قضايا و اراء

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

مدرسة الجواسيس‏!‏
بقلم : رجب البنا

لم يكن مفاجأة خبر القبض علي جاسوس مصري يعمل لحساب المخابرات الاسرائيلية‏(‏ الموساد‏)‏ وينقل اليها تقارير تحمل بعض أسرار الدولة السياسية والعسكرية والاقتصادية بالقدر الذي استطاع الحصول عليه‏..‏ ولم يكن غريبا ما كشفته التحقيقات من أن هذا الشاب المصري تم تجنيده وتدريبه في بعض دول أوروبا علي أيدي ضابط روسي هارب من الجندية في بلده ويعمل جاسوسا لاسرائيل وصائد جواسيس لها ثم علي يد ضابط الموساد‏.‏
ولو شعرنا بالدهشة لهذه القضية لكان ذلك دليلا علي غفلتنا وعدم ادراكنا حقيقة المخاطر التي تحيط بنا‏,‏ والتي تحاول ان تتغلغل داخل صفوفنا‏,‏ ونحن كل يوم نردد أننا نعيش عصر المعلومات‏,‏ وان من يمتلك المعلومات يمتلك قوة لا يستهام بها ومن يحصل علي معلومات أكثر عن دولة لديه فرصة أكبر لاختراق أمنها القومي والسيطرة علي عقول أبنائها وغرس أفكار واتجاهات نفسية وسلوكية تجهض قدراتهم وتضعف روحهم المعنوية‏.‏
اذا لم يكن كل المصريين دون استثناء علي وعي بذلك فلن ندرك الدور الذي تقوم به بعض الفضائيات وبعض الأقلام العربية في داخل الوطن العربي والمهاجرة في الخارج التي تنشر فكر الهزيمة‏,‏ وتسعي بذكاء ودهاء شديدين لإضعاف الارادة‏,‏ وافراغ القدرة في المقاومة‏,‏ والتأثير علي الروح المعنوية بشكل عام‏..‏ وفوق ذلك تضرب في عمق الوجدان العربي بالتشكيك في امكان التضامن العربي‏,‏ والتشكيك في بعض القادة العرب المؤثرين‏,‏ والتشكيك في قدرة الشعوب العربية علي الفعل والإيقاع بين الشعوب العربية وقياداتها وبين الشعوب العربية وبعضها‏..‏ وغير ذلك من الأهداف السياسية والسيكولوجية التي يسميها الخبراء الحرب النفسية‏.‏

ولا يحتاج الأمر الي ذكاء ومجهود لمعرفة حقيقة الدور الذي يقوم به جهاز الموساد‏,‏ وهناك مئات الكتب التي كتبها ونشرها البحوث اسرائيليون فضلا عن مئات الكتب التي صدرت عن مراكز الأبحاث والجامعات الأوروبية والأمريكية والاسرائيلية أيضا‏,‏ ويكفي أن نشير الي كتاب شهير سبقت ترجمته عدة مرات للغة العربية عنوانه الموساد‏:‏ جهاز المخابرات الاسرائيلية السرية‏..‏ قصص من الداخل من تأليف ثلاثة باحثين اسرائيليين ونشر كتابهم بالعبرية في اسرائيل وبعدة لغات أوروبية‏,‏ وقالوا في أول سطر منه إن المعرفة هي خط الدفاع الأول لاسرائيل‏(‏ وهم كأسرائيليين يستخدمون كلمة الدفاع بدلا من كلمة الهجوم أو العدوان وهذا هو القاموس السياسي الاسرائيلي الخاص بقلب الحقائق والتمويه‏)‏ وقالوا أيضا ان اسرائيل تعتمد علي المعرفة الدقيقة والشاملة للانشطة التي يقوم بها‏(‏ اعداؤها‏)‏ أكثر مما تعتمد علي مدفعيتها أو مقاتليها أو أساطيلها البحرية‏..!‏ ولذلك اهتم بن جوريون بنفسه بانشاء جهاز المخابرات من خمسة أفوع يمثل شين بيت الرئيسي فيها وهو الذي يقوم بتهجير اليهود منذ الانتداب البريطاني حتي اليوم‏,‏ وفرع اليابيت المخصص لاغراء اليهود في الدول العربية علي الهجرة الي اسرائيل‏,‏ وفي وزارة الخارجية مجموعة أخري للمخابرات دورها ادارة العلاقات مع المسئولين عن المخابرات في الدول الأخري وتبادل المعلومات والتنسيق والتعاون‏..‏ وفي عام‏1951‏ أعاد بن جوريون تنظيم أجهزة المخابرات المتعددة فانشأ منظمتين رئيسيتين إحداهما فرع المخابرات العسكرية‏(‏ أمان‏)‏ لجمع المعلومات العسكرية من الدول العربية وغيرها من الدول‏,‏ وفرع المخابرات‏(‏ الموساد‏)‏ ومهمته جمع وتحليل المعلومات عن كل الدول التي تمثل أهمية لاسرائيل بما في ذلك الولايات المتحدة ودول أوروبا وآسيا وأفريقيا والأولوية للدول العربية‏!‏ بالاضافة الي القيام بعمليات خاصة مثل عمليات التخريب والاغتيال‏,‏ وخطف قادة المنظمات الفلسطينية‏,‏ وقد تعددت هذه العمليات وتوسعت فيها المخابرات الاسرائيلية حتي أصبحت معروفة عالميا بأنها من أكثر أجهزة المخابرات لتخطيط وتنفيذ الأنشطة التخريبية مستعينة بالمعلومات التي تحصل عليها من عملائها‏,‏ وهي كما قالت مجلة تايم الأمريكية منذ سنوات كبيرة من حيث العدد والتمويل ولا تقل عن المخابرات الأمريكية أو الروسية أو البريطانية‏..!‏ ولذلك فهي تشارك في وضع السياسات وفي القرار في اسرائيل‏,‏ وبالتالي شاركت في الانتصارات والهزائم الاسرائيلية‏,‏ مع ذلك فإن ملفات الموساد تنطق بعمليات فاشلة‏,‏ وفي هذا الكتاب قصص واقعية منها‏,‏ وفي كتب أخري قصص عن نجاح أجهزة مخابرات خارجية في اختراق المجتمع الاسرائيلي‏..‏ وهكذا تدور حرب المخابرات في العالم‏.‏

وليس المهم الآن القصص والمعلومات عن نشاط وخطورة هذا الجهاز فهي مثل كل أجهزة المخابرات مع فارق مهم هو أن نشاطها الرئيسي موجه للدول العربية‏,‏ وها هي الأيام تثبت ان هذا النشاط لم يتوقف ولم يقل في ظل معاهدة السلام واعلان قادة اسرائيل المتكرر أنهم يريدون السلام مع العرب وتطبيع العلاقات‏.‏
ما يهم في قصة الجاسوس المصري الأخير هو ضرورة توعية الشباب بهذه المخاطر‏,‏ وتدريبهم علي اليقظة والانتباه‏,‏ وتحصينهم ضد الاغراءات لخيانة وطنهم‏,‏ وتوجيههم الي عناصر وضرورات الحفاظ علي الأمن القومي‏,‏ ليس فقط بعدم افشاء اسرار عسكرية‏,‏ ولكن أجهزة المخابرات تعمل الآن علي جمع كل المعلومات ابتداء من المعلومات الاقتصادية حول الاستثمار والزراعة والسياحة والمشروعات والتمويل وانشطة أسواق المال والمشكلات التي تواجه الشركات وبعض المديرين والمسئولين‏,‏ أو معلومات ذات طابع اجتماعي مثل التشريعات والعلاقات داخل الأسرة ووضع المرأة ومشكلات الاسكان والبطالة والجماعات ذات النشاط السياسي والديني وجماعات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني وقياداتها وطبيعة شخصية كل منهم‏,‏ ونقاط الضعف فيها التي يمكن السيطرة عليه منها‏,‏ وباختصار فإن كل المعلومات تدخل ضمن نشاط أجهزة جمع المعلومات في المخابرات حتي ما هو معروف ومنشور في الصحف والتقارير والاحاديث العامة والاذاعة والتليفزيون‏..‏ لان هذه المعلومات العادية المعلنة التي ليس لها طابع السرية تكمل الصورة وتساعد علي تخطيط العمليات التي تقوم بها المخابرات‏.‏
وليس في مناهج الدراسة عندنا شيء عن الأمن القومي سواء علي مستوي التعليم العام أو العالي أو الجامعي‏,‏ وكذلك ليس في المؤسسات والمواقع ذات النشاط الاقتصادي والسياسي وسائل تأمين كافية للمعلومات نتيجة ضعف الشعور بأن المعلومات العادية يمكن أن تكون ضمن اهتمامات مخابرات الدول الأجنبية‏..‏ ومنذ فترة قامت الحكومة الألمانية بطرد الملحق التجاري الأمريكي واتهمته بالتجسس وجمع معلومات اقتصادية وتكنولوجية وبحوث علمية عن المعامل ومراكز البحوث في الشركات الكبري والجامعات برغم ما بين ألمانيا وأمريكا من علاقات صداقة وتعاون‏,‏ وتتكرر مثل هذه القصة كثيرا لتدل علي أن دور أجهزة جمع المعلومات لا يتوقف ولا يقل في زمن السلم والعلاقات الجيدة بين الدول‏,‏ بل إن هذه هي الأنسب لكشف المستور والتغلغل في الاعماق واختراق كل الجبهات حيث يقل الاحتياط والتحفظ‏.‏
هذه القضية انذار جديد‏,‏ ليس للأجهزة اليقظة بطبيعتها‏,‏ لكن للأجهزة الغافلة‏,‏ وللشباب المطمئن‏,‏ ولوزار الشباب بصفة خاصة‏,‏ واذا لم تنجح هذه الوزارفي وقاية وتحصين الشباب من الوقوع في فخاخ هذه الأجهزة فماذا يتبقي ليبرر وجودها‏..‏؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب