|
|
|
|
|
يقوم الدستور الأمريكي علي قاعدة تقضي بفصل الدين عن الدولة, فالدولة لا شأن لها بالدين, والدولة ليس لها دين, ومؤسسات الدولة تختلف وتنفصل تماما عن المؤسسات الدينية. وهذا يعني ـ وفقا لما أخذت به المحكمة العليا في تلك البلاد ـ أن الدولة لا تشجع دينا ولا تحارب دينا معينا, وانما تقف علي الحياد بين الأديان جميعا, ومن المعروف أن المسيحية ـ الآن ـ تمثلها كنائس عديدة بينها وبين بعضها من الخلافات ما يدعو البعض إلي اعتبارها أديانا يتميز كل منها عن الآخر.ولما كان شعب الولايات المتحدة الأمريكية يقوم منذ كان علي مجموعات من المهاجرين جاءوا من أنحاء الأرض, وحملوا معهم أديانهم ومعتقداتهم, ولذلك فإنه من الطبيعي أن توجد كل الكنائس المسيحية في أمريكا: الكنيسة البروتستانية, والكاثوليكية, والأرثوذكسية, والكنيسة المورمونية, وقد رأيت رجلا علي مستوي عال من التعليم من أرمينيا كان يريد أن يذهب إلي الكنيسة وتصادف أني كنت معه في سيارة واحدة, وأخذتنا الفتاة المكلفة بإرشادنا إلي تلك الكنيسة, بعد أن لاقت عنتا شديدا في الوصول إليها, وفي الطريق سألته لماذا لا تدخل أي كنيسة من هذه الكنائس الكثيرة التي مررنا عليها.. هل الله الذي ستلقاه في هذه غير الله الذي ستلقاه في تلك؟.. ولم يجب الرجل, ولكنه أصر علي مواصلة البحث عن الكنيسة الأرمينية, وكان في غاية السعادة عندما وصلنا إليها بعد عناء شديد.وإلي جوار الكنائس المسيحية يوجد المسلمون من عديد من أرجاء الأرض, منهم الهنود والإيرانيون والباكستانيون والمصريون, وغيرهم وغيرهم. وبطبيعة الحال يوجد اليهود, وهم منذ الأزل شيع وأحزاب متخاصمة, ولكنهم أدركوا الآن أن قوتهم في وحدتهم وسيطرتهم علي مؤسسات المال والإعلام. وإلي جوار الديانات السماوية الثلاث يوجد البوذيون وأتباع كونفوشيوس وغيرهم وغيرهم. والأصل الدستوري أن الدولة تقف من هذه الديانات جميعا وهذه الملل والنحل موقف الحياد لا تنحاز لهذه ولا تحارب تلك, ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية ـ وفقا للدستور ـ دولة علمانية. فما مدي صحة ذلك في واقع الحياة؟ يدعوني إلي إثارة هذا التساؤل وكتابة هذا المقال أنني عائد لتوي من مؤتمر دعت إليه واحدة من الجامعات الأمريكية العريقة, وكان موضوع المؤتمر الحماية الدستورية لحرية الاعتقاد وقد حضر المؤتمر عدد من أساتذة القانون الدستوري في الجامعات الأمريكية ـ هارفارد وجورج تاون وغيرهما ـ وعدد غيرهم من الأكاديميين المهتمين بموضوع الحرية الدينية بصفة عامة, وعدد آخر من الأساتذة والمهتمين بهذه القضية من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. وقد وجهت إلي الدعوة علي اعتبار أني من أساتذة القانون الدستوري, وبمظنة أنني واحد ممن يؤمنون بحرية الاعتقاد إلي أبعد المدي, والأهم من هذا أني علي معرفة ـ وإن كانت بسيطة ـ ببعض أساتذة الجامعة الداعية للمؤتمر. وقد افتتح المؤتمر عضو مجلس الشيوخ عن الولاية, وهو في الوقت نفسه رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشيوخ, وهذا يوضح مدي الأهمية التي كان ذلك المؤتمر يحظي بها, وكان خطاب ذلك السيناتور عبارة عن دراسة دستورية متعمقة لموضوع الحرية الدينية, وكان الخطاب في كثير من عباراته يحاول أن يؤكد أن الدولة إذا كانت محايدة بين الأديان جميعا, إلا أن الشعب الأمريكي شعب متدين ولا تعارض بين الأمرين, وضرب السيناتور أمثلة من قضاء المحكمة الأمريكية العليا. وأعقب السيناتور في حفل الافتتاح رئيس الجامعة, ثم عميد كلية الحقوق بها, ثم الأستاذ كول ديرهام مقرر المؤتمر وأستاذ القانون الدستوري بتلك الجامعة. وتعددت بعد ذلك الكلمات والأبحاث والمناقشات. وكان إسهامي البسيط في ذلك المؤتمر أنني عرضت لموقف الدستور المصري من حرية الاعتقاد وبينت أن الدستور ينحاز إلي حرية الاعتقاد ـ أيا كان ـ انحيازا كاملا, وركزت علي المادة أربعين من الدستور, التي تقرر أن المصريين أمام القانون سواء, لا تفرقة بينهم بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الاعتقاد. وعرضت بعض أحكام المحكمة الدستورية العليا في هذا الخصوص ـ وهي بكل المعايير مفخرة لمصر وقضائها وقضاتها. وأشرت بعد ذلك إلي قضية أثارت كثيرا من الاهتمام وكثيرا من التقدير, هذه القضية كانت منظورة أمام محكمة القضاء الإداري, وفحواها بإيجاز شديد أن بعض الإخوة المسيحيين في مدينة من المدن أرادوا أن يقيموا كنيسة في حي من الأحياء, وكان عددهم في ذلك الحي صغيرا جدا, وكانت هناك في المدينة كنيسة أخري قريبة, ورأت وزارة الداخلية أن الحاجة إلي بناء الكنيسة غير واضحة فرفع المتضررون من ذلك الأمر إلي القضاء الإداري وحكمت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار وزارة الداخلية وصرحت بإقامة الكنيسة, وقالت إن عدد الطالبين مهما يكن صغيرا فإن ذلك لا يخل بحقهم في حرية الاعتقاد وفي ممارسة شعائرهم الدينية, وبنيت الكنيسة بالفعل, كنت سعيدا وأنا أعرض هذه القضية وكنت سعيدا وأنا أري تأثيرها علي وجوه السامعين. علي كل حال, فإن مساهمتي في ذلك المؤتمر ليست هي غرض هذا المقال.. في واحدة من المناقشات الحية الجميلة المتحضرة قال أحد دارسي القانون الدستوري من المحامين الأمريكيين: إن الشعب الأمريكي شعب متدين.. صحيح أن الشعب الأمريكي عندما يختار رئيسه لا يختاره علي أساس ديني ـ ومعركة الرئاسة هناك علي أشدها في هذه الأيام ـ ولكن ذلك لا يمنع أنه من المقطوع به أنه لو قال أحد المرشحين مهما تكن مزاياه إنه ملحد وغير مؤمن بالله فإنه لن ينجح بيقين. وأضاف ذلك الشخص في المناقشة أنه مع علمانية الدولة, فإنه من الصعب أن ننكر ما تقدمه الدولة من مساعدات وخدمات وإعانات لبعض المؤسسات الدينية. إن ميزانية الهيئة الكاثوليكية ـ التي هي جزء من الجامعة الكاثوليكية في واشنطن ـ تزيد علي بليوني دولار, أكثر من ربعها معونة مباشرة من الحكومة الأمريكية بموافقة من الكونجرس, ونسبة أخري كبيرة هي عبارة عن معونة من حكومة الولاية. ما الذي يعنيه ذلك؟.. هل يتفق ذلك بدقة مع القول بعلمانية الدولة؟ قد لا يعرف كثيرون ـ وهو أمر عرفته أخيرا وأنا أحضر ذلك المؤتمر ـ أن جلسات مجلسي الكونجرس ـ الشيوخ والنواب ـ تفتتح بترتيل بعض الصلوات والأدعية, ولا تبدأ الجلسات إلا بعد ذلك, وأن هذا تقليد جري عليه العمل في كل من المجلسين التشريعيين منذ زمن طويل. وقد دعيت إلي العشاء في بعض المنازل وبعض الحفلات ولاحظت ـ بالذات في ولاية يوتا وعاصمتها سولت ليك, والتي يوجد بها ثلاثة مساجد, اثنان للمسلمين السنة والثالث للمسلمين من الشيعة ـ لاحظت في هذه الحفلات أنهم قبل أن يتناولوا طعامهم يتجهون إلي الله ويغمضون أعينهم ويرددون بعض الدعوات ويتلون بعض الآيات من الإنجيل, ويسألون الله أن يبارك لهم في طعامهم ويختمون الدعاء بقولهم آمين. طبعا ليس كل الأمريكيين يفعلون ذلك قبل تناول طعامهم, ولكن قيل لي ـ والعهدة علي الراوي ـ إن ذلك التيار يتزايد, وإن الناس يشعرون أنه لا خلاص لهم من القلق والتوتر إلا بقدر من الإيمان. وفي واحدة من حلقات المناقشة أثار وزير ألباني كان حاضرا مسألة حساسة بالنسبة للأمريكيين, سأل الوزير الألباني إذا جاءت مساعدات مالية من الخارج لإحدي المؤسسات الدينية في بلد من البلاد, ولكن تلك المساعدات كان لها هدف سياسي.. ألا يجوز للدولة المستقبلة أن تراقب هذه المساعدات؟. وانبري أستاذ أمريكي قائلا: إن رقابة مثل هذه المساعدات قد تثير كثيرا من المشكلات القانونية والدستورية, وسأله الألباني فإذا افترضنا أن هذه الأموال جاءت من الخارج, إلي الولايات المتحدة واستعملت استعمالا سياسيا ولم يجب الزميل الأمريكي إجابة مباشرة, وانما قال: علي كل حال من الناحية العملية فإن أجهزة الولايات المتحدة الأمريكية الرسمية المعلنة ترصد حركة الدولار سواء كان قادما أو خارجا رصدا دقيقا يكاد لا يفلت منه شيء. والغريب أنه في الولايات المتحدة الأمريكية ـ الدولة العلمانية ـ صدر منذ عامين قانون يعطي لتلك الدولة الحق في التحري عن الحريات الدينية في البلاد الأخري, وترتيب ما تمنحه تلك الدولة من مساعدات للدول الأخري, علي أساس ما تكتبه سفاراتها عن مدي ممارسة الحريات الدينية في تلك البلاد, بل وفرض جزاءات أحيانا, ووجهت لمحدثي سؤالا عما إذا كانت مثل هذه التصرفات من الولايات المتحدة الأمريكية تتعارض أم لا مع نظرية السيادة التي مازالت أحد أركان القانون الدولي, وأحد أسس ميثاق الأمم المتحدة.. فقال: بداية إن نظرية السيادة التقليدية توشك أن تختفي.. ثم قال: ومع ذلك فأنا ضد فكرة الجزاءات, ولكننا أحرار في توجيه مساعداتنا. وقلت له: أريد أن أسألك بأمانة: هل تقيمون دراساتكم علي معايير موضوعية واحدة, أم أن هذه الدراسات التي تجرونها تميل مع أهواء الدولة؟.. وأدرك أنني أقصد إسرائيل والانحياز الأمريكي غير المحدود لها, مع أنه لا صلة لهذه الدولة ـ إسرائيل ـ بالحرية الدينية.. وسكت الرجل ولم يجب, ولم أرد أن أزيده حرجا. الملاحظة المهمة التي خرجت بها من هذا المؤتمر وهذه المناقشات, أن تيارا واضحا متناميا بين الناس في مراحل عمرية مختلفة بدأ يراجع نفسه في أمر الدين ومدي الأهمية النفسية والاجتماعية للعقيدة الدينية. هل نعرف أن العملة الأمريكية المعدنية بكل قيمها من السنتيم إلي نصف الدولار من الفضة ـ كلها كتب علي أحد جانبيها عبارةINGODWETRUST وهي عبارة معناها إننا نؤمن بالله.. هل إيراد هذه العبارة علي عملة الدولة الرسمية يتفق مع فكرة الفصل الكامل بين الدين والدولة؟.. أنا أعلم جيدا أنها ليست قضية سهلة, وأن نتائجها في أي من الاتجاهين ليست محل اتفاق.وأتساءل من جديد في نهاية هذا المقال: هل يتجه المجتمع الأمريكي إلي الدين من جديد أم أن ما رأيته في هذا المؤتمر وهذه المناقشات لا يعدو أن يكون نتوءا شاذا في بنية المجتمع الأمريكي؟! أعتقد أن الجواب ليس أمرا سهلا... والله المستعان علي كل حال.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|