تحقيقات

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

التلوث يهدد آثارنا القبطية والإسلامية‏:‏
الفسيفساء في خطر‏!‏

تحقيق : محمد الناصر
محراب من العصر العثمانى مزين بالفسيفساء
كلمة فسيفساء تعني بالانجليزية موزاييك وهي كلمة مشتقة من اسم إله يوناني مشهور ضمن الآلهة اليونانية اسمه موسيس وكان يعيش في جبال الألب‏,‏ وقد كانت صورته من الصور المألوفة في فن الفسيفساء‏,‏ أما كلمة فسيفساء العربية فهي مشتقة من استخدام وحدات زخرفية متفاوتة الحجم مابين الوحدات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في صنع زخارف مختلفة تصنع في النهاية فن الفسيفساء‏.‏
والواقع أن كثيرا من الباحثين خاصة مؤرخي الفنون والعمارة والمتخصصين في الآثار خصوصا الأوربيين منهم يعتقدون ان فن الفسيفساء قد خرج من بلاد اليونان وعرفه العالم عن طريقهم‏,‏ لكن الحقيقة‏,‏ وبالنظر إلي الآثار المصرية‏,‏ نجد أن المصريين القدماء هم أول شعب يقدم هذا الفن للعالم من منطلق حقيقة هامة وواقعية هي أن حجرة الدفن في هرم زوسر المدرج الذي أقامه الملك زوسر في سقارة في الاسرة الثالثة تزدان هه الاسطح الداخلية لهذه الحجرة بقطع من الأحجار الصغيرة المنتظمة الشكل مابين المستطيل والمربع والمزينة بطبقة مزججة ذات لون فيروزي ازرق اما الارضية فكانت تتكون من الجبس والرمل والكاولين وهذا يعتبر اقدم مثال معروف حتي اليوم عن بدايات الفسيفساء‏,‏ واذا قلنا ان الفسيفساء كفن يعتمد علي استخدام وحدات زخرفية مصنوعة من خامات مختلفة لكي تزين بها الجدران او الارضيات‏,‏ فان المصريين القدماء تركوا امثلة تؤكد فهمهم لروح هذا الفن‏,‏ اذا يحتفظ المتحف المصري بالقاهرة بقطعة من الحجر الجيري مطعمة بقطع صغيرة من الأحجار النارية الملونة‏,‏ كما أن المصريين القدماء عرفوا الفسيفساء الخشبية حيث عثر في مقبرة الملك توت عنخ آمون ـ الأسرة‏18‏ ـ علي صندوق خشبي صغير الحجم مطعم بقطع من اخشاب الابانوس والسرو وكذلك بقطع من العاج وهذا يعتبر اقدم مثال للفسيفساء الخشبية‏..‏ اليونان لم تعرف هذا الفن إلا مع نهاية القرن الثاني قبل الميلاد والامثلة السابقة تؤكد ان المصريين القدماء عرفوه قبل ذلك بكثير‏,‏ كما ان تفوق اليونانيين والرومان في هذا المجال يعتمد علي حسن توظيفهم لوحدات الفسيفساء الحجرية وكذلك فسيفساء الحصي والزلط في صنع عناصر زخرفية آدمية او حيوانية او هندسية‏,‏ والواقع انهم تفوقوا في المجال الاخير وهو الفسيفساء الهندسية إن جازت هذه التسمية‏.‏

لقد كان للعرب دور هام في هذا المجال خاصة قبل الاسلام وبعده‏,‏ فقبل الاسلام عرف الآشوريون هذا الفن من خلال بوابة عشتار التي زينت بالطوب المحروق المتفاوت في درجات الإحراق بحيث يصل في النهاية الي صنع نماذج هندسية ذات ألوان مختلفة اما الارضية فكانت عبارة عن طين ممزوج بالتبن ومضاف اليه رماد الفرن وفي العصر الأموي تطور فن الفسيفساء في البلاد العربية خاصة في قبة الصخرة والمسجد الاموي حيث عرف العرب الفسيفساء الزجاجية اذ استخدموا قطعا من زجاج ملون يغلب عليه اللون الذهبي في تصميم العناصر الزخرفية الهندسية والنباتية والحيوانية ذات التأثير الهيلينستي‏,‏ وفي العصر القطبي تطور فن الفسيفساء داخل الكنائس القبطية سواء الجدارية او الارضية التي كانت تتكون من الرمل والجير والجبس ومسحوق الطوب الأحمر‏,‏ كما استخدم هذا الفن في تزيين بعض نافورات المياه التي عثر عليها داخل بعض الكنائس ويغلب علي فن الفسيفساء في العصر القبطي الطابع الهندسي‏,‏ ثم تطور هذا الفن في العصر المملوكي تطورا كبيرا وصل الي مرتبة عالمية اذ ما زالت فنون الفسيفساء تؤكد تطور الفن الاسلامي داخل كثير من المنشآت المملوكية والتي مازالت باقية الي اليومخاصة استخدامها في تزين الجدران والارضيات والمحاريب وكذلك النافورات‏,‏ ويوجد في القاهرة أروع مثال لفن فسيفساء المحاريب في المحراب الموجود بضريح الملك الناصر محمد بن قلاوون في شارع المعز وتكمن روعة هذا المحراب في رقي فن الفسيفساء به واستخدام وخدات من خامات مختلفة اهمها الاحجار الكريمة ونصف الكريمة وكذلك الصدف والفايناس‏,‏ ويقال ان الملك الناصر محمد بن قلاوون قد جلب فنانين من الشام لمساعدة اخوانهم المصريين في صناعة فسيفساء هذا المحراب الشهير‏.‏
وعن العوامل المتسببة في تلف الفسيفساء في آثار مصر القبطية والاسلامية توجهنا بالسؤال إلي الدكتور محمد عبدالهادي استاذ الترميم بكلية الآثار جامعة القاهرة فقال‏:‏
طاقية محراب مزينة بالفسيفساء من العصر العثمانى
من المعروف ان وحدات الفسيفساء داخل المباني القبطية والاسلامية تعتبر جزءا لا يتجزأ منها‏,‏ وبالتالي فانها تتعرض لعوامل التلف التي تهاجم تلك المباني‏,‏ ومن هنا يمكن القول أن مدينة القاهرة تعاني منشآتها الاثرية من عوامل تلف تعتبر خطيرة في نظر الباحثين والمتخصصين‏,‏ اذ ان تلك المنشآت تتعرض اساساتها لتأثير المياه الارضية التي تتسرب إلي آحجار المنشآت الاثرية بكميات كبيرة نظرا لارتفاع مسامية تلك الاحجار في اغلب المباني حاملة معها اخطر انواع الاملاح وهي املاح الكبريتات والكلوريدات‏,‏ ولعل خطورة هذه الاملاح تكمن في سرعة ذوبانها في المياه‏,‏ وبالتالي فانه يسهل تسربها مع المياه الي مكونات الاحجار لتؤدي في النهاية إلي تدميرها وتحويلها الي احجار هشة فاقدة التماسك‏,‏ كما ان هذه المياه المتسربة داخل الأحجار تحول هذه الاحجار إلي وسط ملائم تنمو عليه الكائنات الحية الدقيقة‏,‏ ولا شك ان هناك تجمعات كثيفة لتلك الكائنات علي اسطح الأحجار وكذلك علي اسطح الفسيفساء في منشآت أثرية كثيرة حيث تتسبب هذه الكائنات في تلف تلك الأحجار بما تفرزه من أحماض مختلفة تتفاعل مع هذه الاحجار وتدمرها‏,‏ ولعل من اخطر الاحماض العضوية التي تفرزها الكائنات الحية الدقيقة حمض الكبريتيك والكربونيك والأوكزاليك حيث ان هذه الاحماض تنتج من تفاعلاتها الكيميائية والبيولوجية مع الاحجار الرخامية والجيرية املاح الكبريتات والكربونات والاوكزالات وكلها تعتبر من الاملاح الشائعة في كثيرمن منشآتنا الاثرية بالقاهرة‏,‏ وهناك تلف اخر ـ يضيف د‏.‏ محمد عبدالهادي ـ ينتج من تجمع الكائنات الحية الدقيقة علي اسطح الاحجار فهي تحول الحجر اسفلها علي حجر ملئ بالفجوات والثقوب بحيث يتحول في النهاية في شكله الخارجي الي ما يشبه خلية عسل النحل‏!‏ وهي ظاهرة تلف شائعة في كثير من منشآتنا الاثرية التي تتعرض لهجوم الكائنات الحية الدقيقة‏.‏

‏*‏ هل للتلوث الناتج من مصادر مختلفة في مدينة القاهرة اثر في تلف المنشآت الاثرية؟
‏**‏ ان المتخصصين في البيئة اثبتوا ان مدينة القاهرة قد وصلت معدلات التلوث فيها إلي أعلي المعدلات نظرا لازدحامها بالسيارات واحاطتها بجبال الأتربة والرمال فضلا عن اقامة المصانع بالقرب منها‏,‏ كل ذلك يعتبر مصادر تدفع بمئات الاطنان من نواتج التلوث الصلبة والسائلة والغازية التي تتسبب في تلف المنشآت الأثرية بالقاهرة‏.‏ وقد قمنا ـ يضيف د‏.‏ محمد عبدالهادي ـ بدراسة مقارنة لاثبات معدلات التلف داخل مدينة القاهرة وخارجها فثبت ان الاحجار الاثرية في منشآت القاهرة تفوق معدلات التلف فيها بنحو‏10‏ مرات عن الاحجار الاثرية المستخدمة في المنشآت خارجها‏,‏ كما ان نتائج الدراسة اثبتت ان الاحجار الاثرية في مدينة القاهرة تفقد‏7‏ مليجرامات من مكوناتها في فترة تتراوح بين‏8‏ سنوات و‏15‏ سنة‏!‏ وهذا يعني ان التلوث الجوي يعتبر اخطر عوامل التلف التي تهدد تراثنا المعماري والفني بالضياع في فترة وجيزة‏!‏
وهذا ناتج من تحول غازات التلوث الجوي ـ واخطرها غاز ثاني اكسيد الكبريت ـ إلي حمض الكبريتيك في فترة وجيزة من الزمن لاتتعدي‏5‏ ـ‏6‏ ساعات‏,‏ وهذا الحمض يفوق في خطورته أي حمض آخر اذا ما هاجم الاحجار الجيرية أو الرخامية فانه يحول أهم مكوناتها المعدنية‏(‏ كربونات الكالسيوم‏)‏ إلي كبريتات كالسيوم وهو ما نسميه الاملاح الجبسية وهذه الاملاح نراها واضحة جلية علي اسطح كثير من منشآتنا الاثرية وهي عبارة عن طبقات ملحية متصلدة في سطح الحجر ذات لون رمادي أو أسود نتيجة اختلاطها بمكونات التلوث الجوي‏,‏ وهناك حمض آخر ـ يضيف د‏.‏ محمد عبدالهادي استاذ الترميم ـ وان كان اقل خطورة هو حمض الكربونيك الذي ينتج من تحول غاز ثاني أكسيد الكربون احد مكونات الهواء الرئيسية إلي هذا الحمض والذي يتفاعل بدوره مع الاحجار السابقة ويحول أهم مكوناتها التي سبق الاشارة اليها الي املاح الكربونات‏.‏

‏*‏ وهل هناك وسائل ترميم وعلاج تتم في منشآتنا الاثرية بالقاهرة باسلوب علمي متخصص؟‏!‏
‏**‏ لاشك ان علاج وصيانة الآثار بمراحلها المختلفة أصبح يخضع في العصر الحديث لمنطق العلم والنظريات العلمية‏,‏ ويمارسه المتخصصون الذين اكتسبوا خبرة طويلة من خلال تعاملهم مع مشاكل الآثار المختلفة‏,‏ فكم من منشآت اثرية تعرضت للتلف وتداعت عناصرها المعمارية وانهارت نتيجة اتباع اساليب خاطئة في العلاج‏,‏ خاصة ما يتبع حاليا في منشآتنا الاثرية التي تتعرض لتأثير المياه الأرضية إذ ان مايتبع في حمايتها من تأثير هذه المياه استخدام وسائل شفط المياه دون تقدير للعواقب الوخيمة التي سوف تترتب علي هذا الاسلوب الخاطيء في العلاج‏,‏ اذ تقتضي مثل هذه الحالات دراسة مصادر هذه المياه و سلوك هذه المياه أسفل المنشآت الاثرية ما بين التذبذب ارتفاعا وانخفاضا وما فيها من املاح تشكل خطورة علي مواد البناء المستخدمة في تلك المنشآت‏,‏ كل ذلك لابد وان يضعه المرممون والمهندسون في حسبانهم عند التعامل مع هذه المشكلة حيث ان الخطورة لاتكمن في المياه في حد ذاتها لكن خطورة المياه تكمن في تذبذبها المستمر أسفل المنشآت الاثرية واذا وصلنا بالعلاج إلي تثبيت مستوي المياه الارضية عند الحد الذي لايشكل خطورة علي المنشأ فهذا في حد ذاته يعتبر نجاحا كبيرا‏,‏ واذا نجحنا في تحويل مسار المياه بعيدا عن المنشأ الاثري فهذا هو الاسلوب العلمي في العلاج الذي يتبعه المتخصصون في إيطاليا وبولندا وغيرهما من البلاد التي تعاني من هذه المشكلة‏,‏ واذا وصلنا إلي ترميم الفسيفساء في المنشآت الاثرية المختلفة لقلنا ان هذا الفن له خصوصيته في التعامل مع مشاكله المختلفة ونحن في مصر نعاني من قلة المرممين المتخصصين في هذا المجال الذي نحن بحاجة الي النهوض به وذلك من خلال تكوين فريق قومي متخصص يضم المرممين والفنانيين وكذلك المتخصصون في علم الكيمياء البيولوجية والجيولوجيا والمهندسون الاثريون من أجل وضع سياسة علمية واضحة المعالم والاساليب لحماية ماتبقي من هذا الفن الجميل في منشآتنا الاثرية بحيث لايخضع للاجتهادات الشخصية التي تؤدي في النهاية الي نجاح محدود ومؤقت أو فشل ذربع وهناك بارقة أمل من خلال التعاون بين المتخصصين في الترميم واساتذة الفنون الجميلة الذين بدأوا يهتمون بفن الفسيفساء القديمة وإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه التي تجمع بين الدراسات الاثرية والفنية وكذلك الدراسات التي تهدف إلي علاج وصيانة هذا الفن المتميز‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب