|
|
|
|
 | |
مازالت الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود باراك تواصل تنفيذ سياستها القمعية الوحشية ضد الشعب الفلسطيني, فيما يمثل تحديا لجميع الأعراف والقوانين الدولية, واستفزازا واضحا للمشاعر العربية والإسلامية, بل وللمشاعر الإنسانية بصفة عامة. وقد أدت هذه السياسة الإسرائيلية إلي انتكاس عملية التسوية تماما, فتراجعت عشرات الخطوات إلي الوراء, وبات واضحا أن انتفاضة الأقصي قد أفرزت واقعا جديدا تماما علي ساحة التفاعلات الفلسطينية ـ الإسرائيلية يقوم علي ضرورة اعتماد صيغة جديدة تماما للتسوية تتجاوز صيغة أوسلو, التي ثبت فشلها لأنها تهدف إلي تمكين إسرائيل من انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات من الفلسطينيين, بما يحقق لإسرائيل الاحتفاظ بالأرض, جنبا إلي جنب مع السلام والأمن والرفاهية. وقد أكدت الانتفاضة, وقمة كامب ديفيد التي سبقتها, أنه إذا كان الفلسطينيون مستعدون لإبداء قدر من المرونة, في المراحل السابقة من التسوية( المرحلة الانتقالية), فإن أي تنازل سوف يكون مستحيلا من جانب الفلسطينيين في قضايا الوضع النهائي, لسبب بسيط جدا هو أن استعادة ما احتلته إسرائيل من الأراضي العربية في1967 يعتبر في حد ذاته أقصي مرونة, وأكبر تنازل من جانب الفلسطينيين والعرب, ولا يمكن التنازل عن أي شبر إضافي أبعد من هذه الحدود.
ومن ثم, فإن جميع هذه التطورات تؤكد ضرورة العمل علي الخروج من الأزمة العنيفة الحالية التي تمر بها حركة التفاعلات بين الفلسطينيين والإسرائيليين, وهي أزمة لم تنجم عن انتفاضة الأقصي الباسلة, ولكنها نجمت في الأساس عن السياسة الإسرائيلية المتعنتة في عملية التسوية, مع الفلسطينيين بشأن جميع قضايا الوضع النهائي, وتعتبر الانتفاضة مجرد عرض ناتج عن أزمة التسوية, وبالتالي فإن من الضروري إعادة تنشيط عملية التسوية علي أسس جديدة, من أجل الخروج من دوامة العنف الحالية بين الجانبين. وهناك في الواقع عدد من المتغيرات المهمة التي يمكن أن تتيح لرئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود باراك فرصة جديدة, من أجل إنهاء الأزمة الحالية, وتتمثل أساسا في تنشيط الدور الأوروبي والروسي لدفع عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية, جنبا إلي جنب مع الدور المصري, من أجل تعويض غياب الدور الأمريكي, بالإضافة إلي المتغيرات والمستجدات التي خلقتها انتفاضة الأقصي. ومن ثم, فإنه إذا كانت الولايات المتحدة عاجزة عن القيام بدور فعال لوقف العنف وإعادة دفع عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية, بسبب أزمة انتخابات الرئاسة الأمريكية, وإذا كان الدور الأمريكي يعاني من الأصل أزمة مصداقية شديدة بسبب التحيز الأمريكي الشديد لإسرائيل, فإن الدور الأوروبي والروسي يمكن أن يساعد جزئيا علي تحقيق قدر من التوازن, والحفاظ علي قدر من قوة الدفع في عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية. والواقع, أنه علي الرغم من الموقف الأوروبي المتخاذل في اجتماع مارسيليا لوزراء خارجية دول البحر المتوسط, فإن الدور الأوروبي يظل بمثابة حلقة مهمة لتنشيط عملية التسوية, لكنه من الضروري علي الدول العربية بذل قدر أكبر من الجهد الدبلوماسي المكثف, من أجل إفهام الأوروبيين أن أي مواقف مهادنة تجاه السياسة الوحشية الإسرائيلية لن تفيد عملية التسوية, وإنما سوف تؤدي إلي المزيد من التشدد الإسرائيلي, وربما تؤدي إلي المزيد من العنف والتصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط.
ومن ناحية أخري, فإن تنشيط الدور الروسي في عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية يقدم عاملا إضافيا من أجل توفير فرصة جديدة لاحتواء الموقف, حيث إن روسيا الاتحادية ـ وريثة الاتحاد السوفيتي السابق ـ لم تكن بعيدة عن عملية التسوية في الشرق الأوسط, فقد شارك الاتحاد السوفيتي السابق في مؤتمر جنيف للسلام الذي انعقد عقب حرب أكتوبر 1973, وكان أحد راعيي عملية التسوية منذ بدئها في مؤتمر مدريد. وعلي الرغم من المحاولات الأمريكية والإسرائيلية المتكررة لإبعاد روسيا عن عملية التسوية في الشرق الأوسط, فإن السياسة الروسية كانت حريصة علي الدوام علي إبقاء صلاتها وروابطها مع دول الشرق الأوسط. وقد أعطي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مزيدا من قوة الدفع للدور الروسي في الشرق الأوسط, وقام وزير الخارجية الروسي ايجور إيفانوف بعدة جولات في منطقة الشرق الأوسط, مما يشير إلي إمكانية تنشيط الدور الروسي, وإسهام هذا الدور في تعويض غياب الدور الأمريكي, ولو بصورة جزئية. وفي الوقت نفسه, فإن انتفاضة الأقصي الباسلة قدمت للرأي العام الإسرائيلي خصوصا, والعالمي عموما, صورة مصغرة جدا لما يمكن أن يئول إليه الوضع في حالة الانهيار الكامل لعملية التسوية, كما اكدت أنه ليس هناك بديل آخر أمام جميع الأطراف, وبالذات الفلسطينيون والإسرائيليون, سوي التعايش السلمي والتعاون المشترك بين الجانبين, وأنه ليس هناك أي سبيل لفرض علاقة هيمنة إسرائيلية علي الفلسطينيين. وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي في أن قطاعا واسعا من الجمهور الإسرائيلي مازال يؤيد الوصول إلي اتفاق شامل للتسوية مع الفلسطينيين, حيث تشير أحدث استطلاعات الرأي العام في إسرائيل إلي أن60% من الإسرائيليين يؤيدون الوصول إلي اتفاقية سلام مع الفلسطينيين, وأن النسبة الأكبر من الرأي العام الإسرائيلي تؤيد إنهاء الصراع مع الفلسطينيين وسوريا من أجل إحلال السلام, وهو ما يعني أن مؤيدي السلام مازالوا أكبر من مؤيدي التطرف والعنف في إسرائيل, وأن هذه الحقيقة يمكن أن تقدم دعما قويا لايهود باراك إذا كان يسعي بجدية إلي إعادة دفع عملية التسوية مع الفلسطينيين, والوصول إلي اتفاقية سلام عادلة ومتوازنة مع الفلسطينيين.
|
 | |
وفي الوقت نفسه, فإن قيام مصر بسحب سفيرها من تل أبيب كان بمثابة رسالة واضحة للحكومة الإسرائيلية بأن السياسة الوحشية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين قد فاقت جميع الحدود, وركزت مصر علي أن تعرب بقوة عن استيائها الشديد من هذه السياسة الإسرائيلية. والواقع, أن هذه الخطوة المصرية جاءت في إطار منهج مصري واضح في إدارة الأزمات, يقوم في الأساس علي التدرج في المواقف وردود الفعل تجاه إسرائيل, حيث ركزت مصر في البداية علي اقناع إسرائيل من خلال القنوات الثنائية بتهدئة الموقف ووقف سياستها الوحشية ضد الفلسطينيين, ثم استضافت مصر قمة شرم الشيخ من أجل احتواء العنف والتمهيد لاستئناف عملية التسوية, كما استضافت مصر القمة العربية من أجل توفير أقصي قدر ممكن من الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني. واستكمالا لهذه الجهود, قامت مصر باستدعاء السفير المصري من تل ابيب من أجل تكثيف الضغط علي إسرائيل, بعدما بدا واضحا أن السياسة الإسرائيلية لم ترتدع من الضغوط والمواقف كلها التي طالبتها بوقف سياستها الوحشية ضد الفلسطينيين. وفي جميع هذه المراحل, لم تكن السياسة المصرية هادفة إلي تحقيق شعبية مدوية أو بطولة سياسية, فيما يتعلق بالانتفاضة الفلسطينية, وإنما كانت حريصة علي اتباع سياسة عقلانية رشيدة تضمن احتواء العنف, وإعادة دفع عملية التسوية الفلسطينية ـ الإسرائيلية, وفق أسس جديدة, وذلك في ضوء المتغيرات والمستجدات التي خلقتها انتفاضة الأقصي الباسلة, والتي أكدت أن الشعب الفلسطيني, ومن ورائه الشعوب العربية والإسلامية لا يمكن أن تقبل تسوية منقوصة أو مهينة, ولا تقبل بصفة خاصة أي تفريط في شبر واضح من القدس الشرقية, وما فيها من مقدسات إسلامية ومسيحية. ولذلك, فإن التحركات المصرية كانت نابعة في جميع هذه المراحل من تقدير دقيق للموقف, وبما يحقق المصالح الفلسطينية والعربية. وإذا كانت مصر تسعي إلي تحقيق أي شعبية أو بطولة لكانت قد أقدمت علي خطوة سحب السفير المصري من تل أبيب منذ بدء الانتفاضة, ولكانت قد سايرت موجة التصريحات المتشددة الجوفاء والخطب المجانية التي تفتقر إلي أي مصداقية حقيقية.
وعندما شددت مصر علي ضرورة استبعاد أي حديث عن الحرب أو التلويح بها, فإن ذلك كان نابعا من موقف قوة, لأن قوة مصر وقدراتها في جميع مجالات القوة الشاملة معروفة للكافة, وقد اختارت من موقع القوة أن تنحاز دائما للسلام, سلام الأقوياء, وأن تستخدم كل الأدوات والطرق لتحقيق هذا السلام, وللحيلولة دون الانزلاق وراء دوامة التصعيد العسكري, والذي لن يفيد أي طرف من الأطراف, بما في ذلك إسرائيل, أي أن مصر تنحاز لخيار السلام الشامل والعادل, ولكن دون أن يعني ذلك أي تهاون أو تفريط في أي حق من الحقوق العربية. وقد أحدثت هذه السياسة المصرية بالفعل تأثيرا ملموسا علي مواقف الحكومة الإسرائيلية برئاسة ايهود باراك, حيث أصبح باراك أكثر اهتماما بالاستماع إلي المواقف المصرية والعربية, وأكثر حرصا علي البحث عن حلول وسط, من أجل وقف دوامة العنف والتصعيد العسكري, ومن ذلك مثلا التوقف عن السياسة الخرقاء التي كانت تقوم علي تنفيذ عمليات انتقامية بشعة من جانب القوات الإسرائيلية ضد المدن الفلسطينية والمراكز والمنشآت الحيوية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية, ردا علي أي هجوم تتعرض لها المستوطنات الإسرائيلية أو القوات الإسرائيلية, رغم أنه لم تكن للسلطة الفلسطينية أي مسئولية عن هذه العمليات.
ومع ذلك, فإنه مازال هناك الكثير الذي يتعين علي الحكومة الإسرائيلية أن تقوم به من أجل وقف دوامة العنف الحالية, وأبرزها سحب قوات الجيش الإسرائيلي من المنطقة( أ) التابعة بالكامل للسلطة الفلسطينية, ووقف الهجمات الوحشية ضد الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه, فإنه إذا كان المسئولون الإسرائيليون, ومن ورائهم أصدقاؤهم الأمريكيون, يطالبون السلطة الفلسطينية باعتقال ومحاكمة مدبري ومنفذي عمليات العنف ضد إسرائيل, فإن أي منطق يقول أن من الضروري إن تلتزم إسرائيل بالمثل, بمعني ضرورة أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بدورها بمحاكمة أي قادة عسكريين أو ضباط أو جنود أو سياسيين أو مستوطنين إسرائيليين قاموا بارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين. وهناك العديد من الوقائع الثابتة في هذا الصدد, حيث توسع الإسرائيليون في ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين أثناء الانتفاضة, ولابد من التحقيق في هذه التجاوزات من جانب الحكومة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه, فإن من الضروري أن تظهر إسرائيل جديتها في عملية السلام مع الفلسطينيين, وذلك من خلال الكف عن تبني المواقف المتعنتة بشأن جميع قضايا الوضع النهائي, وفي مقدمتها القدس واللاجئون. وتنبع أهمية هذه الخطوات الإسرائيلية من أن الانتفاضة الفلسطينية اندلعت أساسا للرد علي المواقف الإسرائيلية المتعنتة من قضايا التسوية, وبعد أن أيقن الفلسطينيون أن سياسة الحكومة الإسرائيلية لن تؤدي إلي سلام حقيقي, فالمواقف الإسرائيلية السابقة من عملية التسوية مع الفلسطينيين تدل فقط علي أن هذه المواقف لم تكن مدفوعة, في أي مرحلة من المراحل, برغبة حقيقية في إحلال السلام وإعادة الأراضي العربية المحتلة إلي أصحابها الشرعيين, وإنما كان الموقف الإسرائيلي مدفوعا باعتبارات آنية بعيدة كل البعد عن روح السلام, وكانت الحسابات الإسرائيلية تقوم فقط علي أن تكلفة احتلال بعض الأراضي العربية, وبالذات قطاع غزة وبعض أجزاء الضفة الغربية, أصبحت أعلي بكثير مما ترغب إسرائيل في تحمله, علاوة علي محاولة تلك الحكومة الظهور بمظهر الحكومة الراغبة في السلام أمام الرأي العام العالمي, بالإضافة إلي اعتبار التسوية ضرورة حتمية للحفاظ علي نقاء الدولة اليهودية, أو باعتبارها وسيلة مهمة لإقامة شرق أوسط جديد تصبح فيه إسرائيل فاعلا رئيسيا, إن لم تكن المحرك الرئيسي للتفاعلات الاقليمية, بما يضمن لها الهيمنة الاقتصادية والاستراتيجية علي المنطقة. وبالتالي, فإن انتفاضة الأقصي تؤكد أن الصيغة الإسرائيلية, العنصرية المتغطرسة للتسوية, لا يمكن أن تمثل أساسا مقبولا للتسوية, وأن هذه الصيغة ذاتها هي السبب الرئيسي وراء اندلاع الانتفاضة والتصعيد العسكري في المنطقة. وبالتالي, فإن جميع هذه التطورات يجب أن تكون بمثابة رسالة واضحة لباراك بضرورة تغيير سياسته المتعنتة والوحشية ضد الفلسطينيين, وأنه مازالت أمامه فرصة أخيرة لإنهاء دوامة العنف المسلح, وإعادة دفع عملية التسوية علي أسس جديدة ومقبولة من جانب الفلسطينيين, ولكن المؤسف أن سياسة باراك تؤكد دائما عجزه عن الاستفادة من الفرص المتاحة, وعجزه عن بلورة رؤية سياسية واضحة وواقعية, ووقوعه أسيرا لحسابات سياسية ضيقة, وميله نحو تبني سياسات القوة العسكرية. ولذلك, فإن باراك يجب أن يدرك أيضا أن مثل هذه السياسات المتعنتة لن تؤدي إلا إلي المزيد من التدهور في الموقف العسكري, وربما المزيد من التصعيد والتوتر في المنطقة, بالإضافة إلي زيادة عزلة إسرائيل علي المستويين الإقليمي والدولي.
|
|
|
|
|
|
|
|