|
|
 |
لايمكن الحكم بصورة اطلاقية علي حضارة ما والادعاء بأنها متقدمة أو متخلفة, كما أنه لايجوز ـ ان أردنا أن نكون موضوعيين, ونلتزم بقواعد المنهج العلمي في التفكير ـ أن نعمم الحديث عن شعب معين وننعته بالسلبية المطلقة, أو بالإيجابية الفاعلة! فكل حضارة إنسانية ـ كما تعلمنا دروس التاريخ فيها الإيجابي والسلبي ـ وكل شعب عادة مايضم بين جنباته تيارات فكرية, وقوي اجتماعية تؤمن بالتقدم, وتيارات وقوي تنطلق من رؤي تقليدية ومحافظة وأحيانا بدائية. ومن هنا لايجوز التعميم علي المجتمع الأمريكي بكل مايضمه من شرائح اجتماعية متعددة, وأعراق متنوعة, بل من الضروري أن تميز بين رؤي العالم المتعددة التي يموج بها, وكذلك ليس من قبيل الانصاف أن يتبين هذا المجتمع علي أساس السياسات الخارحية الخاطئة التي أتبعتها وتتبعها الإدارات الأمريكية المتعاقبة, سواء بالنسبة للعالم ككل, أو بالنسبة للعالم العربي, وعلي وجه الخصوص بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي.
وإذا كنت حرصت عقب الحادي عشر من سبتمبر أن أحلل الخطاب السياسي للرئيسين بوش وشيراك ولرئيس الوزرء البريطاني بلير في مقالي خطاب الحرب العالمية الثالثة!( الأهرام في20 سبتمبر) لكي أكشف عن القيم الكارثة وراءه, والتي استدعت من أعماق الذاكرة التاريخية ذكريات الحروب الصليبية, ومزاعم الغرب باعتباره مهد المدنية في مواجهة الشرق باعتباره مرتعا للبربرية, فإنني من وجهة النظر العلمية ـ اتجهت لكي أحلل استطلاعات الرأي العام الأمريكية التي سارعت تجريها معاهد, ومراكز الرأي العام عقب الحادي عشر من سبتمبر, لكي أدرس عن قرب اتجاهات المواطنين الأمريكيين عقب الحادث الجلل مباشرة, ولفت نظري أنه قد أجري أستطلاع آراء لعينة قوية من الأمريكيين في بداية القرن الحادي والعشرين, لقياس اتجاهاتهم إزاء المستقبل, ومعرفة هل هم متشائمون أم متفائلون, وكذلك موقعهم من التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية والعالم في بداية الألفية الثالثة. وقد اعتبرت هذا الاستطلاع علامة فاصلة في قياس الاتجاهات الأمريكية لأنه أجري قبل11 سبتمبر, وبالتالي يمكن مقارنة الاتجاهات ماقبل ومابعد الحادث الخطير الذي ألم بالمجتمع الأمريكي.
غير أنه لفت نظري موقع مهم علي شبكة الإنترنت ضم مجموعة كاملة من المقالات التي كتبها معلقون وكتاب سياسيون أمريكيون من أتجاهات شتي عن حادث الحادي عشر من سبتمبر, وحين قمت بتحليل مضمون كيفي لهذه المقالات, تبين لي أنها تندرج في فئتين كبيرتين, الأولي مقالات تفيض بالدعوة إلي الانتقام وتسرف في هذا الاتجاه لدرجة المغالاة, ويكشف عن هذا دعوة بعضهم لاستخدام الأسلحة النووية ضد الإرهابيين, والثانية تدعو إلي العقلانية, في رد الفعل, ولاتنساق بسهولة إلي الدعوات الهستيرية للانتقام حتي لو أدي ذلك إلي قتل الأبرياء من أبناء الشعوب التي ستتعرض للقصف.
دعوة للمراجعة وتبدو استنارة أصحاب الخطاب النقدي الأمريكي في التحليل الشامل الذي قام به الكاتب كريسي موني يوم18 سبتمبر2001 أي بعد أسبوع من الحادث الخطير لمجموعة متنوعة من المقالات التي انتابتها النزعة الهستيرية للانتقام, ويستعرض أمثلة بارزة لهذه الاتجاهات الانتقامية ويشير إلي آن كولتر التي دعت إلي شن حرب صليبية ضد المتعصبين الدينيين الذين اعتمدوا علي أمريكا مثيرا في ذلك ذكريات القرن الثاني عشر, وكاتب آخر في جريدة الواشنطن بوست يدعو إلي استخدام الأسلحة الذرية ضد بن لادن( مثيرة مناخ الحرب الباردة) ولوحظ اتجاه بعض الأمريكيين لإعادة قراءة عدد من الأشعار التافهة التي خطها قلم المتنبيء الشهير نوستراداموس في القرن السادس عشر! ولم يفت الكاتب الإشارة إلي تفسير أحد رجال الدين وهو جيري تولول الذي أكد ـ بناء علي تقاليد الخطاب الديني المعروفة ـ أن الله سبحانه وتعالي غاضب علي أمريكا, ولذلك سحب حمايته للأمة الأمريكية! ويلتفت كيس موتي بذكاء إلي مقالة مهمة تحاول تطبيق مذهب الداروينية والاجتماعية الذي صيغ في ضوء نظرية داروين المعروفة عن التطور كتبها شلبي ستيل الباحث في معهد هوفر المعروف باتجاهاته المحافظة, وعنوان المقالة التي نشرها في الورلد ستريت جورنال حرب العالم ينبغي أن يوقف الغرب اعتذاره عن عظمة حضارتنا ويلخص الكاتب هذه العظمة في عدد من الإنجازات المهمة وهي مفهوم العقد الاجتماعي, وفكرة القرد باعتباره كائتا مكتفيا بذاته, ووحدة سياسية حرة له حقوق وعليه مسئوليات, وفكرة حرية السوق, وسيادة المنهج العلمي, والفصل بين الكنيسة, والدولة, غير أن كريس موتي يقرر أن الخطير في أطروحات ستيل أنه يقرر أن هذا الأشعار السياسية المهمة هي بطريقة, أو أخري نتاج صراع تطوري بين الحضارات, وهو يقرر بالنص:
ليس من المبالغة القول ـ كما فعل فرانسيس توكوياما منذ عدة سنوات خلت ـ أن الغرب يمثل الآن وفقا لفكرة هيجل نهاية التاريخ وإذا كان العالم الثاني والعالم الثالث قد نزعوا إلي الأمركة بمعني تطبيق الأسلوب الأمريكي في الحياة فإن ذلك قد حدث تحت تأثير الداروينية وليس حبا في الجينز الأزرق أو سندوتشات البيج ماك. ان الشرور التي مثلتها عهود العبودية والاستعمار تبدو في أن هذه الصور من القهر أبعدت ضحاياها عن مجري التاريخ, وفصلتهم عن الصراع التطوري. ويقرر الناقد كريس موتي بذكاء شديد أنه ليس من المبالغة القول ان الفكرة الأساسية التي يمكن استخلاصها من التحليل السابق, أن يقع علي عاتقه الغرب تطوير العالم الإسلامي باتباع كل وسيلة ممكنة, ولكن يتساءل موتي وماذا إذ لم يتطور هذا العالم؟ يقول ن سكان هذا العالم سيصبحون حينئذ مجرد ضحايا اضافيين للصراع من أجل الوجود, لو استخدمت القنابل ضدهم!
ومن المقالات المتطرفة في التعليق علي الحدث مقالة لأكاديمي انجليزي شهير هو ريتشارد دوكنز بني شهرته علي أساس أنه من أبرز الممثلين لنظرية داروين في التطور وعنوان مقالته. صواريخ الدين الضالة نشرها في الجارديان بتاريخ15 سبتمبر2001, ويقرر في ختام مقالته أن الدين هو أيضا من بين مصادر الانقسام في الشرق الأوسط, مما أدي إلي استخدام هذا السلاح المميت في المقام الأول, ولكن هذه قضية أخري وليست موضع اهتمامي هنا, ان اهتمامي الأساسي يتركز حول السلاح نفسه, وأقصد الدين, ان ملء العالم بالدين, أو بأديان تنحذر من الأصل الإبراهيمي, يشبه أن تضئ الشوارع ببنادق مملوءة بالبارود! ولاينبغي أن تندهش إذن إذا تم استخدام هذه البنادق! ويعلق موتي قائلا: أن المشكلة فيما يتعلق بتحليل دوكنز الأستاذ بجامعة أوكسفورد والمشغول بنظرية التطور, أن العالم مليء بأديان متعددة, غير أن ماغفل عند الكاتب هو دور الفقر والاحباط في إذكاء العقائد الدينية المتطرفة.
في ضوء العرض السابق, يمكن القول انه في زحمة الأصوات الزعقة الداعية إلي شن الحرب فورا( ضد من؟ وكيف؟) حتي لو اأستدعي الأمر استخدام الأسلحة الذرية, برزت أصوات عاقلة صدرت عن مجموعة من الكتاب الأمريكيين الذين استطاعوا بجسارة التعبير عن التيار النقدي في الفكر الأمريكي المعاصر, والذي لم يتوان في لحظات الأزمات التي مرت بها الولايات المتحدة الأمريكية, ومن أبرزها علي الاطلاق حرب فيتنام, عن النقد المسئول والعميق لاتجاهات الادارة الأمريكية في عهودها المختلفة. ومما لاشك فيه أن هذه الكتابات التي ربما لايسمع صوتها بالقدر الكافي وسط ضجيج الدعوة إلي الانتقام والحرب, سيكون لها تأثيرها في الأجل المتوسط, في مجال ترشيد سلوك الجماهير الأمريكية, وتعديل اتجاهاتها, لكي تسلك سبيلا أقوم فيما يتعلق, بالنظرة إلي الذات, والنظرة إلي الآخر.
واذا كان من المستبعد في جو الأزمة الراهنة أن تدور عجلة النقد الذاتي الأمريكي لدي دوائر صنع القرار في واشنطن فيما يتعلق بالأسباب الحقيقية الكامنة وراء كراهية الولايات المتحدة الأمريكية التي انتشرت في العقد الأخير في بقاع متعددة من العالم, إلا أن هذه الكتابات النقدية المبكرة لخطاب الحرب, والتي ترمز إلي جسارة أصحابها, من شأنها أن تفتح باب النقد الذاتي, وهذه عملية ضرورية لصانعي القرار الأمريكي, الذين تحت تأثير غرور القوة تجاهلوا المصالح المشروعة للشعوب والدول في مختلف أنحاء العالم, وصمموا علي تحقيق المصالح الأمريكية كما يدركونها هم, حتي لو أدت إلي الإضرار بمصالح الآخرين. ويكشف عن هذه الظاهرة بكل وضوح استطلاعات أمريكية للرأي العام الأوروبي أجريت في أغسطس الماضي في كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا, ذهبت فيها غالبية العينات القوية المستطلعة إلي الاعتراض علي السياسات الأمريكية فيما يتعلق بقضية درع الصواريخ وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من معاهدة حظر انتشار الأسلحة الصاروخية, وكذلك انسحابها من معاهدة كيوتو الخاصة بضبط المناخ العالمي.
ومعني ذلك أن عدم شعبية السياسات الأمريكية لاتقتصر كما هو الشائع ـ علي الشعوب العربية والإسلامية بحكم انحياز الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل في الصراع العربي الإسرائيلي, وإنما امتدت للشعوب الأوروبية ذاتها, التي أحست بنظرتها أن الولايات المتحدة الأمريكية قد ركبها الغرور, وتريد فرض سياساتها علي العالم, بحكم انفرادها بالقوة العسكرية الفائقة. ومن الأهمية بمكن ان تلتفت إلي ان الخطاب النقدي الأمريكي لم يقتصر علي تحليل خطاب الحرب لتنفيذه إنما التفت أيضا إلي خطة الحرب ذاتها.
لكي يكشف عن حدود استخدام القوة المسلحة في الصراع ضد الإرهاب, ولكي ينقد الأسس الواهية التي قامت علي أساسها خطة الحرب العالمية التي تريد أن تقودها بشكل مضطرب وغامض ومتعثر ـ الولايات المتحدة الأمريكية, وهو مايستحق أن نفرد له معالجة مستقلة. |
|
|
|
|
|