قضايا و اراء

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

الدين‏..‏ والدولة‏..‏ وأمريكا
بقلم : د‏.‏ يحيي الجمل

يقوم الدستور الأمريكي علي قاعدة تقضي بفصل الدين عن الدولة‏,‏ فالدولة لا شأن لها بالدين‏,‏ والدولة ليس لها دين‏,‏ ومؤسسات الدولة تختلف وتنفصل تماما عن المؤسسات الدينية‏.‏
وهذا يعني ـ وفقا لما أخذت به المحكمة العليا في تلك البلاد ـ أن الدولة لا تشجع دينا ولا تحارب دينا معينا‏,‏ وانما تقف علي الحياد بين الأديان جميعا‏,‏ ومن المعروف أن المسيحية ـ الآن ـ تمثلها كنائس عديدة بينها وبين بعضها من الخلافات ما يدعو البعض إلي اعتبارها أديانا يتميز كل منها عن الآخر‏.‏ولما كان شعب الولايات المتحدة الأمريكية يقوم منذ كان علي مجموعات من المهاجرين جاءوا من أنحاء الأرض‏,‏ وحملوا معهم أديانهم ومعتقداتهم‏,‏ ولذلك فإنه من الطبيعي أن توجد كل الكنائس المسيحية في أمريكا‏:‏ الكنيسة البروتستانية‏,‏ والكاثوليكية‏,‏ والأرثوذكسية‏,‏ والكنيسة المورمونية‏,‏ وقد رأيت رجلا علي مستوي عال من التعليم من أرمينيا كان يريد أن يذهب إلي الكنيسة وتصادف أني كنت معه في سيارة واحدة‏,‏ وأخذتنا الفتاة المكلفة بإرشادنا إلي تلك الكنيسة‏,‏ بعد أن لاقت عنتا شديدا في الوصول إليها‏,‏ وفي الطريق سألته لماذا لا تدخل أي كنيسة من هذه الكنائس الكثيرة التي مررنا عليها‏..‏ هل الله الذي ستلقاه في هذه غير الله الذي ستلقاه في تلك؟‏..‏ ولم يجب الرجل‏,‏ ولكنه أصر علي مواصلة البحث عن الكنيسة الأرمينية‏,‏ وكان في غاية السعادة عندما وصلنا إليها بعد عناء شديد‏.‏وإلي جوار الكنائس المسيحية يوجد المسلمون من عديد من أرجاء الأرض‏,‏ منهم الهنود والإيرانيون والباكستانيون والمصريون‏,‏ وغيرهم وغيرهم‏.‏
وبطبيعة الحال يوجد اليهود‏,‏ وهم منذ الأزل شيع وأحزاب متخاصمة‏,‏ ولكنهم أدركوا الآن أن قوتهم في وحدتهم وسيطرتهم علي مؤسسات المال والإعلام‏.‏
وإلي جوار الديانات السماوية الثلاث يوجد البوذيون وأتباع كونفوشيوس وغيرهم وغيرهم‏.‏
والأصل الدستوري أن الدولة تقف من هذه الديانات جميعا وهذه الملل والنحل موقف الحياد لا تنحاز لهذه ولا تحارب تلك‏,‏ ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية ـ وفقا للدستور ـ دولة علمانية‏.‏
فما مدي صحة ذلك في واقع الحياة؟
يدعوني إلي إثارة هذا التساؤل وكتابة هذا المقال أنني عائد لتوي من مؤتمر دعت إليه واحدة من الجامعات الأمريكية العريقة‏,‏ وكان موضوع المؤتمر الحماية الدستورية لحرية الاعتقاد وقد حضر المؤتمر عدد من أساتذة القانون الدستوري في الجامعات الأمريكية ـ هارفارد وجورج تاون وغيرهما ـ وعدد غيرهم من الأكاديميين المهتمين بموضوع الحرية الدينية بصفة عامة‏,‏ وعدد آخر من الأساتذة والمهتمين بهذه القضية من خارج الولايات المتحدة الأمريكية‏.‏
وقد وجهت إلي الدعوة علي اعتبار أني من أساتذة القانون الدستوري‏,‏ وبمظنة أنني واحد ممن يؤمنون بحرية الاعتقاد إلي أبعد المدي‏,‏ والأهم من هذا أني علي معرفة ـ وإن كانت بسيطة ـ ببعض أساتذة الجامعة الداعية للمؤتمر‏.‏
وقد افتتح المؤتمر عضو مجلس الشيوخ عن الولاية‏,‏ وهو في الوقت نفسه رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشيوخ‏,‏ وهذا يوضح مدي الأهمية التي كان ذلك المؤتمر يحظي بها‏,‏ وكان خطاب ذلك السيناتور عبارة عن دراسة دستورية متعمقة لموضوع الحرية الدينية‏,‏ وكان الخطاب في كثير من عباراته يحاول أن يؤكد أن الدولة إذا كانت محايدة بين الأديان جميعا‏,‏ إلا أن الشعب الأمريكي شعب متدين ولا تعارض بين الأمرين‏,‏ وضرب السيناتور أمثلة من قضاء المحكمة الأمريكية العليا‏.‏
وأعقب السيناتور في حفل الافتتاح رئيس الجامعة‏,‏ ثم عميد كلية الحقوق بها‏,‏ ثم الأستاذ كول ديرهام مقرر المؤتمر وأستاذ القانون الدستوري بتلك الجامعة‏.‏
وتعددت بعد ذلك الكلمات والأبحاث والمناقشات‏.‏
وكان إسهامي البسيط في ذلك المؤتمر أنني عرضت لموقف الدستور المصري من حرية الاعتقاد وبينت أن الدستور ينحاز إلي حرية الاعتقاد ـ أيا كان ـ انحيازا كاملا‏,‏ وركزت علي المادة أربعين من الدستور‏,‏ التي تقرر أن المصريين أمام القانون سواء‏,‏ لا تفرقة بينهم بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الاعتقاد‏.‏
وعرضت بعض أحكام المحكمة الدستورية العليا في هذا الخصوص ـ وهي بكل المعايير مفخرة لمصر وقضائها وقضاتها‏.‏
وأشرت بعد ذلك إلي قضية أثارت كثيرا من الاهتمام وكثيرا من التقدير‏,‏ هذه القضية كانت منظورة أمام محكمة القضاء الإداري‏,‏ وفحواها بإيجاز شديد أن بعض الإخوة المسيحيين في مدينة من المدن أرادوا أن يقيموا كنيسة في حي من الأحياء‏,‏ وكان عددهم في ذلك الحي صغيرا جدا‏,‏ وكانت هناك في المدينة كنيسة أخري قريبة‏,‏ ورأت وزارة الداخلية أن الحاجة إلي بناء الكنيسة غير واضحة فرفع المتضررون من ذلك الأمر إلي القضاء الإداري وحكمت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار وزارة الداخلية وصرحت بإقامة الكنيسة‏,‏ وقالت إن عدد الطالبين مهما يكن صغيرا فإن ذلك لا يخل بحقهم في حرية الاعتقاد وفي ممارسة شعائرهم الدينية‏,‏ وبنيت الكنيسة بالفعل‏,‏ كنت سعيدا وأنا أعرض هذه القضية وكنت سعيدا وأنا أري تأثيرها علي وجوه السامعين‏.‏
علي كل حال‏,‏ فإن مساهمتي في ذلك المؤتمر ليست هي غرض هذا المقال‏..‏
في واحدة من المناقشات الحية الجميلة المتحضرة قال أحد دارسي القانون الدستوري من المحامين الأمريكيين‏:‏ إن الشعب الأمريكي شعب متدين‏..‏ صحيح أن الشعب الأمريكي عندما يختار رئيسه لا يختاره علي أساس ديني ـ ومعركة الرئاسة هناك علي أشدها في هذه الأيام ـ ولكن ذلك لا يمنع أنه من المقطوع به أنه لو قال أحد المرشحين مهما تكن مزاياه إنه ملحد وغير مؤمن بالله فإنه لن ينجح بيقين‏.‏
وأضاف ذلك الشخص في المناقشة أنه مع علمانية الدولة‏,‏ فإنه من الصعب أن ننكر ما تقدمه الدولة من مساعدات وخدمات وإعانات لبعض المؤسسات الدينية‏.‏
إن ميزانية الهيئة الكاثوليكية ـ التي هي جزء من الجامعة الكاثوليكية في واشنطن ـ تزيد علي بليوني دولار‏,‏ أكثر من ربعها معونة مباشرة من الحكومة الأمريكية بموافقة من الكونجرس‏,‏ ونسبة أخري كبيرة هي عبارة عن معونة من حكومة الولاية‏.‏
ما الذي يعنيه ذلك؟‏..‏ هل يتفق ذلك بدقة مع القول بعلمانية الدولة؟
قد لا يعرف كثيرون ـ وهو أمر عرفته أخيرا وأنا أحضر ذلك المؤتمر ـ أن جلسات مجلسي الكونجرس ـ الشيوخ والنواب ـ تفتتح بترتيل بعض الصلوات والأدعية‏,‏ ولا تبدأ الجلسات إلا بعد ذلك‏,‏ وأن هذا تقليد جري عليه العمل في كل من المجلسين التشريعيين منذ زمن طويل‏.‏
وقد دعيت إلي العشاء في بعض المنازل وبعض الحفلات ولاحظت ـ بالذات في ولاية يوتا وعاصمتها سولت ليك‏,‏ والتي يوجد بها ثلاثة مساجد‏,‏ اثنان للمسلمين السنة والثالث للمسلمين من الشيعة ـ لاحظت في هذه الحفلات أنهم قبل أن يتناولوا طعامهم يتجهون إلي الله ويغمضون أعينهم ويرددون بعض الدعوات ويتلون بعض الآيات من الإنجيل‏,‏ ويسألون الله أن يبارك لهم في طعامهم ويختمون الدعاء بقولهم آمين‏.‏
طبعا ليس كل الأمريكيين يفعلون ذلك قبل تناول طعامهم‏,‏ ولكن قيل لي ـ والعهدة علي الراوي ـ إن ذلك التيار يتزايد‏,‏ وإن الناس يشعرون أنه لا خلاص لهم من القلق والتوتر إلا بقدر من الإيمان‏.‏
وفي واحدة من حلقات المناقشة أثار وزير ألباني كان حاضرا مسألة حساسة بالنسبة للأمريكيين‏,‏ سأل الوزير الألباني إذا جاءت مساعدات مالية من الخارج لإحدي المؤسسات الدينية في بلد من البلاد‏,‏ ولكن تلك المساعدات كان لها هدف سياسي‏..‏ ألا يجوز للدولة المستقبلة أن تراقب هذه المساعدات؟‏.‏
وانبري أستاذ أمريكي قائلا‏:‏ إن رقابة مثل هذه المساعدات قد تثير كثيرا من المشكلات القانونية والدستورية‏,‏ وسأله الألباني فإذا افترضنا أن هذه الأموال جاءت من الخارج‏,‏ إلي الولايات المتحدة واستعملت استعمالا سياسيا ولم يجب الزميل الأمريكي إجابة مباشرة‏,‏ وانما قال‏:‏ علي كل حال من الناحية العملية فإن أجهزة الولايات المتحدة الأمريكية الرسمية المعلنة ترصد حركة الدولار سواء كان قادما أو خارجا رصدا دقيقا يكاد لا يفلت منه شيء‏.‏
والغريب أنه في الولايات المتحدة الأمريكية ـ الدولة العلمانية ـ صدر منذ عامين قانون يعطي لتلك الدولة الحق في التحري عن الحريات الدينية في البلاد الأخري‏,‏ وترتيب ما تمنحه تلك الدولة من مساعدات للدول الأخري‏,‏ علي أساس ما تكتبه سفاراتها عن مدي ممارسة الحريات الدينية في تلك البلاد‏,‏ بل وفرض جزاءات أحيانا‏,‏ ووجهت لمحدثي سؤالا عما إذا كانت مثل هذه التصرفات من الولايات المتحدة الأمريكية تتعارض أم لا مع نظرية السيادة التي مازالت أحد أركان القانون الدولي‏,‏ وأحد أسس ميثاق الأمم المتحدة‏..‏ فقال‏:‏ بداية إن نظرية السيادة التقليدية توشك أن تختفي‏..‏ ثم قال‏:‏ ومع ذلك فأنا ضد فكرة الجزاءات‏,‏ ولكننا أحرار في توجيه مساعداتنا‏.‏
وقلت له‏:‏ أريد أن أسألك بأمانة‏:‏ هل تقيمون دراساتكم علي معايير موضوعية واحدة‏,‏ أم أن هذه الدراسات التي تجرونها تميل مع أهواء الدولة؟‏..‏ وأدرك أنني أقصد إسرائيل والانحياز الأمريكي غير المحدود لها‏,‏ مع أنه لا صلة لهذه الدولة ـ إسرائيل ـ بالحرية الدينية‏..‏ وسكت الرجل ولم يجب‏,‏ ولم أرد أن أزيده حرجا‏.‏
الملاحظة المهمة التي خرجت بها من هذا المؤتمر وهذه المناقشات‏,‏ أن تيارا واضحا متناميا بين الناس في مراحل عمرية مختلفة بدأ يراجع نفسه في أمر الدين ومدي الأهمية النفسية والاجتماعية للعقيدة الدينية‏.‏
هل نعرف أن العملة الأمريكية المعدنية بكل قيمها من السنتيم إلي نصف الدولار من الفضة ـ كلها كتب علي أحد جانبيها عبارة‏INGODWETRUST‏ وهي عبارة معناها إننا نؤمن بالله‏..‏
هل إيراد هذه العبارة علي عملة الدولة الرسمية يتفق مع فكرة الفصل الكامل بين الدين والدولة؟‏..‏
أنا أعلم جيدا أنها ليست قضية سهلة‏,‏ وأن نتائجها في أي من الاتجاهين ليست محل اتفاق‏.‏وأتساءل من جديد في نهاية هذا المقال‏:‏ هل يتجه المجتمع الأمريكي إلي الدين من جديد أم أن ما رأيته في هذا المؤتمر وهذه المناقشات لا يعدو أن يكون نتوءا شاذا في بنية المجتمع الأمريكي؟‏!‏ أعتقد أن الجواب ليس أمرا سهلا‏...‏ والله المستعان علي كل حال‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب