ملفات الأهرام

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

رؤية استراتيجية‏:‏
منطق الحرب‏.. وسلام الجنرالات[5]‏
باراك ومؤسسته العسكرية‏..‏ بين التخبط والعشوائية
بقلم : طه المجدوب

إدعت الصهيونية حين استولت بالقوة علي أرض فلسطين‏..‏ أنها أرض بلا شعب‏..‏ منكرة وجود الشعب الفلسطيني‏..‏ وتحاول إسرائيل اليوم أن تحول هذا الإدعاء الي حقيقة‏..‏ بما تفعله من أعمال الإبادة والتصفية لهذا الشعب‏..‏ والتخلص من جيله الصاعد بوجه خاص‏..‏ أو علي الأقل حصر داخل كانتونات مغلقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية‏..‏ محروم من حرية الحركة بل ومن حرية التعبير عن معاناته‏..‏ معرضا في كل الأوقات لبطش قوات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم بلا ضابط ولا ابط‏..‏ في الوقت الذي يرتع فيه المستوطنون العنصريون فوق أرض فلسطين‏..‏ ويمارسون أسوأ أشكال العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين‏..‏ وهو عنف نابع من إحساس عميق لدي هؤلاء المستوطنين‏..‏ بالكراهية للشعب الفلسطينية‏..‏ لأنه لا يهدد فقط حدود الدولة العبرية أو سيطرتها علي أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطيني‏..‏ بل لأنه يهدد الوجود الإسرائيلي برمته‏..‏ وهكذا‏,‏ يسيطر الهاجس الأمني علي العقلية الإسرائيلية‏..‏ ويظل قائما مهما تغير الواقع الي الأفضل‏..‏ ذلك لأنه يمثل حالة مرضية لها جذور عميقة تجعل الشفاء منها شبه مستحيل‏..‏ ويجسد المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون هذا الهاجس حينما يتحدث عن الانتصارات العقيمة‏..‏ فهو يري أن الجيش الإسرائيلي يحقق الانتصار تلو الانتصار‏..‏ ولكنها انتصارات عقيمة لم تثمر شيئا نافعا للإسرائيليين‏..‏ مادام الشعب الفلسطيني موجودا‏..‏ مطالبا بحقه واستمرت الشعوب العربية تسانده وتؤيد جهوده من أجل الحصول علي هذا الحق‏..‏ واسترداد أرضه والحفاظ علي قدسه ومقدساته‏.‏
إن استمرار هاجس الخوف وعقدة الأمن لدي الإسرائيليين‏..‏ سوف يؤدي في النهاية الي أن يهزموا أنفسهم بأيديهم‏,‏ وقد عبر أحد الشعراء الإسرائيليين بدقة عن هذه الحالة بقوله إن الإسرائيلي يولد وبداخله السكين الذي سيذبحه‏.‏ ذلك لأن مواجهة ازدياد المقاومة الفلسطينية‏..‏ بمزيد من العنف والبطش لابد أن يصل في النهاية الي سقف لن يتجاوزه‏..‏ وحينئذ سوف يدرك قادة إسرائيل أن العنف لم يجد فتيلا‏..‏ أو يحقق نصرا علي المقاومة الفلسطينية والوقفة العربية‏..‏ بينما يقف التحالف الاستراتيجي الإسرائيلي مع الولايات المتحدة‏..‏ عاجزا عن حماية المجتمع الإسرائيلي‏..‏ ويلحق الفشل الذريع بمحاولات قمع الفلسطينيين‏,‏ وهكذا يبطل الإدعاء بأن فلسطين هي أرض بلا شعب‏,‏ أو أنها أرض إسرائيل‏..‏ وتسقط النبوءة التوراتية‏..‏ وتنتهي الأسطورة الصهيونية‏.‏

منطق كسر الشوكة الفاشل وصورة إسرائيل‏:‏
لقد كانت قمة كامب ديفيد الفاشلة‏..‏ التي عقدت في الولايات المتحدة في يوليو الماضي‏,‏ هي النقطة الفاصلة في التوجه الإسرائيلي نحو العنف‏..‏ وهي المحك الحقيقي الذي فجر صدام التفاعلات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني‏..‏ عند التفاوض حول القضايا الجوهرية مثل القدس واللاجئين والدولة الفلسطينية والحدود‏,‏ وقد كشفت نتائج تلك القمة عن مدي عمق الاختلافات الأساسية‏,‏ وخاصة في قضيتي القدس واللاجئين‏..‏ الأمر الذي يمثل السبب الأساسي الذي أدي الي اندلاع الانتفاضة‏..‏ واشتعال أعمال العنف العسكري الإسرائيلي بشكل وحشي غير مسبوق‏..‏ أكد أن هناك نية إسرائيلية مبيتة علي قهر الإرادة الفلسطينية التي لم ترضخ بالتفاوض‏..‏ أن ترضخ بالقوة للشروط والقيود التي تريد إسرائيل فرضها علي الفلسطينيين‏,‏ ويبدو أن هذا السلوك العنيف قد بني علي اعتقاد إسرائيلي خاطيء‏..‏ قائم علي أساس أن هذا الاستخدام الوحشي المفاجيء للقوة سوف يحدث صدمة عنيفة لدي الفلسطينيين‏..‏ تكسر شوكتهم وتجبرهم علي الاستسلام والخضوع للارادة الإسرائيلية‏.‏
غير أن ماحدث من رد فعل فلسطيني‏,‏ كان علي عكس ذلك تماما‏..‏ فقد قويت شوكة الفلسطينيين واستمرت الانتفاضة تتصاعد رغم استخدام الأسلحة الإسرائيلية الثقيلة‏..‏ وفشلت إسرائيل في القضاء علي الانتفاضة أو الهبوط بمستواها‏..‏ الأمر الذي وضع الحكومة الإسرائيلية في مأزق سياسي معقد وحرج‏..‏ زادته العوامل الإسرائيلية الداخلية تعقيدا وحرجا‏.‏
ولاشك في أن ما أبداه المجتمع الإسرائيلي من تأييد لسياسة العنف‏..‏ يعود في جوهره الي عقدة الخوف المتأصلة لدي الإسرائيليين‏,‏ تجاه أصحاب الحق والشرعية‏,‏ فهم يتصورون أن العالم يحاصرهم‏..‏ لذلك فهم يطالبون بالانتقام واستخدام القوة في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية‏..‏ متصورين أنهم بذلك يكسرون شوكتهم‏..‏ وبالتالي سوف يخلصهم ذلك من كل مايعانون منه في الداخل والخارج‏,‏ غير أن استمرارهم في إنكار الحق ورفض مطالبة أصحابه به‏..‏ قد ضاعف من معاناتهم‏..‏ في الوقت الذي يقدم فيه الفلسطينيون تضحيات جسيمة تأكيدا لشرعية وعدالة مطلبهم‏..‏ الأمر الذي لابد في النهاية أن يكشف الحقيقة أمام الرأي العام العالمي‏..‏ ويحدث تحولا جذريا لصالح قضية الشعب الفلسطيني‏..‏ يؤدي الي تآكل مشروعية استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين‏..‏ والقضاء علي الصورة اللاأخلاقية واللاإنسانية لإسرائيل‏..‏
والواقع أن الرصاص الإسرائيلي الموجه نحو الشباب الفلسطيني‏..‏ موجه في نفس الوقت ضد الصورة الزاهية التي رسمتها إسرائيل لنفسها في العالم‏..‏ وساندتها الدوائر السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا‏..‏ وهي الصورة التي قامت علي أكاذيب أتقنتها أجهزة الدعاية الصهيونية‏..‏ وادعاءات تظهر اليهودي بأنه ضحية العنف العربي‏..‏ وتصف إسرائيل بأنها الدولة الصغيرة المحاصرة‏..‏ في وسط خضم من الكراهية العربية‏.‏ وأنها الساعية الي السلام بينما العرب يلجأون الي العنف‏.‏ هذه الصورة الكاذبة قد اهتزت ولاشك‏..‏ وبدأت تتآكل مع استمرار إطلاق الرصاص القاتل الموجه ضد المدنيين الفلسطينيين من الشباب والأطفال العزل‏..‏ الساعين للحصول علي حقهم في الحياة الكريمة والكيان المستقل‏.‏

خابت توقعاته‏..‏ ففقد توازنه‏:‏
كان ايهود باراك يتوقع ـ وفقا لتقارير لمخابرات العسكرية الإسرائيلية ـ أن يؤدي الحصار الاقتصادي الذي فرضه علي المناطق الفلسطينية‏..‏ والحرب القاسية التي يشنها ضد الشعب الفلسطيني‏..‏ الي رضوخ القيادة والشعب بسرعة‏..‏ أو علي الأقل قبولهم لتهدئة الأمور ووقف التظاهرات‏..‏ ليتسني له إعادة ترتيب أوراقه الداخلية‏..‏ وفرض الحلول السياسية التي يرتئيها علي الطرف الفلسطيني‏,‏ ولكن ما توقعه باراك لم يحدث‏..‏ فقد صمد الشعب الفلسطيني في وجه الحصار الاقتصادي‏..‏ والرصاص المميت‏..‏ والقصف الجوي الصاروخي والمدفعي‏..‏ الأمر الذي أثار مزيدا من القلق والخوف لدي باراك‏..‏ وجعل ردود فعله تتسم بالانفعال وتتجه نحو مزيد من العنف والبطش‏..‏ وبدلا من أن يضع حدا له‏..‏ لجأ الي إغلاق مناطق فلسطينية مثل رام الله وبيت لحم وغزة‏..‏ متصورا أن مثل هذه الإجراءءات الغاشمة سوف تؤدب الفلسطينيين وتجبرهم علي قبول الأمر الواقع‏..‏ غير أن ماحدث علي الجانب الفلسطيني من تصعيد ومن استخدام للأسلحة النارية‏..‏ ومن تحمل للخسائر الكبيرة‏..‏ بينما بدأ معدل الخسائزر يرتفع في صفوف الجيش الإسرائيلي‏..‏ كل ذلك أفقد باراك توازنه الفكري‏..‏ وهو يري أن تورط جيشه يزداد يوما بعد يوم في حرب طويلة لا تظهر لها نتيجة أو نهاية‏,‏ وهذا يعني المزيد من الخسائر البشرية والآثار النفسية السلبية‏..‏ وبالتالي ارتفاع وازدياد الأصوات المطالبة بخروج الجيش الإسرائيلي من المناطق الفلسطينية علي غرار خروجه من جنوب لبنان‏..‏ سواء من الرأي العام العالمي‏,‏ أو من المجتمع الإسرائيلي ذاته‏.‏
هذه الحالة النفسية التي يمر بها باراك‏..‏ تنعكس بلاشك علي قراراته العسكرية والسياسية‏..‏ فهو يعيش حالة نفسية معقدة نتيجة لتشابك وتداخل عدة عناصر مختلفة‏,‏ سواء علي المستوي الداخلي‏..‏ أو علي مستوي أحداث الانتفاضة‏..‏ أو حالة الحرب التي يشنها ضد الفلسطينيين‏..‏ ومن أهم هذه العناصر‏..‏ فشله في إيقاف الانتفاضة أو سحق عظام الفلسطينيين كما يقولون‏,‏ بينما طال أمد الحرب وازداد انغماس القوات الإسرائيلية في مستنقع الانتفاضة‏,‏ أما علي الصعيد الداخلي‏..‏ فيخوض باراك حربا أخري يشنها ضده خصومه السياسيون‏,‏ سواء من الأحزاب المعارضة أو من أعضاء حزبه وأعضاء التنظيمات المتحالفة معه في الحكومة‏..‏ الأمر الذي أدي الي تعرضه لضغوط مستمرة‏..‏ أفقدته توازنه السياسي إضافة للفكري‏..‏ بشكل يدفعه كل يوم الي مزيد من التطرف والتصرف العشوائي‏,‏ ليس كرئيس لحكومة دولة‏..‏ ولكن كقائد للعمليات العسكرية الخاصة الإسرائيلية‏..‏ حريص علي حث جنوده علي مزيد من القتل‏..‏ وقمع أي اشتباه في خطر أو تهديد يوجه لأي مواطن إسرائيلي أو أي موقع إسرائيلي‏!‏ ويأمر طائراته المروحية أباتشي بإطلاق الصواريخ علي الأهداف المدنية وداخل المدن الفلسطينية‏..‏ معتبرا أن هذه الهجمات الغادرة هي نموذج لعمليات الردع والانتقام من كل من يطلق النار علي الإسرائيليين‏.‏

المؤسسة العسكرية والأوضاع الداخلية‏:‏

أما عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فهي تواجه حالة متزايدة من المعاناة مع استمرار اشتعال الأوضاع وتصاعدها في الضفة والقطاع‏..‏ فإن الحالة النفسية السيئة التي تشعر بها القوات الإسرائيلية والخسائر اليومية التي يتحملها جنودها‏,‏ مهما تكن قليلة‏..‏ تترك آثارا عميقة علي المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي معا‏.‏
إن المؤسسة العسكرية التي تمتلك قوات متفوقة تبحث عن فريسة سهلة تغتالها‏..‏ حتي يمتص الكبت الذي يسود بين ضباطها وجنودها‏..‏ لأنهم لا يستيطعون استخدام كل أسلحتهم القوية ضد الفلسطينيين العزل بسبب الكثير من المحاذير والقيود‏..‏ متصورين أن ذلك هو السبيل لإنهاء ما تسببه الانتفاضة من ازعاج‏..‏ وحتي لايطول أمد المعركة مع الفلسطينيين أكثر من ذلك‏..‏ ويؤدي بالتالي الي نتائج أكثر سلبية وخطورة علي المؤسسة العسكرية ذاتها‏,‏ ويعتقد قادة المؤسسة أن عدم تحريك هذه الآلة الحربية الضخمة ضد الفريسة الممثلة في الشعب الفلسطيني‏..‏ سيزيد من الأوضاع سوءا‏..‏ ليس فقط علي مستوي الجيش الاسرائيلي فحسب‏..‏ بل وعلي المجتمع الإسرائيلي الذي يضج دائما ويحتج علي الخسائر البشرية‏.‏
من ناحية أخري‏,‏ لا تغفل عين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن النظر الي الجبهة السورية‏,‏ بينما عينها الأخري تتابع المصادمات الدامية في الأراضي الفلسطينية‏..‏ وقد سبق لباراك أن صرح بذلك‏,‏ بل إنه هدد سوريا ولبنان علنا‏.‏

ومما يزيد من الضغوط الداخلية علي القيادات الإسرائيلية‏..‏ كثرة الأحاديث الدائرة في المجتمع حول الأحداث وتطوراتها ويجري حولهم كل يوم‏..‏ وما ينتظر أن يحدث من أحداث جسام في المستقبل‏..‏ في ظل كساد اقتصادي يخيم علي كل الأسواق والمدن الإسرائيلية‏..‏ يتفاقم يوما بعد يوم‏..‏ ويطالب أصحاب الأعمال الحكومة الإسرائيلية باستيراد عشرات الآلاف من العمال الأجانب‏..‏ ليحلوا محل العمال الفلسطينيين الذين يمنعون من التوجه لأعمالهم‏..‏ والذين أجبروا بفعل الحصار علي البقاء في مواقعهم‏..‏ بينما يقوم أصحاب المزارع بخرق القرارات وتهريب العمال الفلسطينيين لمساعدتهم في جني محاصيلهم‏..‏ وليس خافيا أن عددا من كبار رجال الأعمال الإسرائيليين بدأوا في تحويل استثماراتهم الي الخارج بسبب الخسائر الكبيرة التي تحملوها منذ بداية الانتفاضة في سبتمبر الماضي‏.‏
وأخيرا فإن حالة الصلف والغطرسة التي تسود التصرفات الإسرائيلية‏..‏ لا تعني أبدا أن القيادة الإسرائيلية لا تضع في حساباتها تأثير قرارات القمة العربية‏..‏ وكذلك قرارات القمة الإسلامية‏..‏ وما قد تؤدي اليه هذه القرارات من ازدياد عزلة إسرائيل علي الصعيد العالمي‏..‏ رغم الدعم الأمريكي المطلق السياسي والعسكري لها‏.‏
ولاشك في ازدياد فاعلية هذه القرارات مع الوقت‏..‏ ومع استمرار تصاعد العنف ضد الفلسطينيين‏..‏
ولعل في قرار مصر بسحب سفيرها من إسرائيل‏..‏ ما يؤكد هذه الدلالات‏..‏ الأمرالذي أثار مزيدا من القلق الشديد في إسرائيل‏..‏ وأدي الي تعقيد موقفها علي الصعيدين العالمي والإقليمي‏..‏ الأمر الذي سيشكل ضغوطا قوية تضاف الي الضغوط التي تسببها الانتفاضة والي ازدياد حالة التخبط العشوائية السائدة في القيادة الإسرائيلية‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب