تقارير المراسلين

41937‏السنة 126-العدد2001اكتوبر1‏14 من رجـب 1422 هــالأثنين

بعد رفض أمريكا التصديق عليها
مصير معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في خطر

رسالة فيينا‏:‏ مصطفي عبدالله
بوش ـ شارون
أعلن مندوب الولايات المتحدة‏,‏ وممثلها لدي المنظمة الحظر الشامل للتجارب النوية في افتتاح اجتماعات الدورة الخامسة عشرة للجنة التحضيرية في فيينا‏,‏ دعم نظام التفتيش علي المواقع الذي يهدف إلي التحقق من اختراق أي دولة طرف لبنود معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية كإحدي المهام الرئيسية الثلاث التي تضطلع بها المنظمة بجانب شبكة الرصد والمركز الدولي للبيانات‏,‏ وقد كان هذا القرار بمثابة تفجير قنبلة اصاب الجميع بالاحباط في باقي جلسات الاجتماعات‏,‏ واعتبرها المراقبون صدمة قوية للجهود الدولية لحظر اجراء التجارب النووية وخيبة أمل للمنظمة الوليدة وأعربت الوفود في البيان الختامي عن قلقها وأسفها العميق بسبب إعلان الولايات المتحدة قرارها المتضمن الوقف الجزئي لتمويل اللجنة التحضيرية‏.‏
وطالبت الوفود الإدارة الأمريكية بضرورة إعادة النظر في هذا القرار لما له من تأثيرات سلبية علي مستقبل المعاهدة حيث اعتبرت بعض الوفود أن القرار بداية انسحاب تدريجي للولايات المتحدة من المنظمة‏,‏ كما اعتبرته مؤشرا سيئا لمؤتمر المصدقين المقرر عقده بمنظمة الأمم المتحدة بنيويورك في الرابع عشر من الشهر الجاري بمشاركة تسع وسبعين دولة قامت بالتصديق علي المعاهدة لمناقشة التعجيل بالتصديق علي المعاهدة لبحث أسباب عدم التصديق عليها حتي الآن من الدول التي تمتلك قدرات نووية كبيرة‏,‏ وحثهم علي سرعة التصديق عليها بالوسائل الدستورية حتي تدخل المعاهدة حيز التنفيذ‏.‏

وأكدت الوفود أن القرار الأمريكي لايعتبر فقط حكما بالفشل علي مؤتمر المصدقين بل يعتبر اجهاضا للمعاهد بأكملها‏.‏
ومع ذلك فقد جدد مندوب الولايات المتحدة تأكيد التزام بلاده بالوقف الطوعي للتجارب النووية لكن تنفيذ هذا الالتزام يظل مرهونا بادارة الادارة الأمريكية وحدها دون أن يكون مصدره وثيقة دولية ملزمة‏,‏ فللولايات المتحدةان تجري التجارب النووية متي تشاء ذلك وتمنعها متي تريد وفقا لسياسة الادارة الحاكمة ومصالحها كيمفا يتراءي لها غير عابئة بالسلام والأمن والاستقرار الدولي الذي تؤكده الوثائق والاتفاقات الدولية مادامت لم تصدق علي المعاهدة التي لم تدخل حير التنفيذ بعد‏.‏

أما باقي الدول التي لم تصدق علي المعاهدة سواء لزهوها بقوتها المنظورة أو لتأكيد مؤشرات المستقبل انها ستتقدم السباق العالمي في يوم قريب أو تلك الدول التي نشأت في ظل صراعات قائمة لم يظهر لها في الأفق من حلول حتي الآن فإن الموقف الأمريكي الأخير الذي قرر دون سابق انذار التخلي عن دعم أحد أهم أنشطة المنظمة الناشئة يعتبر لهذه الدولة ذريعة لأن تتمسك بامتناعها عن التصديق في جميع مناطق العالم سواء تلك الدول العظمي في آسيا كالصين ذلك العملاق القادم الذي يظهر من بين الحين والآخر أنيابه أمام الكاوبوي الأمريكي في اشارة إلي مستقبل قادم تختفي فيه من المسرح العالمي الفكرة التي تؤكد أن أمريكا ستستمر هي القطب الأوحد إذا ماوضعنا في الاعتبار مبدأ تداول المراكز بين هذه‏,‏ وتلك أو في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني صراعا بدأ منذ أكثر من نصف قرن ولايزال قائما حيث لاتزال العجرفة الإسرائيلية تريد أن تملي علي جيرانها مفهومها للسلام الذي يحقق لها مصالحها فقط بسبب قدراتها النووية وكذلك في شبه القارة الهندية التي لاتزال تعاني صراعا طويلا بين الهند وباكستان اللذين استعرضا قوتهما النووية منذ ثلاث سنوات كادت تعيد أذهان العالم إلي سباق التسلح النووي مرة أخري لأول مرة بعد انتهاء الحرب الباردة الأمر نفسه في شبه الجزيرة الكورية‏.‏ ومخاطر هذا الموقف وتخوفات المراقبين علي النحو السابق سببهما أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك أكبر قدرات نووية في العالم وأن تصديقها علي المعاهدة سيشجع الدول علي أن تسرع في التصديق ولكن إذا استمرت في امتناعها عن التصديق سوف تثير حول مستقبل المعاهدة علامات استفهام كثيرة فإذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت الرقص خاصة انه يلزم لكي تدخل المعاهدة حير التنفيذ تصديق اثنتي عشرة دولة تمتلك قدرات نووية غير الولايات المتحدة ومنها كوريا الشمالية والصين وإيران والهند وباكستان وإسرائيل فامتناع هذه الدول عن التصديق يرجع سببه إلي ان كلا منها متخوفة من الأخري وتربط تصديقها بتصديق دولة أخري جارة لها علي الأقل‏.‏

وأصبح مصير المعاهدة مرهونا بموقف الولايات المتحدة الأمريكية كدولة عظمي من جانب‏,‏ ومرهونا كذلك بعلاقاتها بجيرانها من جانب آخر ومايحكمها من صراعات اقليمية طويلة المدي‏.‏
وبالرغم من ان الادارة الأمريكية السابقة برئاسة بيل كلينتون كان لديها الاستعداد للتصديق علي المعاهدة لكن الكونجرس رفض التصديق عام‏1998‏ بسبب التحفظات التي أبداها الاعضاء ووعدت ادارة كلينتون باعادة عرض الموضوع مرة أخري لكن اهتمامات الجمهوريين في الادارة الحالية برئاسة جورج بوش الابن تضع في أولوياتها تنفيذ السياسة الدفاعية التي تتمثل في نظام الدفاع الصاروخي وغيرها من الوعود التي صاحبت الحملة الانتخابية الرئاسية‏,‏ ولذلك يري المراقبون ان الكونجرس سينظر مرة أخري في موضوع التصديق علي المعاهدة في حالة عودة الديمقراطيين إلي الحكم‏,‏ أي بعد نحو أربع سنوات مالم يتم انتخاب بوش لفترة رئاسية جديدة أو يفوز بالمنصب مرشح جمهوري‏,‏ وهنا سيظل مصير المعاهدة معلقا لفترة ثماني سنوات‏.‏

فالمراقبون لايتسرعون في الافراط في التفاؤل بتصديق الولايات المتحدة سريعا علي المعاهدة ولاشك ايضا في أن التوصل إلي حلول لمثل هذه الصراعات الاقليمية سيسهم بشكل كبير في تصديق بقية الدول علي المعاهدة وتدخل حيز التنفيذ ليرتاح العالم من شرور التجارب النووية وماتخلفه من آثار خطيرة علي البيئة والإنسان‏.‏
لكن يبدو أن التوصل إلي حلول في الوقت الحالي أمر يستبعده كثير من المراقبين خاصة بالنسبة للصراعات الحادة التي لها جذور قوية تحتاج إلي وقت وجهد دولي مكثف‏.‏

ومع ذلك فإن مشاعر التفاؤل لاتزال تقترب من بعض الصراعات الاقليمية كالصراع بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية خاصة بعد أن أثمرت الجهود في تضييق الفجوة في الخلافات بينهما كخطوة ايجابية في مجال نزع السلاح النووي عامة إذ ترتبط كوريا باتفاقيات ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بفيينا وإن كانت هذه الاتفاقيات لم تطبق كاملة لكنها مع ذلك تبدو تحريكا للموقف الذي ظل طويلا متصلبا‏.‏
كما أن منطقة الشرق الأوسط التي تعاني الآن أحداث عنف واعتداءات إسرائيلية تستهدف أبناء الشعب الفلسطيني بسبب سياسات شارون المتطرفة هي نفسها التي شهدت من قبل توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل‏,‏ كما شهدت كذلك توقيع اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل وتقدمت المفاوضات خطوة علي المسار السوري والمسار اللبناني قبل أن تتوقف‏.‏

أما تدهور الوضع الآن فلا يعتقد أحد أنه سيستمر كثيرا وأنه سيتغير بمجرد مغادرة شارون الحكم واختيار الشعب الإسرائيلي رئيس حكومة جديدا يكون أكثر اعتدالا يؤمن بالشرعية الدولية‏,‏ وبحقوق الفلسطينيين‏,‏ ويدرك مفهوما واقعيا للأمن والحدود ويحرص علي الحفاظ علي صورة معتدلة لدولة إسرائيل أمام العالم بدلا من الصورة القبيحة التي خلفتها القيادات المتطرفة‏,‏ والقول بغير ذلك سيغرق المنطقة في دوامة من العنف لايعلم عقباها إلا الله‏.‏
ويحاول البعض أن يقلل من وطأة عدم تصديق إسرائيل علي معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية بمقولة عدم انضمامها إلي معاهدة عدم الانتشار النووي حتي الآن وعدم خضوع منشآتها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية‏,‏ لكن يري الكثيرون أنه بالرغم من وجود ترابط مابين المعاهدتين لكن تعنت إسرائيل وعدم رغبتها في عدم الانضمام إلي تلك المعاهدة وعدم تصديقها عليها يعكس رغبتها في عدم تسوية المسائل النووية إلا بعد التوصل إلي اتفاق سلام نهائي مع جيرانها العرب‏,‏ ودخولها مفاوضات السلام وهي تمتلك قوة نووية يختلف عن دخولها بعد نزعها منها أو علي الأقل تحجيم أهميتها‏,‏ بينما يري العرب أنه من الأفضل عدم الربط بين نزع السلام النووي ومسألة السلاح وكل في طريق‏.‏

ثمة أمر آخر يشير إليه البعض بطريقة ضمنية غير صريحة هو أن دخول المعاهدة حيز التنفيذ مرهون ايضا باكتمال بناء نظام التحقيق ومحطات الرصد في مختلف بقاع الأرض وهو النظام الذي تسير فيه المنظمة بخطوات ثابتة بعد توقيع‏161‏ دولة علي المعاهدة منذ عام‏1996‏ إذ إن التصديق علي المعاهدة من الدول الثلاث عشرة التي تمتلك قدرات نووية لايكفي وحده لدخول المعاهدة حيز التنفيذ إذا ماكانت المنظمة عاجزة عن تغطية جميع المناطق والمواقع خاصة في رصد التفجيرات النووية إذ إنه في هذه الحالة لايمكن ان تضبط كل الدول التي تخالف احكامها وتضعها موضع المسئولية أمام المجتمع الدولي بخرقها معاهدة نووية‏.‏
كما أن عدم مصادقة العدد المطلوب لدخول المعاهدة حيز التنفيذ لايعني عدم فعالية المنظمة لأن شبكة المراقبة تقوم برصد التفجيرات النووية فوق الأرض وتحتها وفي المحيطات‏.‏

وفي حالة استمرار امتناع الدول عن التصديق سيكون هناك طرق أخري دبلوماسية بهدف التشاور من أجل إزالة العوائق ومواجهة التحديات التي تحول دون دخول المعاهدة حيز التنفيذ‏.‏
وعلي الرغم من توقيع المعاهدة في عام‏1996‏ والتصديق عليها من واحدة وثلاثين دولة تمتلك قدرات نووية لكن حظر التجارب النووية لايزال المسئولة عنه لجنة تحضيرية لم يتم تحويلها إلي منظمة‏,‏ ولن يتم ذلك إلا بعد دخول المعاهدة حيز التنفيذ بعد التصديق عليها من بقية الدول التي تمتلك هذه القدرات‏.‏

ويشمل نظام المراقبة‏321‏ محطة موزعة علي مختلف أنحاء العالم تشمل محطات رصد لأي تفجيرات نووية تحدث في أي مكان في العالم‏,‏ وهي محطات متطورة وتستخدم أحدث تكنولوجيا العصر وتستطيع الكشف عن أي تجربة نووية وترصد بياناتها وتقوم بارسالها إلي المركز الدولي للبيانات بمقر المنظمة بفيينا الذي يستقبل بيانات الرصد المستمر من جميع المحطات ويقوم بتحليلها وتحديد مواقع أي تجربة نووية تتم في أي مكان في العالم بدقة بالغة‏,‏ وكذلك تحديد وقت اجراء هذه التجربة وقوتها ثم يقوم بتوزيعها علي جميع الدول الأعضاء بالمنظمة لاتخاذ مايلزم بشأنها‏.‏
وقد انتهت المنظمة بالفعل من بناء ثلث شبكة المراقبة الدولية للتفجيرات النووية التي تغطي كل أنحاء العالم ويجري بناء الثلثين الباقيين لكن ذلك يحتاج إلي عدة ملايين من الدولارات وسنوات عديدة للانتهاء من هذه الشبكة‏.‏

وفي منطقة الشرق الأوسط تقوم المنظمة ببناء ثلاث محطات للرصد في كل من مصر والمملكة العربية السعودية وإسرائيل‏,‏ حيث وجدت سكرتارية المنظمة في صحراء الأقصر مكانا جيدا‏,‏ لكن الشروع في البدء يحتاج إلي ضوء أخضر من الحكومة المصرية حيث ان هذه المحطة ستكون مفيدة لمصر وللخبراء المصريين وستعود بالخير والأمان علي المنطقة لأنها يمكنها الكشف عن أي زلزال بالاضافة إلي المهمة الرئيسية التي تتمثل في التعرف علي التفجيرات النووية التي قد تحدث‏.‏
أما مؤتمر المصدقين المقرر عقده بنيويورك في نهاية شهر سبتمبر الجاري بمشاركة تسع وسبعين دولة وبرئاسة المكسيك الذي حكمت الولايات المتحدة مسبقا بفشله نتيجة قرارها المفاجئ بالتخلي الجزئي عن دعمها لأهم انشطته فلن يختلف عن المؤتمر الأول الذي عقد بفيينا الذي اصدر بيانا رسميا يناشد الولايات المتحدة والدول الأخري بالاسراع في التصديق وإن كان سيزيد عليه هذه المرة مناشدة الولايات المتحدة الرجوع إلي قرارها إن تم الاتفاق علي ذلك بين الوفود‏,‏ وإن كان البعض يتوقع تصديق عدد من الدول من غير الدول التي تمتلك قدرات نووية‏.‏

وعلي أي حال فإن المعاهدة التي تنص علي التزام جميع الدول الموقعة بعدم إجراء تجارب نووية علي أراضيها أو الاراضي الخاضعة لها وكذلك الامتناع الكامل عن مساعدة أو تشجيع أي طرف علي إجراء أي نوع من التجارب النووية الخاصة بتطوير الأسلحة النوية‏,‏ معاهدة لايزال الطريق أمامها طويلا‏,‏ ولاتزال طرق التخلص من السلاح النووي حلما يراود العالم تحقيقه ليعيش في سلام وأمان بعيدا عن أسباب الخوف والصراعات وفقا لرؤية مصر ودعوة الرئيس مبارك إلي اخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل ومنها السلاح النووي‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة أقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية