ملفات الأهرام

41944‏السنة 126-العدد2001اكتوبر8‏21من رجـب 1422 هــالأثنين

مصالح مصر‏..!‏
بقلم‏:‏د‏.‏ عبد المنعم سعيد

تعريف أزمة دولية كالتي نعيشها الآن وتبين جوهرها وحجم الإشكاليات الداخلة فيها‏,‏ لايتم في فراغ‏,‏ أو لاعتبارات مجردة‏,‏ وبالتأكيد ليس قياسا علي شعارات خلابة‏,‏ وإنما بنسبة كل ماجري ويجري في الأزمة إلي مصالح بعينها لدولة محددة لها مركز واحد لصناعة القرار واتخاذه وتنفيذه‏.‏ ومن المدهش أنه رغم كثرة ماكتب وسطر وقيل في الأزمة الراهنة فإنه لم يوجد اجتهاد واحد ـ فيما نعلم ـ حاول تحديد المصالح المصرية والتي علي القيادة المصرية أن تدافع عنها وتحميها‏,‏ وأن تعززها وترفع من قدرها‏.‏ وربما كان ذلك راجعا من جانب إلي أن تعبير المصالح ليس تعبيرا مفضلا في الثقافة السياسية الشائعة والغارقة في المثاليات اللغوية والفكرية التي تنظر من عل إلي كل مايبدو حسابات منفعية لا يجوز التعامل معها في لحظات النزال والنضال‏.‏ وربما كان الأمر عائدا من جانب آخر إلي أن مايهمنا ليس في الحقيقة مصر‏,‏ وإنما كيانات كبري مثل العالم الإسلامي أو الوطن العربي وهؤلاء لاتتحدد مصالحهم بالقطعة تبعا لمصالح كل دولة مشتركة في هذا الكيان أو ذاك‏,‏ أو تبعا للفترة الزمنية الراهنة‏,‏ وإنما عادة ماتحدد وفق عمليات تاريخية كبري ولأهداف سامية عظيمة‏.‏
وقد يكون كل ذلك صحيحا‏,‏ ولكن مشكلته أنه يصعب من خلاله تعريف الأزمة ومن خلالها تحديد السياسات والاستراتيجيات وتعبئة الموارد التي لايمكن القيام بها من خلال الأمة الإسلامية أوالوطن العربي حيث لا يوجد مركز محدد لصناعة القرار واتخاذه وتنفيذه‏,‏ وإنما من خلال دول مثل مصر وإندونيسيا وتركيا والمغرب وغيرها من أعضاء الأمة والوطن‏.‏ وهذه الدول ليست معلقة في الفراغ‏,‏ وإنما بها مواطنون ينتمون إلي شرائح اجتماعية وسياسية‏,‏ وهؤلاء جميعا لهم مصالح عليا في الوطن الذي يعيشون فيه‏.‏ وعندما يواجه هذا الوطن أزمة فإن عليهم تحديد المصالح المعلقة بها حتي يمكن لمتخذ القرار أن يقوم بواجبه في تعريف الذي يواجهه تحديدا والتحرك منطقيا من هذا التعريف إلي مايجب عليه فعله‏,‏ ويحاسب عليه أمام شعبه ومواطنيه‏,‏ وليس أمام الأمة العظيمة أو في مواجهة الوطن الكبير‏.‏

وفي العادة فإن مصالح الأمم تنقسم إلي ثلاثة أنواع‏,‏ أولها استراتيجية بمعني قدرة الأحداث علي التأثير علي بقاء الدولة ذاتها وتكاملها الإقليمي‏,‏ ومن ذلك النوع تلك الأزمة المستحكمة التي عشناها تحت الاحتلال الإسرائيلي حيث ضربت المصلحة الاستراتيجية المصرية في الصميم عندما احتلت إسرائيل سيناء بكاملها في كارثة يونيو‏1967.‏ ومن المصالح الاستراتيجية كذلك مايؤدي إلي اختلال التوازنات الاستراتيجية في إقليم مابحيث يضعف موقف الدولة ويمكن أن يقود في المستقبل إلي الاعتداء عليها‏,‏ ومن هذا النوع استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية لآن مثل هذا التوسع يؤثر علي التوازن في المنطقة بما يعد تهديدا لمصر‏.‏ وأخيرا يقع ضمن هذه المصالح درجة الاستقرار في الإقليم الذي تقع فيه الدولة بحيث إن عدم الاستقرار بسبب الصراعات بين الدول أو في داخلها يمكن أن تمتد إلي داخل الدولة ذاتها وتسبب عدم الاستقرار الذي قد يصل إلي الحرب الأهلية‏.‏ والمثال هنا واضح من منطقة الشرق الأوسط كلها المتخمة بالعديد من الصراعات الإقليمية بين دول‏,‏ والحروب الداخلية الصغيرة والكبيرة بين جماعات وفرق وقبائل وأعراق ونحل‏.‏
وبالتأكيد فإن الأزمة الراهنة لايوجد فيها مايهدد بقاء مصر أو سلامتها الإقليمية‏,‏ فالطرف الأساسي الذي تعرض للهجوم هو الولايات المتحدة الأمريكية وهو الطرف المنوط به الدفاع عن نفسه‏.‏ ولكن من جانب آخر فإن الأزمة تهدد باختلالات في التوازن الإقليمي‏,‏ فإسرائيل لم تنتظر للثانية الثانية بعد الانفجارات الكبري قبل أن تحاول تحقيق أهداف استراتيجية كبري أولها أن تفوق بين العالم العربي والإسلامي من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر عن طريق الإعلان أنها الطرف الإقليمي الوحيد الذي يلقي بكل ثقله وراء الولايات المتحدة بينما لاتفعل الأطراف الأخري شيئا سوي ممارسة كراهيتها لواشنطن في السر والعلن‏.‏ وثانيا أن تجعل حربها العدوانية مشروعة من خلال الربط بين إرهاب نيويورك وواشنطن من ناحية وإرهاب الفلسطينيين من جانب آخر فتتحقق الوحدة الأمريكية ـ الإسرائيلية في مواجهة العدو المشترك فتستعيد إسرائيل مكانتها الاستراتيجية التي كانت قد فقدتها خلال حرب الخليج الثانية‏.‏

وثالثا أن تستغل الفرصة السانحة وانشغال العالم بما جري للقوة العظمي الوحيدة وتنقض علي المقاومة الفلسطينية لكي تنهي صداعا لها طال أكثر مما ينبغي‏.‏ كل ذلك إذا ماتحقق كان كافيا لكي يخلق حالة من الاختلال الاستراتيجي الكبيرإذا ما نجحت إسرائيل في تنفيذ سياستها تهدديها مصر ومن ورائها الدول العربية وتعيد تركيب الشرق الأوسط كله من جديد لصالح إسرائيل وتركيا التي اتخذت نفس المواقف منذ اللحظة الأولي للأزمة‏.‏ وفوق ذلك ـ من جانب آخر ـ فإن عملية الصراع المسلح ضد الإرهاب‏,‏ والإرهاب المضاد‏,‏ سوف يكون كفيلا بخلق حالة من عدم الاستقرار بالنار واللهب في الشرق الأوسط كله‏,‏ وفق امتداداته إلي آسيا الوسطي شرقا وشمال إفريقيا غربا‏,‏ ولايعرف أحد متي يأتي منه شرر يشعل الحريق في مصر‏.‏
النوع الثاني من المصالح ذو طبيعة مادية محسوسة‏,‏ وفيه تتشكل الأهداف الاقتصادية للدولة‏,‏ وتتجسد فيه إمكانياتها وقدراتها المادية والبشرية‏.‏

وعندما جاءت الأزمة كانت خلفيتها الاقتصادية في مصر لاتسر أحدا حتي بعد أن تمكنت مصر بجسارة وشجاعة من التخلص من أكبر موجة إرهابية متمسحة بالإسلام عرفتها في تاريخها‏.‏ وأيا كان رأي كثيرين في الولايات المتحدة سلبا أو إيجابا فإنها أقبلت علي الأزمة الراهنة وهي أكبر شريك تجاري لمصر حيث تشكل‏40%‏ من تجارتها الخارجية‏,‏ وهي أكبر مانح للمعونة لها والتي تصل حاليا إلي أقل قليلا من مليارين من الدولارات‏,‏ يعدان نوعا من الإشارة بالاطمئنان للمعونات والاستثمارات من الدول الأخري في أوروبا واليابان‏.‏ والقائمة بعد ذلك طويلة فيما يتعلق بالسياحة‏,‏ والتكنولوجيا‏,‏ واستخدام قناة السويس‏,‏ وتعليم وتدريب المصريين‏,‏ إلخ‏.‏ وحتي لايخطيء أحد الفهم‏,‏ فإن كل ذلك يعكس ايضا مصالح امريكية مقابلة‏,‏ ولكننا هنا لاننظر في مصالح أمريكيا ولكن في مصالحنا نحن الموضوعة في ميزان الأزمة الراهنة‏.‏ وهو ميزان في حدود مانعلم لايوجد فيه الكثير مما يخص أفغانستان أو طالبان أو تنظيم القاعدة‏,‏ فلا توجد صادرات مصرية تذهب إليهم‏,‏ كما أن واردات مصر لايدخل فيها الأفيون والمخدرات الأخري التي تشتهر بها أفغانستان‏,‏ وبالتأكيد فإن الحرب الأهلية الطويلة بين الطوائف الإسلامية المتصارعة لم تسمح لكابول ببناء الأساطيل في أعالي البحار التي لاتطل عليها حتي تمر بعد ذلك في قناة السويس‏.‏

النوع الثالث من المصالح هو مايسمي بمصالح السمعة والمكانة‏,‏ فالدول كائنات ليست كلها نفعية‏,‏ وهناك مصالح تتعلق بالهوية والتاريخ‏,‏ وكثير من الأمورالمعنوية المتعلقة بالشرف والكرامة التي يصعب قياسها بدقة‏,‏ وكذلك الأمور المتعلقة بالعدل واحترام القانون الدولي‏.‏ هنا فإن وجود مصر في العالم الإسلامي يلقي عليها واجبات شتي‏,‏ كما أن وجودهت في الوطن العربي يلقي عليها بالتزامات متعددة‏,‏ وعضويتها في الأمم المتحدة يرتب عليها أن تتحري العدالة والحقوق‏.‏ ولكن القضية هنا أن كل ذلك لابد من تحديده بدقة‏,‏ فالعالم الإسلامي الذي يضم أكثر من‏200‏ مليون مسلم في اندونيسيا و‏145‏ مليون مسلم في باكستان‏,‏ و‏180‏ مليون مسلم في الهند لايمكن اختزاله في أفغانستان أو حتي طالبيان أو تنظيم القاعدة‏.‏ والعالم العربي الذي يبلغ عدد سكانه قرابة‏300‏ مليون نسمة لايمكن اختراله في جماعات الجهاد الإسلامي‏,‏ والجماعات الإسلامية المسلحة‏.‏ أما القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة فلا بد من مراجعته للتعرف علي الحكومة الشرعية في أفغانسان لأنه حتي الآن كان العالم لايعترف إلا بحكومة التحالف الشمالي ماعدا المملكة السعودية ودولةج الإمارات العربية المتحدة وباكستان‏,‏ وقد قامت الأولي والثانية بقطع العلاقات مع كابول‏,‏ وبالتالي هل تقضي الحكمة والحصافة أن نعتبر حكومة طالبان هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الأفغاني في هذه الأزمة؟‏.‏

هذه المجموعات من المصالح بالغة الأهمية‏,‏ وربما تكون قاصرة أو غير كاملة‏,‏ وهي قابلة لاجتهاد المجتهدين‏,‏ ولكن الواضح منها أنها هي التي ينبغي أن تكون المحدد لنا في تعريف الأزمة ومسارها بالنسبة لنا وليس ماتريده أية قوة أخري بما فيها الولايات المتحدة‏.‏ ولذلك فإنني لم أفهم كثيرا تلك الدعوة التي جاءت متهكمة علي مااسمته جماعة بن لكن من عبر المحيط لكي تطالبنابإعطاء امريكا شيكا علي بياض في إدارة الأزمة الراهنة‏,‏ وهو شيك لم يعطه الكونجرس للرئيس بوش‏,‏ ولاحلف الأطلنطي فعل‏,‏ رغم أن كليهما قام بالتأييد وهو مفتوح العينين‏,‏ وكذلك سوف تفعل مصر التي عليها أن توازن بين هذه المصالح المنسجمة أحيانا والمتناقضة أحيانا أخري‏.‏ والحديث متصل‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية