|
وجهان لعملة واحدة! |
 |
عندما جاء الرئيس بوش إلي البيت الأبيض قبل عدة أشهر, لم يكن من بين أولوياته أن يتصدي لأي مشكلة دولية, ولا أن يعيد النظر في بعض القضايا الملحة التي تفرض نفسها علي السياسة الخارجية الأمريكية. وعلي الرغم من التهاب الموقف في الشرق الأوسط وإلحاح الزعماء العرب علي أمريكا كي توقف التصعيد الإسرائيلي وتعيد عملية السلام إلي مسارها, فقد بدا الرئيس بوش متمسكا بالحكمة المعروفة: لا أسمع.. ولا أري.. ولا أتكلم! ولكن الرئيس الأمريكي وجد نفسه فجأة بعد الأحداث المروعة ليوم11 سبتمبر, يقف مذهولا أمام صندوق أسود من الألغاز والمشكلات التي أصرت السياسة الأمريكية علي أن تضعها في الثلاجة وترميها وراء ظهرها, مكتفية بأن يستمتع الشعب الأمريكي وحده بوضعه المتميز في العالم, دون أن يعبأ بما تجره الصراعات الدولية ـ التي فجرتها السياسات الأمريكية أو ساعدت علي تفجيرها ـ من كوارث وأحقاد.
الآن أدركت أمريكا والغرب بصفة عامة, أن السلام العالمي لا يتجزأ, وأن الشعوب الأمريكية والأوروبية لايمكنها أن تنعم بالسلام والاستقرار والتقدم, بينما تكتوي شعوب أخري بالاحتلال والطغيان والإرهاب السياسي والمعنوي.. سواء كان إرهابا من الداخل أو من الخارج, إرهاب بن لادن وتنظيم القاعدة, أو إرهاب شارون وإسرائيل. وبينما تتحول المعارك في أفغانستان إلي حرب مفتوحة, تتصاعد مخاطرها, وتستخدم فيها الولايات المتحدة قوات الكوماندوز الخاصة لضرب طالبان ومقاتلي بن لادن, تتوسع إسرائيل في ضرب المدن والقري الفلسطينية بأحدث ما حصلت عليه من معدات عسكرية أمريكية وطائرات ودبابات.. ويجوس الجيش الإسرائيلي بقواته بين البيوت والمنازل ليرتكب كل يوم مجزرة دامية ضد المواطنين الأبرياء ويسقط فيها من القتلي أعداد مقاربة لما يسقط في أفغانستان.
وحين تقف الولايات المتحدة عاجزة متخاذلة أمام العدوان الإسرائيلي, ويتحدي شارون طلب الرئيس بوش بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية, والانسحاب من الأراضي الفلسطينية, فلا تجرؤ الحكومة الأمريكية حتي علي توجيه النقد لإسرائيل, فلا ينبغي أن يدهش الرئيس بوش وشركاؤه من أمثال بلير وشرودر وغيرهما حين تخرج المظاهرات في الشوارع العربية تهتف بحياة بن لادن.. هنا تغيب الفوارق بين إرهاب مكروه, وإرهاب مسموح.. بين إرهاب تغضب عليه أمريكا, وإرهاب تقره وتوافق عليه وتحميه! قبل أيام قال جاك سترو وزير الخارجية البريطانية في محاضرة أمام مركز للدراسات الاستراتيجية: إن تحقيق السلام ومعالجة الإرهاب وجهان لعملة واحدة.. ولكن مثل هذه الأقوال لا تجد صداها في الواقع العملي.. |
|
|
|
|
|