|
|
|
رسالة طوكيو : محمد إبراهيم الدسوقي
|
 | | مورى |
كثيرون صدقوا كويتشي كاتو حينما خلع قفازه والقاه بوجه رئيس الوزراء يوشيرو موري متحديا إياه علانية لتنحيته عن السلطة واقتنعوا بأن حديثه عن التغيير والاصلاح السياسي شعار حملة التمرد الجريئة التي قادها داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم حقيقة وليست وهما وانتظروا اكمال الرجل المشوار بقاعة البرلمان لدي التصويت علي اقتراح للمعارضة بحجب الثقة عن الحكومة اليابانية لكن إذا به يصب دشا باردا فوق رءوس الذين اعتقدوا وظنوا ان اليابان تقف بأعتباب نقطة فاصلة حاسمة تاريخها السياسي بمطلع الالفية الجديدة ويلقي باحلامهم الوردية التي انقلبت لأوهام وأحلام يقظة في جب عميق حالك الظلام وتحول من مقاتل مغوار للاصلاح إلي مخادع خسر تقريبا مستقبله السياسي وتصب عليه حاليا اللعنات ممن آمنوا بقضية التغيير وحتميته. وفجأة تبخرت الثقة الزائدة بالفوز والتي من فرط الحديث عنها يخيل للمرأ وكأن موري ساقط لامحالة ولن يملك مقاومة الطوفان المندفع بقوة تجرف من يحاول اعتراضه, تبخر كل هذا وتبدل ليحل مكانه التراجع ودموع الانهزم, فبينما انتظرت أحزاب المعارضة انضمام كاتو ومؤيديه لجلسة مجلس النواب التي عقدت الاسبوع الماضي كي يحسم مصير حكومة موري بشكل نهائي تخلف الرجل وأعلن تغيبه عن حضورها تاركا المعارضة غير المالكة للأغلبية بالمجلس تحت رحمة أغلبية الائتلاف الحكومي الشامل الحزب الحاكم وحزب المحافظين وحزب نيو كوميتو الذي استخدم قوته العددية لاجهاض الاقتراع لتمكين موري من البقاء برئاسة الوزراء لحين من الوقت يتوقع إلا يطول كثيرا. ولم يكن هناك بدا من الاندهاش لموقف كاتو الذي وقف يعلن في مؤتمر صحفي وعينه تدمع انه اضطر للتراجع مستخدما في توصيفه تعبير الانسحاب المشرف فحساباته لم تكن بالدقة اللازمة مع غياب استراتيجية مضمونة النجاح لتحقيق هدف اسقاط موري والحق بهذا اعتذاره للمواطنين لتدميره توقعاتهم المبنية علي تصديقه وليس هناك من تفسير سوي انه قبل بدء مسيرة تمرده التي استمرت قرابة12 يوما لم يخطط جيدا لما اقدم عليه باختياره التام والتي صورها البعض بأنها كانت وليدة لحظة سكر عندما ابلغ مجموعة صحفيين التقوا معه علي العشاء قبل الإعلان رسميا عما يعتزم فعله بعدها بعدة ساعات, بل خرج من يتساءل عما إذا كان الشيطان قد تلبسه ودفعة لهذه المغامرة غير المأمونة وبالفعل فقد خيب كاتو آمال اليابانيين الذين بعثوا إليه بنحو عشرة آلاف رسالة بريد الكتروني في الساعات الحاسمة السابقة لاقتراع حجب الثقة يعلنون من خلالها مساندتهم ومباركتهم لما يقوم به ـ كاتو كان يصله يوميا طول فترة تمرده مابين700 ـ800 رسالة.
والمشكلة الخطيرة التابعة لذلك إلحاق ضرر بالغ بمصداقية حديث الاصلاح السياسي فمن سيثيره في مرحلة لاحقة لن يجري التعامل معه بالجدية المطلوبة فالتجربة الفاشلة لكاتو ستجعل اليابانيين يشكون في جديته وصدقه بما يعني أن استعادة الثقة فيه محتاجة لوقت. ومن الملاحظ أن التوقعات من جانب الرأي العام الياباني كانت كبيرة نظرا لتحويل كاتو معركته ضد موري لمعركة إعلامية بواسطة موقعه علي شبكة الانترنت والاحاديث المتواصلة يوميا تقريبا لمختلف شبكات التليفزيون المحلية بهدف اشراك المواطنين فيما يجري لكسب أرضيه تأييد واسعة النطاق وهو ما انجزه بفترة بسيطة مع تطلع أغلبية اليابانيين للتخلص من حكومة موري بدليل التجاوب السريع من جانب المواطنين العاديين لمطالبته بتأييده وتصريحه المتكرر بانه لاينام سوي ساعات قليلة بسبب حرصه علي قراءة كل الرسائل الواصلة من المواطنين والتي كانت مصدر التشجيع والحافز له لمتابعة مابدأه لكنه للأسف لم يقدر بحساباته غير المضبوطة كيف سيكون رد فعلهم لاخفاقه المتعمد مع سبق الاصرار الذي هبط بهم دون مقدمات من عنان السماء إلي الارض. يدخل مع هؤلاء نواب البرلمان المؤيدون لكاتو وحليفه تاكو ياماساكي الذين ساروا في ركب التمرد غير انهم لم يحصدوا سوي الخيبة والاحباط وهو ماعبر عنه كويتشي ياماماتو ـ من جناح كاتو ـ بقوله: لقد تلقيت العشرات من رسائل البريد الالكتروني من الناخبين بدائرتي يحمل80% منها عبارات التشجيع فماذا عساي ان أقول لهم الآن؟!
ولكي يفهم لماذا تخاذل كاتو يجب معرفة ماوقع فيه من أخطاء نبدؤها بعدم تقديم الشرح الوافي لاغراضه لاعضاء جناحه الذي يتولي زعامته ويعتبر ثاني أكبر أجنحة الحزب الحاكم فمن الواضح انه تصرف بانفراد شبه كامل بالتشاور مع صديقه ياماساكي مما أحدث الانقسام بداخل الجناح مع انسلاخ عدد من أصحاب الوزن الثقيل بالمفهوم السياسي أهمهم كيتشي ميازاوا ـ81 عاما ـ وزير المالية الحالي ورئيس الوزراء الأسبق حينئذ وجد كاتو نفسه يقاتل في جبهتين الأولي فصيله المنشق واصبح خارج سيطرته التامة وسيقود لزعزعة زعامته له بالاسابيع المقبلة وربما يضطره للتخلي عنها والثانية الفصائل الرئيسية الأخري لاقناع عدد كبير من أعضائها بدعم جهوده. فوق هذا فانه لم يستطع التصدي لقوة تحرك العناصر القيادية بالحزب الحاكم للوقوف كجبهة موحدة لاعاقة اقتراع حجب الثقة والتي استخدمت فيها اساليب متنوعة تعتمد اساسا منهج الترهيب أكثر من الترغيب لان الحدث بحد ذاته عومل باعتباره غير معهود فكون عضو بارز به يعلن تأييده لاقتراح طرحته المعارضة مسألة بمنتهي الخطورة, يفرض المنطق الحزبي مواجهتها بحسم وقد نجحت الاساليب السابقة في شق صفوف جناح كاتو بل ربما استغلت معه بصورة ما,بدليل انسحابه قبل ساعة من بدء جلسة التصويت. والبادي ان الحزب الحاكم لجأ لسلاح لم يتوافر لدي كاتو سلاح مضاد لمقاومته وانهارت أمامه مقاومة الرجل الذي حبس أنفاس اليابان كلها لما يقترب من أسبوعين لدرجة اعتقد معها امتلاكه حصانة مانعة تبطل مفعول جميع أسلحة الحزب الحاكم العلنية والخافية.
وهنا نجد هيرومو نوناكا الأمين العام للحزب الليبرالي الديمقراطي هو المحرك لكل الخيوط وقائد عملية اجهاض التمرد فالرجل يتمتع بدهاء سياسي مشهود ويعد اقوي شخصية بالساحة السياسية حاليا, فضلا عن انه صاحب اختيار موري خلفا لرئيس الوزراء الراحل كيزو اوبوتشي ويبدو ان كاتو كان قليل الحيلة أمام نوناكا الذي وصفه بحديث تليفزيوني بأنه يتحدث مثل تلميذ, الأكثر من هذا انه لم يكتف فقط بحرقة سياسيا وانما تعمد اهانته بالتصريح بعدم تفكيره بمعاقبته بعدما أعلن مرارا ان من يساند الاقتراع أو يتغيب عن جلسة التصويت سوف يفقد عضوية الحزب وبالتالي راح كاتو ضحية للموج العالي ولطموحه الشخصي غير المحدود للجلوس علي مقعد رئيس الوزراء بما جعله يتعجل ولايحسب خطواته وتحركاته. لكن سقوطه لايعني بالضرورة ان الجانب الآخر كان الصائب وهو المخطئ فالدراما الأخيرة التي توقع لها كاتو ان تصبح الفصل الأول بمسرحية من عدة فصول أسدل الستار عليها قبل رؤيتها النور أوضحت بجلاء صعوبة الاصلاح الداخلي للحزب الحاكم باليابان وبينت ان الحزب سد أذنيه عن الاستماع للآراء المختلفة فيه وانحصر همه في الحفاظ علي المركب سائرة بنفس الاتجاه الجامد الموضوع منذ منتصف الخمسينات بدون تعديله ولو بقدر يتيح استيعاب المتغيرات السياسية والاقتصادية بالبلاد فكاتو حاول التخلص من سيطرة الفصائل الخمسة الرئيسية المكون منها الحزب وتدير الأمور وفقا لمصالحها ورغباتها فرغم انهيار شعبية موري واقتناع العديد من قادة وأعضاء الحزب بعدم صلاحيته للاستمرار في المنصب وتعريضه القدر البسيط المحقق من التحسن بالاقتصاد لخطر الضياع فقد استقر الرزي لجهة الابقاء عليه لأنها تريد السيطرة التامة علي من يجلس في مقعد رئاسة الوزراء ولاترغب في وقف صفقات الغرف المغلقة لدي اختياره حتي ولو كان عديم الكفاءة والمؤهلات والرؤية ومن ثم فإن اصلاح أوضاع الحزب ضرورة لامهرب منها لا سيما ان بذرة الانشقاق زرعت بالفعل وستزيد مع البحث عمن سيخلف رئيس الوزراء الحالي الذي لم يعد السؤال عما إذا كان سوف يستقيل أم لا ولكن متي سوف يستقيل؟!
فإجهاض اقتراع الثقة لم يسفر عن تحسين شعبية موري والتي استمرت في التدهور بما يؤكد رفض اليابانيين وجوده في قمة السلطة وكذلك أسواق المال المفترض ابتهاجها بالاستقرار السياسي حيث انخفضت اسعار الأسهم وسعر صرف الين مقابل الدولار الأمريكي مع اعلان بقاء موري بل إن الأمين العام للحزب الحاكم ذكر رئيس الوزراء بالايخطئ ترجمة ماحدث بأنه ثقة بحكومته بالأيام المقبلة لتقليص عدد الوزارات والوكالات الحكومية بداية2001 وهذه التغيرات سيترافق معها تغييرات بالحزب الحاكم أغلب الظن لن تمس الرؤوس الكبيرة كالأمين العام ومساعديه فكل ماسيحدث لن يعيد الثقة بسهولة بالنظام السياسي وفي السياسيين بصفة عامة, المفروض قيامهم بدور يعكس توجهات الرأي العام ورغباته وليس رش المعارضة بالمياه, كما فعل النائب كينشيرو ماتسونامي بالجلسة العاصفة لمجلس النواب في واقعة تسجل للمرة الأولي بالحياة النيابية باليابان منذ عام1948 تعبيرا عن الامتعاض لمقاطعة نواب المعارضة له لدي إلقائه كلمة يدافع بها عن بقاء موري. ولذا فإن فرصة رئيس الوزراء في الاحتفاظ بالمنصب الرفيع حتي موعد اجراء انتخابات رئاسة الحزب في سبتمبر المقبل تكاد تكون مستحيلة, فتجاهل رغبة المواطنين سيأتي بأثر عكسي سيتضح في نتائج انتخابات مجلس المستشارين في يوليو المقبل والحزب الليبرالي الديمقراطي غير راغب بجميع الأحوال في خسارتها وفقدان السلطة, وإجمالا فإن فشل تمرد كاتو أكد للمرة المليون مدي احتياج النظام السياسي الياباني للغربلة والاصلاح وبالنسبة لموري فإنه سيبقي حتي مارس المقبل بأقصي التقديرات لحين اعتماد الميزانية للعام المالي الجديد2001, وعندها سيظهر ماإذا كان الحرس القديم المفوض بتيسير كل الأمور قد استوعب درس الأزمة الأخيرة وقرر توجيه الدفة صوب الإصلاح والتغيير أم أن منطق الاستقرار سيكون له الغلبة.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|