قضايا و اراء

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

قنبلة موقوتة في لبنان
بقلم : إحسان بكر

في لبنان‏..‏ قنبلة موقوتة نحذر من انفجارها‏,‏ لأن نتائجها سوف تمتد الي كل دول المنطقة‏,‏ في الأراضي الفلسطينية المحتلة حرب اسرائيلية شاملة بالطائرات والدبابات ضد الشعب الفلسطيني الاعزل‏.‏ وحصار اقتصادي كامل والشهداء بالمئات وخطر المجاعة يهدد شعبا بأكمله‏.‏
وفي بيروت تتحرك الفتنة من جديد ويتظاهرون ضد الوجود السوري في لبنان واذا كانت اسرائيل قد اضطرت للانسحاب من لبنان بلا قيد أو شرط‏..‏ فعلي سوريا ان تسحب جيشها هي الأخري من لبنان‏!!‏
ومن العيب‏..‏ بل من العار ان تكون هناك مقارنة بين جيش الاحتلال الاسرائيلي والجيش العربي السوري الذي دخل الي لبنان بطلب رسمي من الدولة اللبنانية‏.‏ ومن العار ان يرتفع مثل هذا الشعار الآن وفي مثل هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها قضية الشرق الأوسط‏.‏

وقبل أي شيء آخر علينا أن نعترف ـ وهنا حقيقة لا يستطيع التشكيك فيها أي طرف ـ بأنه لولا التدخل السوري في لبنان عبر اتفاق الطائف لما استطاع لبنان استعادة عافيته واستقراره‏.‏ ثم علينا ان نعترف كذلك بأنه لولا الوجود السوري في لبنان ولولا الدعم السوري غير المحدود للبنان ولحركة المقاومة الوطنية ولحزب الله لما أمكن طرد جيش الاحتلافا الاسرائيلي من لبنان‏.‏
لقد شهدت الساحة اللبنانية في الآونة الاخيرة انقسامات واسعة ومناظرات وسجالات وتصريحات بعضها يطرح المطالبة بإعادة النظر في الوجود السوري في لبنان خاصة بعد انسحاب القوات الاسرائيلية وتحت عناوين السيادة والاستقلال والحرية والديمقراطية‏..‏ والبعض الآخر يطرح عروبة لبنان كتعبير عن التمسك بالوجود السوري‏.‏
ورغم أن الرئيس اللبناني العمار اميل لحود رد بحسم مؤكدا ان الوجود السوري في لبنان وجود شرعي ومؤقت وتمليه المصلحة اللبنانية العليا دون سواها‏.‏ ورغم ان رئيس الوزراء رفيق الحريري امتدح العلاقات المتميزة بين دمشق وبيروت ورفض جميع الدعوات التي صدرت من قوي لبنانية لإعادة نشر الجيش السوري في هذا التوقيت بالذات‏..‏ ومع تأكيد رئيس المجلس النيابي نبيه بري ان القيادتين اللبنانية والسورية ستجتمعان في القريب العاجل لتحديد مراكز إعادة تمركز القوات السورية في لبنان وفقا لاتفاق الطائف‏,‏ وتأكيده ان لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه وأن النظام الديموقراطي في لبنان يفرض ان تحكم الأكثرية الأقلية بالحرية والديموقراطية وأنه من العيب القول أن علي سوريا ان تسحب جيشها من لبنان لان اسرائيل انسحبت‏.‏
رغم تأكيدات السلطة الشرعية في لبنان بأهمية وضرورة استمرار المسار السوري اللبناني فإن أكثر من جهة ترفع الآن شعار المطالبة بالتحرر من الهيمنة الخارجية واستعادة الاستقلال المسلوب ووقف التدخلات الوقحة في شئون لبنان الداخلية والحفاظ علي خصوصية لبنان الحضارية القائمة علي ممارسة حرية الرأي والتفكير ووضع خطة واضحة تحدد تاريخ انسحاب الجيش السوري ـ‏35‏ ألف جندي ـ من الاراضي اللبنانية مع وجوب اسناد الأمن الي قوي لبنانية‏.‏

وللوجود السوري العسكري في لبنان قصة‏.‏ ففي ربيع عام‏1976‏ دخلت قوة عسكرية سورية يبلغ عددها نحو‏35‏ ألف جندي استجابة لطلب رسمي لبناني لوضع حد للحرب الأهلية التي كان قد اندلعت في‏13‏ ابريل‏1975‏ بين الفصائل الفلسطينية المسلحة والاحزاب المسيحية اللبنانية‏.‏
واللافت للنظر أن التدخل العسكري السوري في لبنان جاء بناء علي طلب وإلحاح من الجبهة اللبنانية التي كانت تجمع كل القيادات والقوي والاحزاب المارونية المسيحية لوضع حد للنشاط الفلسطيني المسلح علي الاراضي اللبنانية‏.‏
منذ أكثر من اربعة وعشرين عاما تدخلت سوريا عسكريا في لبنان بطلب ماروني مسيحي‏..‏ والآن تطالب بعض القيادات المارونية بانسحاب سوريا من لبنان بعد أن استعاد البلد عافيته وانسحبت اسرائيل‏!!‏

قبل‏24‏ عاما تمكنت القوات السورية من وقف الاقتتال في لبنان‏.‏ وأمنت انتقال الرئاسة دستوريا من الرئيس سليمان فرنجية الي الرئيس الياس سراكيس الذي انتخب في قاعدة رياف الجوية في منطقة البقاع اللبناني‏..‏ ثم شرعت القوات السورية في مساعدة السلطة اللبنانية علي تجريد الاحزاب والميليشيات من اسلحتها تمهيدا لقيام وفاق وطني‏.‏
والمثير للدهشة ان القوات السورية لدي دخولها الي لبنان واجهت مقاومة عنيفة من الفصائل الفلسطينية والاحزاب اليسارية اللبنانية لأنها اعتبرته تدخلا لمصلحة الفريق الآخر أي القيادات والأحزاب المسيحية‏.‏
وتتوالي الاحداث وتتصاعد ويأتي الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام‏1982‏ وخروج القوات السورية من بيروت وضواحيها متزامنا مع انسحاب المقاتلين الفلسطينيين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينيي ياسر عرفات‏.‏
غير أن الاقتتال الذي حدث لاحقا بين ابناء الصف الواحد في العاصمة اللبنانية‏,‏ وتحديدا بين حركة أمل بزعامة نبيه بري والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط‏..‏ ثم الانسحاب الاسرائيلي من بيروت في سبتمبر‏83‏ اثر اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل قد فرض عودة القوات السورية الي العاصمة بيروت لمساعدة الاطراف المتصارعة لإنهاء الاقتتال‏.‏

هنا نلاحظ أن القوات السورية قد منعت من الحركة في جنوب لبنان في مواجهة قوات الاحتلال الاسرائيلي‏.‏ لكن القوات السورية شكلت وباعتراف الجميع ظهيرا وسندا للجيش اللبناني وللشرعية اللبنانية وللمقاومة الوطنية اللبنانية الي ان تم دحر قوات الاحتلال واضطرارها للانسحاب في شهر مايو الماضي‏.‏
لقد جاء بيان مجلس المطارنة الموارنة في‏20‏ أكتوبر الماضي ليفجر خلافا بين البطريركية المارونية والقيادة السورية‏,‏ حيث طالب المجلس بانسحاب القوات السورية من لبنان تنفيذا لما تنص عليه وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف وكذلك تنفيذا لقرار مجلس الامن رقم‏520‏ القائل بانسحاب كل القوات الاجنبية من لبنان‏.‏
وحتي هذه اللحظة لم نسمع أو نقرأ ان السلطات الدستورية ممثلة في شخص رئيس الجمهورية ورئيس المجلس اللبناني والوزراء لم يطلب أي واحد منها سحب القوات السورية من لبنان‏.‏

والأمر المؤكد أن تلازم المسارين اللبناني والسوري أمر ضروري في هذه اللحظات لمواجهة تحركات اسرائيل‏.‏ ومن مصلحة لبنان وسوريا معا‏,‏ والمصلحة العربية العليا تقرر ان اثارة النزعة الطائفية مرة أخري في لبنان لن يفيد منها إلا العدو الاسرائيلي‏.‏
الجيش السوري دخل الي لبنان بطلب رسمي وبناء علي إلحاح مسيحي ماروني لانقاذ البلد من نيران حرب اهلية طائفية مدمرة‏.‏ والوجود السوري في لبنان شرعي ومؤقت وتمليه المصلحة اللبنانية العليا ولا حل إلا بالحوار بين الشقيقتين حتي لا تندلع من جديد نيران الفتنة الطائفية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب