|
تحقيق : ممدوح شعبان |
 | | اهتمام جماهيرى بانتصارات أكتوبر |
استطاعت حرب أكتوبر أن تكون إحدي العلامات البارزة في الفكر الحربي المعاصر, وأدت إلي تغيير الكثير من النظريات الحربية التي كانت سائدة لسنوات طويلة. ولم يقتصر تأثيرها علي الجانب العسكري أو السياسي أو الاقتصادي وإنما أمتد ليشمل الجانب الاعلامي ودوره في العمليات الحربية. وكان الإعلام الإسرائيلي قد نجح قبل حرب73 في كسر الروح المعنوية للشعب العربي عامة والمصري بصفة خاصة متوهما أنه نجح في تحقيق ذلك مع الجيش المصري علي خلاف الحقيقة. وكانت القيادة السياسية تدرك ذلك وتعمل علي رفع الروح المعنوية للجيش من خلال عمليات حرب الاستنزاف التي سبقت المعركة..
ويؤكد ذلك ما جاء في كتاب حروب مصر المعاصرة في أوراق قائد ميداني للواء أ.ح عبد المنعم خليل قائد الجيش الثاني الميداني في حرب أكتوبر الذي شارك في القضاء علي الثغرة حيث يقول عن الفترة التي سبقت حرب أكتوبر: وكان هناك جدار الخوف الذي أقامته الدعاية الإسرائيلية, وساعدتها الظروف المختلفة منذ حرب فلسطين عامي48, ثم في أثناء الجولة الثانية من الاعتداءات في عام56 ويونيو67 ومازال هذا الجدار قائما ولابد من إزالته وتدمير آثاره ونقله إلي البر الشرقي, وعاشت القوات المسلحة فترة التقاط الأنفاس بالصبر حيث كان العدو يشعرنا بالاستخفاف ولم تمض أيام قلائل حتي كانت معركة رأس العش وما بعدها من معارك رغم بساطتها, إلا أنها أذاقت العدو المتعجرف طعم الهزيمة ومرارة الخسائر في الأرواح
* تأثير الإعلام علي قوي الجانبين في حرب أكتوبر يقول د. زكريا حسين أستاذ العلوم الاستراتيجية إن الفيصل في النصر أو الهزيمة هو أن قوة عسكرية لديها امكانيات ومعدات متطورة ومدربة تدريبا عاليا لابد أن تكون متفوقة علي الأخري, والمقارنة بجميع المقاييس قبل حرب أكتوبر تؤكد أن إسرائيل لديها التفوق في كل مجالات الحرب, فلم يكن ينقصها شيء, سواء قدرات جوية أو مدرعة أو تكنولوجية إلي جانب تعاونها الاستراتيجي في مجال المعلومات مع الجانب الأمريكي الذي كان يغطي المنطقة بأقماره الصناعية. لكن ما الذي أدي للانتصار؟ يواصل د. زكريا حسين حديثه قائلا: هناك عوامل كثيرة أهمها الدور الإعلامي الذي سبق المعركة وأشعل الحماس في قلوب الجنود المصريين حيث كانت القيادة السياسية تركز علي الجانب المعنوي الذي أضاف للقوات المصرية معدلات قوي جديدة أدت إلي رفع قدراتها القتالية وكفاءتها في التدريب الجيد واستخدام جميع الأسلحة علي أعلي مستوي.
علي عكس الاعلام الإسرائيلي ودوره مع المقاتل الإسرائيلي والذي أرتكز علي عاملين رئيسيين: أولهما: الثقة المفرطة في النفس لدرجة الغرور الذي أدي إلي الاستهانة بالآخرين. وثانيهما الاقتناع الكامل الذي صوره الإعلام الإسرائيلي بأن الجانب العربي جثة هامدة وليس ممكنا أن يقاتل أو يكون قادرا علي ادارة عمليات ناجحة. بالإضافة إلي ذلك كانت هناك المعوقات التي كانت أمام الجيش المصري وفي مقدمتها قناة السويس اكثر العوائق المائية صعوبة, وساتر ترابي يصل ارتفاعه لأكثر من20 مترا وخط بارليف الذي قالوا عنه أنه لا يقهر, ويحتاج لقنبلة ذرية لتدميره, وأن أي محاولة من جانب القوات المصرية للاقتحام ستكلفها من40% إلي50% من قواتها. كل هذه العوامل أدت بشكل عام إلي حالة من الثقة بالنفس في الجانب الإسرائيلي انعكست بالسلب علي الجندي الإسرائيلي, بينما كانت إيجابية لصالح القوات العربية( مصر ـ سوريا) لإثبات ذاتها والثأر لكرامتها وهو ما ظهر واضحا في الساعات الأولي للمعركة.
* تلاحم الجبهة الداخلية مع الجيش مع البيانات الاولي للمعركة, وانتصار القوات المصرية انفعل الاعلام بكافة صوره( صحافة ـ إذاعة ـ تليفزيون) وتكاتفت جميع الجهود لإبراز قصص البطولات التي قام بها الجنود المصريون, مما أدي الي تلاحم الشعب مع قواته المسلحة متحديا ظروفه الاقتصادية وأزماته الاجتماعية مطالبا باستمرار القتال ومرحبا بالشهادة من اجل استعادة شرف الوطن والكرامة المصرية علي عكس الشارع الاسرائيلي الذي اصيب بصدمة نفسية جعلت الأمهات والزوجات يخرجن للشوارع في مظاهرات يصرخن بالمطالبة بوقف القتال وانقاذ جنودهن من القتل او الاسري, وذلك بعد ان انكشفت حقيقة وقدرات الجيش المصري الذي ظل الاعلام الاسرائيلي قبل73 يقلل من شأنها. ونتيجة للدور الاعلامي العربي الفعال طوال الـ28 عاما في الحديث عن بطولات قواتنا المسلحة المصرية ومشاركتها لمصر في احتفالات نصر اكتوبر خرج الشارع العربي في جميع البلدان العربية بل والجاليات العربية في معظم الدول الاوروبية رافضة التهديدات الاسرائيلية بضرب سوريا ولبنان والمذابح الوحشية للفلسطينيين العزل في الاراضي الفلسطينية.
* الغرب شهد بأن الإعلام الإسرائيلي خدع شعبه ولم يكن الحديث عن روعة المقاتل المصري في إعلامنا فقط, بل نجد الجنرال فارار هوكلي مدير تطوير القتال في الجيش البريطاني يقول: إن الدروس المستفادة من حرب اكتوبر تتعلق بالرجال وقدراتهم اكثر مما تتعلق بالآلات التي يقومون بتشغيلها, فالإنجاز الهائل الذي حققه المصريون هو عبقرية ومهارة القادة والضباط الذين تدربوا وقاموا بعملية هجومية جاءت مفاجئة تامة للطرف الآخر رغم انها تمت تحت بصره وتكملة لهذا أظهر الجنود روحا معنوية عالية وجرأة كانتا من قبل في عداد المستحيل.. إن حرب اكتوبر كانت تأديبا وتعذيبا لاسرائيل ومن الواضح ان الجيوش العربية كانت تقاتل بقوة وشجاعة وعزم كما ان الاسرائيليين تملكهم الحزن والاكتئاب عندما وجدوا ان الحرب كلفتهم خسائر باهظة وان المصريين والسوريين ليسوا كما قيل إنهم غير قادرين علي القتال. ولا ننسي ما قالته جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل خلال حرب اكتوبر في كتاب( حياتي):(.... ان المصريين عبروا القناة وضربوا بشدة قواتنا في سيناء وتوغل السوريون في العمق علي مرتفعات الجولان وتكبدنا خسائر جسيمة علي الجبهتين, ولكن السؤال المؤلم في ذلك الوقت هوما إذا كنا نطلع الامة علي حقيقة الموقف السييء ام لا في مجال الكتابة عن حرب يوم الغفران لا كتقرير عسكري بل ككارثة أو كابوس مروع قاسيت منه أنا نفسي وسوف يلازمني مدي الحياة.
* قادة إسرائيل يكررون أخطاء الماضي ولكن ماذا يعني التشدد الاسرائيلي في مواجهة الفلسطينيين ؟ وماذا تعني التهديدات بحرب جديدة ضد العرب ؟ ـ يشير د. زكريا حسين إلي أن إصرار شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي علي استخدام القوة المفرطة وتهديداته بحرب في المنطقة والتباهي بالقوة المطلقة دليل علي ان أخطاء الماضي مازالت تسيطر علي القادة الاسرائيليين ويكررون نفس اللهجة من الاستهانة بالآخرين وقدراتهم القتالية, كما انهم يعملون دائما علي ابراز القوة القتالية لديهم وتحديثها المستمر من خلال الاعلان عن التجارب الصاروخية فائقة القدرة التدميرية, وذلك من أجل احداث نوع من الردع النفسي او المعنوي للقوات العربية. والسؤال الآن.. هل يستدرج القادة الاسرائيليون شعبهم وجيشهم الي حرب جديدة, أم يستوعب الاعلام الاسرائيلي دروس حرب اكتوبر وينبه شعبه وجيشه إلي خطورة الاقدام علي مثل هذه الحرب؟ |
|
|
|
|
|