الهزيمة وحدنا.. ثم تواترت أنباء الإرهاب اليهودي الإجرامي فقتل اليهود لورد موين Moyne الوزير البريطاني للشرق الأوسط في ظهيرة يوم بأحد شوارع القاهرة ـ ثم اغتالوا الكونت برنادوت Bernadotte الوسيط الدولي المسالم الذي أراد أن يحقق السلام في فلسطين.
هل كان هؤلاء الارهابيون المجرمون مسلمين.. وهل تصايحوا عند اغتيالاتهم الآثمة الله أكبر ـ بل إذ كانوا أعداء للسلام كانوا أعداء للإسلام.. ثم بدأ الإرهاب في مختلف صوره في الانتشار في العالم, وتشكلت العصابة الألمانية الشهيرة بادر ماينهوف BederMeinhoff التي راحت تقتل وتغتال يمينا وشمالا بغير رحمة أو تمييز. ثم تشكلت العصابة اليابانية المخيفة الجيش الأحمر RedArmy. وسجلها في الاغتيالات والخطف والتفجيرات سجل حافل بالجرائم ـ كان أبرزها اختطاف قطار كهربائي بمن فيه!
ثم تواترت الأنباء عن عصابات الإرهاب المعروفة باسم المافيا Mafia الإيطالية سواء في امريكا أو في صقلية حيث أقاموا دولة داخل دولة وفرضوا علي المواطنين فردة ـ وتداخلوا في السياسة واشتروا بالارهاب كبار السياسيين ومنهم رئيس الوزراء ذاته, أندريوتي.. وسمعنا بعدئذ عن العصابات الارهابية في اسبانيا المعروفة باسم إيتا ETA وما قامت وتقوم به من القتل والخطف وتفجير القنابل وتفجير السيارات المفخخة في شوارع العاصمة مدريد ذاتها..
وأعقبها عصابات الألوية الحمراء BrigadaRossa التي أعملت قتلا وخطفا ـ كان من ابرزها اختطاف رئيس الوزراء نفسه ألدو مورو الذي وجدت جثته بعد ذلك في الصندوق الخلفي لسيارة! وسمعنا وقرأنا عن العصابات الإرهابية في سيريلانكا ـ التاميل Tamil وفي اندونيسيا تيمور Timor..
كل هذه العصابات الارهابية, هل كان فيها مسلم واحد ـ حتي يمكن نسبة الارهاب الي الإسلام. نوع آخر من الإرهاب العنيف, هو الإرهاب المتبادل في إيرلندا بين الموالين Loyalists, وهم من المسيحيين البروتستانت وبين الانفصاليين وهم من المسيحيين الكاثوليك الذين كونوا الجيش الأيرلندي الجمهوري IRA ـ ثلاثون عاما من الحوادث الارهابية الدامية ـ من قتل واختطاف للمواطنين ورجال الشرطة البريطانيين ومن تفجير السيارات والمباني والمنشآت العامة كان من بينها تفجير المبني في بلدة أوماها الذي أسفر عن مقتل قرابة مائة شخص.
وليس سرا أن الممول الرئيسي للعمليات الإرهابية الكاثوليكية في أيرلندا هم الامريكان من أصل ايرلندي, وقد تضخمت ثرواتهم في أمريكا فراحوا يمدون الإرهابيين بالمال والسلاح يرسلونه ملء البواخر.. إرهابيون بروتسانت وكاثوليك ولم نسمع, ولو أصخنا السمع ـ أن هناك مسلمين بروتستانت أو مسلمين كاثوليك..!!
في هذه الأثناء تمت عملية اغتصاب فلسطين العربية, وأثمرت جهود اليهود الدائبة علي تنفيذ مخططهم الإجرامي المدروس في إجلاء العرب عن القليل الذي بقي في ايديهم ـ وإحكام القبضة الحديدية علي العرب القلائل الباقين ـ مستخدمين في ذلك كل الأسلحة المحرمة غير المشروعة ـ غير مراعين فيها إلا ولا ذمة ـ من إقامة مستوطنات في أرض العرب, واعتقال المواطنين ـ ثم عمليات الإبادة الجماعية المنتظمة, والذبح والتقتيل التي تمثلت في مذابح صابرا وشاتيلا ـ وكان علي رأس القتلة آرييل شارون الذي بني شعبيته الدامية علي تأييد الرأي العام اليهودي لتطرفه الإجرامي ـ والشعوب أميل ما تكون إلي الآراء الراديكالية ـ إذ راح يمنيهم بدولة إسرائيل الكبري من النيل إلي الفرات, وإذ كان هذا أملا لايتحقق إلا بإبادة العرب ـ إذن فلنبد العرب. ولم يكن في مقدور هذا الشعب المغلوب علي أمره ـ الذي نهبت أراضيه وقتل رجاله وأطفاله ـ أن يسكت علي هذا الضيم الإجرامي, وإذ لم يكن مسلحا بذات السلاح الفتاك الذي تمد به أمريكا هؤلاء القتلة ـ فقد حاول الدفاع عن نفسه والذود عن أراضيه ودوره ومنع المعتدين عن الغلو في اعتدائهم ـ ولم يكن سلاحه في الدفاع يزيد علي الحجارة..
ولكن الدعاية اليهودية ـ وما أمهرها وأخبثها ـ راحت تفسر دفاع العرب عن أنفسهم بأنه إرهاب وأن الوطنيين إرهابيون ـ وأقنعوا الرأي العام العالمي بهذه الأكذوبة المضحكة المبكية.. هل كان الرأي العام العالمي يتوقع منا أن نضرب بالسياط, وأن تشرد عائلاتنا, ويقتل أطفالنا ولا يسمح لنا بالتأوه.. أو حتي أن نقول آه!
وقول الحق الذي لا مراء فيه هو أن ما فعله ويفعله العرب في فلسطين لايعني إرهابا, بل هو حرب تحرير Guerre De Liberation ومقاومة للمستعمرين ـ وهي أعمال مشروعة توصيفها القانوني هو الدفاع الشرعي عن النفس LegitimeDefense ـ أو هو مقاومة المستعمر Resistence ـ وهو السبيل الذي سلكته قوات فرنسا الحرة في أثناء الاحتلال الألماني لبلادهم ـ ولم يقل أحد أن تلك المقاومة التي كانت محل إعجاب وتمجيد العالم أنها كانت إرهابا ـ وإلا اعتبر زعيم المقاومة ـ الجنرال ديجول ـ أول إرهابي عالمي..
ويبقي السؤال: لم كانت المقاومة الفرنسية عملا من أعمال البطولة ـ وأصبحت المقاومة العربية عملا إجراميا ؟.. الرد علي هذا التساؤل هو عند وسائل الإعلام اليهودية المتفشية في كل بقاع العالم.. أما نسبة الإرهاب العالمي بعد ذلك إلي المسلمين, فهذه تهمة ظالمة كاذبة لا تتفق مع صحيح الإسلام ـ فالإسلام يشجب البغي والاعتداء علي أي انسان بغض النظر عن عقيدته أو جنسه أو دينه ـ فالقتل فيه كبيرة الكبائر ـ وقضي الحق في كتابه العزيز مخاطبا بني إسرائيل علي وجه خاص وكافة الناس علي وجه عام أن من أجل ذلك كتبنا علي بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا.
وقد أعقب ذلك تباركت أسماؤه موضحا جزاء المفسدين في الأرض عند قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو أن ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. هذه نظرة الإسلام إلي الفساد في الأرض ـ وهو الإرهاب ـ وإلي عقوبته في هذه الدنيا وفي الآخرة.
وفي الحديث الشريف المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده فكيف يتصور بعد ذلك أن يكون الإرهاب إسلاميا ـ بعد أن نزع عن المعتدي صفته كمسلم. وفي خضم اتهام العرب المسلمين بالإرهاب, تناست وسائل الإعلام, أن أكبر منظمة أطلقوا عليها إرهابية هي منظمة يرأسها جورج حبش, وواضح أنه عربي مسيحي وليس مسلما..
ونسي الغرب ـ أو بعض الغلاة من كتابه أن الامريكان البيض الذي يعتزون بأنهم ورثة أوائل من هاجر إلي أمريكا قد تكونت بينهم عصابة إرهابية تخصصت في قتل وشنق السود, لا لذنب جنوه سوي لبشرتهم الشوداء ـ وهي منظمة كوكلاكس كلان التي عرفت باسم KKK وفي فرنسا قامت المنظمة الإرهابية المعروفة بالعمل المباشر Action Directe بإرهاب وترويع المواطنين وعلي الأخص غير الكاثوليك.
كما قامت منظمة شارل مارتل CharlesMartell وهو الذي كان علي رأس الجيش الذي أوقف الزحف العربي في بلدة بواتييه Poitiers علي بعد مئتي كيلو متر من باريس ـ وهذه بدورها تخصصت في القتل والترويع للمواطنين والأجانب علي حد سواء. ولا يبقي بعد ذلك سوي هذا التوصيف البذئ لرئيس وزراء ايطاليا بيرلسكوني بتفضيل الحضارة الغربية علي حضارة العرب والمسلمين.
فإذا نحينا مظاهر الغضب علي هذه البذاءة, فإنها إنما تدل علي أن قائلها رجل جاهل لا في الثقافة فحسب بل حتي بالتاريخ مجردا. فقد تناسي ـ في جهله المطبق ـ تأثير الحضارة العربية والإسلامية منذ القرون الوسطي علي علوم الحساب والهندسة والفك والطب الأوروبية.
وأنا مدين لكبيرة أساتذة الحضارة المصرية الدكتورة نعمات أحمد فؤاد ما نقلته عن ديورانت قوله أن العالم الإسلامي كان له في العالم المسيحي أثر بالغ في مختلف الأنواع, لقد تلقت أوروبا من بلاد الإسلام الطعام والشراب والعقاقير والأدوية والأسلحة وشارات الدروع ونقوشها والتحف والمصنوعات وكثيرا من الصناعات والتشريعات والأساليب البحرية. كما نقلت عن الكاتبة الألمانية سيجريد هونكه أن العرب والمسلمين ظلوا ثمانية قرون يشعون علي العالم علما وفنا وأدبا وحضارة وأخرجوا حضارة أوروبا من الظلمات إلي النور.
ليت بيرلسكوني يقرأ ما كتبه أساتذته, لعله يتعلم ويخرج بدوره من الظلمات إلي النور.
ويحضرني في هذا المقام ما قاله أحد المفكرين الفرنسيين وهو J.J.Bonvoisin بعد إيقاف الجيوش العربية في بواتييه وما شاهده من تناحر بين الفرنسيين والخلافات العقائدية بينهم إذ قال ليت العرب كسبوا في معركة بواتييه وهزموا الفرنسيين إذن لنالهم لهم شيء من ثقافة العرب. ولكن بعض غلاة الغرب يحاولون كما قال مختار أمبو Umbo مدير اليونسكو السابق أن يحتكروا الثقافة لأنفسهم.
أي ثقافة هذه التي يودون احتكارها, هل ثقافة الأحزاب الإرهابية الجديدة, سواء في ألمانيا ـ منظمة النيو نازي NaoNazi التي تخصصت في قتل وترويع المواطنين الأتراك رغم حصولهم علي الجنسية الألمانية ـ أو هي أحزاب اليمين المتطرف الفرنسي بزعامية ليبن Lepen الذين يريدون طرد ملايين الجزائريين الفرنسيين من فرنسا بكل الطرق الإرهابية الإجرامية. أو هي ثقافة الإبادة التي باشرتها جيوش روما عند احتلالها للقسطنطينية عاصمة الامبراطورية الرومانية الشرقية عندما أعملت القتل والذبح والسحل لكل السكان ـ وهم من المسيحيين وإن كانوا مختلفين مذهبا ـ حتي قال المؤرخون أن الدم كان يملأ الشوارع كالأنهار!!.
أما عن السيد بيرلسكوني فإن مدي تعمقه في الثقافة لايزيد علي قراءة برامج التليفزيونات التي يمتلكها وجاءت به إلي الوزارة والتي ساهمت في رأسمالها عصابات المافيا, ولست أستبعد أن يكون مصيره مصير سلفه أندريوتي الذي يقضي الآن السنوات التي أدانه القضاء بالسجن بها. هل نجد في الغرب من يقول إن الحق أولي بالإحقاق ولو ساءك إشهاره. |
|
|
|
|
|