|
|
 |
في عام1919 احتضن الهلال الصليب وقامت الثورة من المسلمين والأقباط لا هدف لها إلا حرية مصر وجلاء الغاصب عنها. وقد حاول الانجليز أن يثيروا الخلافات بدعوي أشهروها أنهم إنما يدافعون عن الأقليات, فخذلهم الأقباط خذلانا مبينا ورفضوا أن يكونوا سلاحا علي أنفسهم وعلي مصرهم.
ومنذ ذلك الحين عاش الأخوان متحابين في وئام يعتبران وادي النيل منبع حبهما والوئام بينهما. ويتبادلان فيما بينهما من معاملات خير ما يتبادله إخوان. وعندنا في القرية عائلة قبطية تعيش منذ زمن لانعرف متي, بين إخوانها من الفلاحين المسلمين في حب لا أعرف له مثيلا, ومن هذه العائلة كان يوسف عبدالملاك وكان له محل بقالة وكان الإقبال عليه من القرية يكاد يقضي علي أعمال البقالين الآخرين, وكان أهل القرية يقولون أن يوسف صاحب ذمة ويرضي بأقل ربح.
وكان من العائلة عطا الله أفندي وقد مارس التجارة وأكرمه الله في أخريات أيامه وكسب من القطن مكاسب طائلة وكان من الذكاء بحيث توقف عن التجارة بعد هذه المكاسب. ولم أر أهل القرية فرحوا بغني أحد قدر فرحهم بغني عطا الله أفندي ـ رحمه الله.
وإذا كانت هذه المشاعر الفياضة النقية في قرية صغيرة, الاحتكاك فيها بين الناس شديد والمصالح فيها متشابكة متلاحمة, فإن هذه المشاعر تجد في المدينة المدي الأوسع وأرض الحب الأخصب والهواء الطيب الذي يغذيها ويزيدها نقاء ونماء. ومنذ زمن غير قريب كتبت هنا في الأهرام اقتراحا أن يتعلم الأطفال القرآن الكريم ليستقيم به لسانهم العربي, ولعلي من تحرج خشيته قلت أنه لا بأس أن يتعلم أبناؤنا الأقباط أشعار التراث ليق,موا بها لسانهم العربي.
وجاءتني بعد ظهور المقال خطابات كثيرة من أقباط يقولون إنه لا حرج علي أبناء المسيحية أن يتعلموا القرآن, وقال أحدهم ـ في أسلوب عربي فصيح رفيع ـ إنه في القرية كان يتعلم القرآن وكان أهله يسعدون وهم يسمعونه يردد آيات القرآن الكريم في أفنية منازلهم وهو يقول أن هذا كان شأنه وشأن غيره من الأقباط ثم حين اشتد عودهم وذهبوا إلي المدارس الأجنبية وكان معهم مسلمون وكانوا يقرأون الإنجيل, ويقول الكاتب, فما أسلم الأقباط ولاتنصر المسلمون, وشاعت هذه الروح الجميلة في جميع الخطابات التي جاءتني في ذلك الحين. وقد عشنا عمرنا نري أنفسنا أصدقاء للأقباط ونراهم أصدقاء لنا, كذلك نحن وكذلك كان آباؤنا من قبل, فما رأيناهم ينأون بجانب لهم عن صديق قبطي لأنه قبطي ولا رأينا أحدا منهم يميل عنا لأننا مسلمون.
وكم صادقنا من أصدقاء لانعرف ديانتهم وإنما ظللنا فترات نظن أنهم أقباط ويتضح لنا بعد سنوات أنهم مسلمون, فما اختلفت المعاملة عن المعاملة ولا تغيرت الأخوة عن الأخوة, ولعل أقرب مثل إلي ذهني ما حدث بيني وبين الأستاذ رأفت الخياط الذي عرفته في الأربعينات وأنا معتقد أنه مسيحي حتي كان رمضان في الستينات فإذا هو يقول أمامي أنه صائم وأعرف بعدما يقرب من عشرين عاما أنه مسلم وقد كان أخا لي قبل أن أعرف ومازال أخا لي بعد أن عرفت وإن كان قليل الاتصال بي في هذه السنوات الأخيرة. وشهدت عمي عزيز أباظة مديرا لأسيوط ثم بعد أن ترك منصبه فلم أجد أصدقاء مقربين إليه مثل أقباط أسيوط جميعا بلا استثناء, وكان قد دعا قوما كثيرين إلي أسيوط وهو مدير لها في إحدي المناسبات وكنت بين المدعوين, فاعتبر بيوت كثير من الأقباط بيوتا له وأنزل بها من دعاهم, وكان مبيتي في منزل ليون بك ويصا ـ رحمه الله.
وحدث منذ سنوات بعيدة أن رشحت روايتي لقاء هناك للإنتاج السينمائي.. ولكن الرقابة اشترطت موافقة الأزهر والكنيسة, فكانت فرصة لي أن تعرفت بقداسة البابا شنودة وجلست إليه مرات نتدارس السيناريو ولم أدهش حين وجدته يبدي ملاحظات من شأنها إجلال الإسلام والحفاظ علي قيمه ورسالته. فقد كان هذا ما أنتظره من عالم جليل له ما للبابا شنودة من عمق النظرة وجلاء الرؤية.
وفي حرب أكتوبر لم يعرف العدو إن كان المصري الذي يحاربه مسلما أم قبطيا.. وهكذا فكل سعي بين الأخوين إنما هو إلي خيبة وارتكاس فإن المسلمين في مصر لايعرفون فارقا بينهم وبين الأقباط فيها. وهؤلاء الذين يسعون بينهم بضلالة حاولوا من قبل أن يسعوا بحرب شنوها علي الدين جميها فما أفلحوا, وإن الأقباط والمسلمين جميعا يعرفون أنهم معا جنود علي الإلحاد في شتي صوره وعلي اختلاف وجوهه الكريهة, و لهذا كنا نسمع كارتر رئيس أكبر دولة مسيحية يقول أنه لم يبق إلا القيم الدينية لنتمسك بها وبهذه القيم نجح في انتخابات الرئاسة. والإلحاد يحارب المسيحية كما يحارب الإسلام فليس عجيبا أن تتحد المسيحية والإسلام لتواجها الإلحاد.
إن أعداءنا نحن المسلمين هم أنفسهم أعداء الأقباط. فإن كانوا قد استغلوا فئة جاهلة من هنا أو من هناك فإن الأغلبية الكاثرة تعلم أننا شعب واحد له أعداء كثر, لنا أعداء من الملحدين ولنا أعداء من الصهيونية العالمية ولنا أعداء من مجانين الزعامة وصانعي الشعارات ومدبري الجرائم يقتلون بها الأبرياء من المسلمين والأقباط جميعا, وكلنا مسلمين وأقباطا نعرف أعداءنا من العملاء في الداخل أي أصحاب الشعارات وحلفائهم المخابيل في الخارج. وكلنا ــ مسلمين وأقباطا ــ سنحارب هؤلاء الأعداء بكل الإيمان بالله الذي نتسلح به ولن يفلح المنافقون الخونة أن يثيروا إلا المحبة والإخاء بيننا وإلا التفاني والوفاء كل الوفاء للوطن. |
|
|
|
|
|