قضايا و اراء

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

تجربة إمرأة عاملة في إنتخابات عام‏2000-4-‏
الشارع المصري والانحسار السياسي
بقلم : أمينة شفيق

أعرف‏,‏ نظريا‏,‏ أن إنحسارا سياسيا يحدث منذ فترة في الشارع المصري‏.‏ فالنشاط السياسي للأحزاب ليس ضعيفا فحسب وإنما غير موجود علي الاطلاق‏.‏ العمل الذي تقوم به الاحزاب‏,‏ وفي مقدمتها الحزب الوطني‏,‏ وعضواته وأعضائه هو مجرد خدمات شخصية وفي بعض الاحيان خدمات عامة للدائرة‏.‏ وأقول في بعض الاحيان خدمات عامة‏.‏ أما النشاط السياسي وقيادة الحوار والتوعية وكسب العضوية علي أساس فكري‏,‏ فهذه أعمال في تصنيفات أحلام اليقظة أو الاوهام‏.‏ وفي هذا الشأن لا أخص حزبا بذاته وإنما أتحدث عن كل الاحزاب السياسية المصرية‏.‏ فالاحزاب تنزل إلي الجماهير نزولا موسميا‏.‏ تنزل إليها في مواسم الانتخابات‏,‏ إنتخابات مجلس الشعب أو مجلس الشوري أو المحليات‏.‏ والقليل من هذه الاحزاب من ينزل إلي الجماهير ببرنامج عمل سياسي أو إجتماعي‏.‏ والقليل القليل من المرشحين من يتعطف علي هذه الجماهير ببرنامج عمل إنتخابي‏.‏ وبذلك صارت المعارك الانتخابية المصرية وكأنها مبارزة مالية أو شخصية رديئة بين أشخاص أو شخوص‏.‏ في حين أن الانتخابات في بلدان أخري‏,‏ أو كما يجب أن تكون‏,‏ تمثل حالة سياسية تفصل بين مرحلة وعي سياسي إجتماعي وأخري أرقي قليلا‏.‏ فالانتخابات في بلدان العالم ليست مجرد التصويت في الصندوق‏,‏ وإنما تبدأ بالعمل الحزبي المرتبط بالاداء الحكومي وتتبلور في البرامج السياسية لكل الاحزاب ثم تأخذ شكل الحوارات العامة والمناقشات التي تعبر عن التعددية الحقيقية‏.‏ تعبر عن الرأي والاراء الاخري‏.‏ وفي النهاية‏,‏ ونقول في النهاية‏,‏ يأتي وصول الناخب إلي الصندوق ليدلي برأيه الذي إستقر عليه بعد كل هذه الخطوات السابقة‏.‏ عملية متكاملة لايمكن فصل أحد أطرافها عن الاخر‏.‏ لكن في مصر باتت الانتخابات تأخذ مسارها الضيق المحدود وهو إمتلاك الصندوق وفقط‏.‏ سواء تم هذا الامتلاك بالمال أو بالبلطجة أو التزوير‏,‏ مهملين الحوار والفكر وحتي الصالح العام سواء كان وطنيا أو إجتماعيا‏.‏ وكأن المواطن المصري أداة نحركه كما نريد‏.‏ وكأنه ليس عنصرا دافعا لتاريخ أمته ولمستقبل شعبه‏.‏
لكن لماذا وصلت أحزابنا السياسية إلي هذا المستوي من الاداء المتراجع‏,‏ بالرغم من أننا نملك عددا منها وبالرغم من أن كل هذه الاحزاب تملك المقار وأن البعض منها يملك الصحف الاسبوعية واليومية ويملك حتي الموقف المعارض الصلب‏.‏ لماذا وصلت أحزابنا‏,‏ ونحن نؤكد أننا نملك التعددية السياسية‏,‏ إلي هذا المستوي المتراجع في المواسم الانتخابية وفي غيرها من المواسم غير الانتخابية؟ لقد تجسد أمامي هذا التراجع في تجوالاتي النقاشية والفكرية في الدائرة‏.‏ كنت أشعر بشكل ملموس بذلك التراجع الحزبي السياسي الذي يعشعش في الشارع المصري بالرغم من وجود العشرات من القيادات المحلية الطبيعية في كل دائرة وفي كل شياخة وربما في كل شارع وفي كل حارة‏.‏ قيادات غير حزبية يتجمع حولها الناس ويتحاورون معها في مشاكلهم العادية اليومية بحثا عن حلول لها‏.‏ قيادات طبيعية تحمل في ضميرها هموم بلدها وتتحدث عنها بهدوء وبلا عصبية‏.‏ هنا نجد الاستاذ نور شعبان المحامي وهناك الاستاذ الجليل سيد عبد العزيزوفي الجانب الاخر نجد الاستاذ فؤاد حبيب وعلي الجانب الغربي من الدائرة نجد الاستاذ محمود عبد الرحمن المحامي ثم زميله الاستاذ محمد حمدان وهناك الاستاذ فريد حسني وفي الجنوب يوجد الاستاذ مصطفي عمار أما في الشارع الكبير المزدحم فنجد أبناء البلد الطيبين العاديين سعيد الكحلاوي وأمل عويضة و‏..‏ و‏..‏ وغيرهم بالعشرات بل بالمئات‏.‏ لماذا لم تستوعب حركة الاحزاب السياسية كل هؤلاء؟ هل هو عيب فيهم أم عيب في الاحزاب أم عيب في الحياة الحزبية في مصر؟

صدمت عدة مرات وأنا أسير مع الزميلين يحيي الشربيني وأحمد عبد الله في حواري الدائرة فأجدهم يخترقون الصفوف ليعانقوا رجالا في عمرهم إزايك يا يحيي‏.‏ والله زمان‏.‏ إنت فين دلوقتي؟ أهلا يا أحمد‏.‏ إنت فين وفين الايام الحلوة‏!‏ بعد التحية والسلام عن الاحوال والاولاد والاحفاد أجد الزميلين وقد إستدارا إلي معلهش يا أستاذة‏,‏ دول زملاؤنا القدامي في منظمة الشباب في بولاق‏.‏ وبعد أن تكررت هذه اللقاءات أطلقت عليهما تسمية فريق شباب الستينات الذي سيوصلني إلي المجد‏.‏ يتعارف ويتعانق أفراد الجيل القديم الذي إنتمي في الاساس للحركة السياسية في تلك الحقبة‏,‏ ولكني لم أصادف علاقة سياسية مستقرة تجمع بين الناس أو تقرب بينهم أو حتي توجد النقاش والحوار مع بعضهم البعض‏.‏
تذكرت عام‏1976.‏ العام الذي قامت فيه المنابر من رحم الاتحاد الاشتراكي القديم والتي تحولت إلي أحزاب في وقت لاحق‏.‏ أتذكر هذه الفترة وتحديدا أتذكر تلك المجموعة المتمايزة من العاملين في مؤسسات الاعلام والصحافة ومن سكان وأهالي حي بولاق أبو العلا الذين كانوا أعضاء في منبر اليسار الذي تحول إلي حزب التجمع‏.‏ شد العمل السياسي حينذاك العديد من البشر العادي من أهالي الدائرة من المهنيين والعمال والحرفيين‏.‏ أناس كثيرون كثيرون‏.‏ كنا كوكبة كبيرة من البشر‏.‏ يملؤها الحماس للعمل السياسي العام‏.‏ وكنا نشارك مع المنابر الاخري المقر القديم للإتحاد الاشتراكي العربي في الدائرة والمطل علي شارع‏26‏ يوليو عندما يقترب من اللقاء بكوبري أبو العلا القديم‏.‏كان لكل منبر غرفة يحمل بابها لافتته‏,‏ يجتمع فيها أعضاؤه ويمارسون فيها نشاطهم ويحتفظون فيها بأوراقهم‏.‏ وبالتدريج بدأت محاصرتنا‏.‏ نذهب مرة إلي الاجتماع فنجد الغرفة وقد أغلقت والمفتاح مع مسئول المقر‏.‏ معلش أصله راح مشوار صغير‏.‏ فننتظر المسئول لساعة أو ساعتين‏.‏ ومرة أخري ننتظر المسئول الغائب والذي يختفي نهائيا‏.‏ وفي المرة الثالثة نجد المقر وقد أغلق بأكمله وغاب المسئول كما غابت المنابر والاحزاب‏,‏ ثم نعرف أن المسئول غاب في إجازة طويلة ومعه المفتاح‏.‏ ومرة رابعة نجد أوراقنا الحزبية وقد ألقيت في صناديق القمامة بعد أن إستولوا علي كل المقاعد الموجودة في الغرفة‏.‏ ثم أخيرا لم نجد المكاتب أو اللافتة وتم طردنا من المقر بعد أن أستولي حزب الحكومة علي الشقة كلها وبأكملها‏.‏وقدموا لنا مقرا آخرا آيلا للسقوط‏.‏ وقد إنهارت دورات مياهه بالفعل‏.‏ هذا غير الملاحقات الامنية المتواصلة للأعضاء والتي تصاعدت إلي قمتها في أحداث يناير‏1977.‏ الخلاصة أنه قدتم محاصرتنا بحيث أنهك الاعضاء العاديون ثم تعبوا وسئموا الوضع وبدأوا يتسألون عن مصداقية التعددية الحزبية الموجودة والتي يسمعون عنها‏.‏
هذا ما حدث لنا كأعضاءفي حزب معارض صغير في إحدي الدوائر‏,‏ وأتصور أنه حدث للآخرين في الاحزاب المعارضة الاخري لكني أؤكد أنه حدث لزملاء لنا في الحزب في دوائر ريفية وحضرية عديدة‏.‏ ومع ذلك نحاول إيجاد التبرير‏.‏فربما تصروفوا معنا بهذه الطريقة ليقوموا هم بالعمل المطلوب بمفردهم‏.‏ قد يكونوا قد تصوروا أنهم محبين لهذا الوطن أكثر منا ياريت‏.‏ والله نفرح لهم‏.‏ أو كانوا واثقين أنهم يستطيعون القيام بالعمل الوطني والاجتماعي كله والله خير وبركة‏,‏ علي الاقل نستريح‏.‏ لكنهم للأسف الشديد‏,‏ لم يعملوا ولم يجتهدوا سياسيا فتركوا الساحة السياسية هائمة علي وجهها يميزها هذا الفراغ السياسي الذي ولد وبدأ ينمو‏.‏ ولكنهم صمموا‏,‏ وإزدادوا تصميما‏,‏ علي ألا يسمحوا للآخرين بالعمل‏.(‏ لم يرحموا ولم يتركوا رحمة ربنا تنزل علي الشارع المصري‏).‏
لكن وفي كل لحظة لابد من التذكرة‏,‏ وتكرار التذكرة‏,‏ أنه حسب القوانين العامة التي تحكم حركة الناس وفكرهم‏,‏ لايوجد شييء إسمه فراغ سياسي‏.‏ لابد لكل فراغ أن يملأ‏.‏ إن لم نملؤه نحن ملأه غيرنا‏.‏ وهذه سنة الحياة الانسانية منذ الخليقة وسنة قوانينها الطبيعية أوالاجتماعية وقاعدة من قواعدها الثابتة‏.‏

الفكرة الاساسية للتعددية والقاعدة الثابتة التي تتحرك عليها أن التعددية ليست في التعددية الحزبية المجردة هذه والتي لا تظهر لا يتبينها الناس إلا في مواسم الانتخابات‏,‏ وإنما تكون التعددية في هذا التنوع الفكري الواسع والمتباين الذي يعيش في الشارع المصري ويتعايش معه الانسان المصري في كل يوم وفي كل حدث والذي يتمخض عنه هذا التراكم الفكري الواصل والصاعد إلي قمته في صندوق الانتخاب‏,‏ المحطة الاخيرة للإنتقاء السياسي‏.‏
ولأننا لم نأخذ من التعددية السياسية إلا مظهرها الحزبي فإن ذلك البعض منا الذي صمم علي ألا يعمل وعلي ألا يترك الاخرين ليعملوا‏,‏ يضطر إلي اللجوء إلي كل الاساليب التي تحقق له السيطرة علي الصندوق الذي تحول في النهاية إلي بطل الانتخابات وهدفها الوحيد‏.‏ وعندما تيقن أن الصندوق لم يعد تحت تصرفه المطلق بدأ يتمسك بالخيوط الموصلة له أو التالية له‏,‏ القيد في الجداول‏,‏ كشوف وجداول الانتخابات وما تحتويه من متناقضات وأخطاء وإرتباكات وتفاوتات ثم في النهاية حراسة أبواب اللجان من كل من تسول له نفسه التصويت للمعارضة أو حتي لهؤلاء المستقلين الذين هم في الاساس غير مستقلين فكريا وإنما تنطبق عليهم تسمية غير الحزبيين‏.‏ فالعمل السياسي لايعرف إنسان سياسي يخوض معركة إنتخابات برلمانية وهو في حالة إستقلال سياسي عن كل الافكار المطروحة في المجتمع‏.‏ فعلي أي أساس سيشارك في صياغة القرار التشريعي السياسي‏.‏ وإنما تصدق عليه العبارة التي ذكرتها وهي غير الحزبي‏.‏
لكن وعندما نأتي إلي معركة عام‏2000‏ فسوف نجد فيها مستجدين إثنين علي المجتمع المصري‏,‏ أولهما هو نزول مائة وعشرين إمرأة مصرية لخوض المعركة والثاني هو الرغية الملحة من كل القوي الديمقراطية والمحبة لمصر لإيصال مصريين أقباط إلي مجلس الشعب من خلال الصندوق الانتخابي بمعني بالارادة الشعبية‏.‏خلال خوضي للمعركة الانتخابية في دائرة بولاق أبو العلا‏,‏ كنت أتابع موقف الحزب الوطني وأعضائه‏,‏ الذين يخوضون الانتخابات والاخرين الذين يناصرونهم‏,‏ مني كعنصر نسائي يخوض الانتخابات مع هذا العدد غير المسبوق من النساء المصريات‏.‏ كما كنت أتابع من بعيد‏,‏ وبحكم إنشغالي في المعركة‏,‏ موقف ذات الحزب وأعضائه من ترشيح العناصر المصرية القبطية‏.‏ وبالنسبة لي لم أتوقع ولم أطالب أن تصوت عضوات الحزب الوطني لي لمجرد أني إمرأة وإنما كنت أتابع مدي قناعتهن بهذه النداءات التي تنطلق من القيادة السياسية لهذه البلاد‏.‏ أليست قضية المرأة هي قضيتهن‏,‏ أو هي علي الاقل قضية النساء المستضعفات الواقعات تحت رعايتهن؟ وكنت أتابع مدي إلتزام الحزب الوطني وعضواته وأعضائه بهذين الموقفين ولو من الناحية الادبية‏,‏

الاول‏,‏ هو ذلك التوجه السياسي العلوي الصارد لصالح المرأة وتشجيعا لها‏.‏
والثاني‏,‏ هو المسعي الحقيقي لكل القوي الديمقراطية في البلاد والساعية لدعم وتقوية الوحدة الوطنية المصرية‏.‏
لم أكن أتصور للحظة واحدة أن أحزاب المعارضة‏,‏ بكل ما لها وما عليها‏,‏ أكثر إلتزاما من الحزب الوطني الحاكم بهذين الموقفين القوميين‏.‏ لقد تصرف الحزب الكبير بمفهوم حزبي ضيق الافق‏.‏ كان الصندوق والمقعد أهم من أي موقف يمكن أن يتخذه‏,‏ حتي لو كان شكليا‏.‏ وقد إتضح فيما بعد‏,‏ أنه لم يكن موقفا شخصيا مني بقدر ما كان موقفا عاما منا نحن الآتي إستجبنا للتوجه السياسي أو للنداء السياسي‏,‏ حكايات وحكايات عن معناتنا من جهاز الدولة ومن الحزب الوطني‏.‏ عنمدما إلتقينا في مؤتمر قمة المرأة العربية‏,‏ بدأت كل واحدة منا تروي عن حكاياتها وهي حزينة متألمة للمدي الذي وصلنا إليه‏.‏ أردت أن أخفف عنهن قلت إيه أنتم واخدنها دراما ليه‏,‏ ده قمة الكوميديا السياسية‏.‏ إحنا عملنا إللي علينا وهم أحرار‏,‏ يروحوا يدافعوا عن تصرفاتهم قدام خلق الله‏.‏ أضحكوا إضحكوا علي التخلف‏.‏

كنت مع زميلي حسين كمون عضو الجمعية العمومية في جريدة الاهرام عندما علمت أن مرشح كبير قال وسط حشد من مؤيديه هي جاية ترشح نفسها هنا ليه‏,‏ هي بولاق أبوالعلا ناقصة نسوان؟
مسكين‏,‏ يعاني من حيز ثقافي ضيق‏,‏ ضاغط علي فكره ومنطوقه للألفاظ‏,‏ فبات لايعرف الفرق بين النسوان والنساء العاملات‏.‏
وللحديث بقية ممتدة

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب