|
|
|
|
 | |
إدعت الصهيونية حين استولت بالقوة علي أرض فلسطين.. أنها أرض بلا شعب.. منكرة وجود الشعب الفلسطيني.. وتحاول إسرائيل اليوم أن تحول هذا الإدعاء الي حقيقة.. بما تفعله من أعمال الإبادة والتصفية لهذا الشعب.. والتخلص من جيله الصاعد بوجه خاص.. أو علي الأقل حصر داخل كانتونات مغلقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.. محروم من حرية الحركة بل ومن حرية التعبير عن معاناته.. معرضا في كل الأوقات لبطش قوات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم بلا ضابط ولا ابط.. في الوقت الذي يرتع فيه المستوطنون العنصريون فوق أرض فلسطين.. ويمارسون أسوأ أشكال العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين.. وهو عنف نابع من إحساس عميق لدي هؤلاء المستوطنين.. بالكراهية للشعب الفلسطينية.. لأنه لا يهدد فقط حدود الدولة العبرية أو سيطرتها علي أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطيني.. بل لأنه يهدد الوجود الإسرائيلي برمته.. وهكذا, يسيطر الهاجس الأمني علي العقلية الإسرائيلية.. ويظل قائما مهما تغير الواقع الي الأفضل.. ذلك لأنه يمثل حالة مرضية لها جذور عميقة تجعل الشفاء منها شبه مستحيل.. ويجسد المؤرخ الإسرائيلي يعقوب تالمون هذا الهاجس حينما يتحدث عن الانتصارات العقيمة.. فهو يري أن الجيش الإسرائيلي يحقق الانتصار تلو الانتصار.. ولكنها انتصارات عقيمة لم تثمر شيئا نافعا للإسرائيليين.. مادام الشعب الفلسطيني موجودا.. مطالبا بحقه واستمرت الشعوب العربية تسانده وتؤيد جهوده من أجل الحصول علي هذا الحق.. واسترداد أرضه والحفاظ علي قدسه ومقدساته. إن استمرار هاجس الخوف وعقدة الأمن لدي الإسرائيليين.. سوف يؤدي في النهاية الي أن يهزموا أنفسهم بأيديهم, وقد عبر أحد الشعراء الإسرائيليين بدقة عن هذه الحالة بقوله إن الإسرائيلي يولد وبداخله السكين الذي سيذبحه. ذلك لأن مواجهة ازدياد المقاومة الفلسطينية.. بمزيد من العنف والبطش لابد أن يصل في النهاية الي سقف لن يتجاوزه.. وحينئذ سوف يدرك قادة إسرائيل أن العنف لم يجد فتيلا.. أو يحقق نصرا علي المقاومة الفلسطينية والوقفة العربية.. بينما يقف التحالف الاستراتيجي الإسرائيلي مع الولايات المتحدة.. عاجزا عن حماية المجتمع الإسرائيلي.. ويلحق الفشل الذريع بمحاولات قمع الفلسطينيين, وهكذا يبطل الإدعاء بأن فلسطين هي أرض بلا شعب, أو أنها أرض إسرائيل.. وتسقط النبوءة التوراتية.. وتنتهي الأسطورة الصهيونية.
منطق كسر الشوكة الفاشل وصورة إسرائيل: لقد كانت قمة كامب ديفيد الفاشلة.. التي عقدت في الولايات المتحدة في يوليو الماضي, هي النقطة الفاصلة في التوجه الإسرائيلي نحو العنف.. وهي المحك الحقيقي الذي فجر صدام التفاعلات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.. عند التفاوض حول القضايا الجوهرية مثل القدس واللاجئين والدولة الفلسطينية والحدود, وقد كشفت نتائج تلك القمة عن مدي عمق الاختلافات الأساسية, وخاصة في قضيتي القدس واللاجئين.. الأمر الذي يمثل السبب الأساسي الذي أدي الي اندلاع الانتفاضة.. واشتعال أعمال العنف العسكري الإسرائيلي بشكل وحشي غير مسبوق.. أكد أن هناك نية إسرائيلية مبيتة علي قهر الإرادة الفلسطينية التي لم ترضخ بالتفاوض.. أن ترضخ بالقوة للشروط والقيود التي تريد إسرائيل فرضها علي الفلسطينيين, ويبدو أن هذا السلوك العنيف قد بني علي اعتقاد إسرائيلي خاطيء.. قائم علي أساس أن هذا الاستخدام الوحشي المفاجيء للقوة سوف يحدث صدمة عنيفة لدي الفلسطينيين.. تكسر شوكتهم وتجبرهم علي الاستسلام والخضوع للارادة الإسرائيلية. غير أن ماحدث من رد فعل فلسطيني, كان علي عكس ذلك تماما.. فقد قويت شوكة الفلسطينيين واستمرت الانتفاضة تتصاعد رغم استخدام الأسلحة الإسرائيلية الثقيلة.. وفشلت إسرائيل في القضاء علي الانتفاضة أو الهبوط بمستواها.. الأمر الذي وضع الحكومة الإسرائيلية في مأزق سياسي معقد وحرج.. زادته العوامل الإسرائيلية الداخلية تعقيدا وحرجا. ولاشك في أن ما أبداه المجتمع الإسرائيلي من تأييد لسياسة العنف.. يعود في جوهره الي عقدة الخوف المتأصلة لدي الإسرائيليين, تجاه أصحاب الحق والشرعية, فهم يتصورون أن العالم يحاصرهم.. لذلك فهم يطالبون بالانتقام واستخدام القوة في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية.. متصورين أنهم بذلك يكسرون شوكتهم.. وبالتالي سوف يخلصهم ذلك من كل مايعانون منه في الداخل والخارج, غير أن استمرارهم في إنكار الحق ورفض مطالبة أصحابه به.. قد ضاعف من معاناتهم.. في الوقت الذي يقدم فيه الفلسطينيون تضحيات جسيمة تأكيدا لشرعية وعدالة مطلبهم.. الأمر الذي لابد في النهاية أن يكشف الحقيقة أمام الرأي العام العالمي.. ويحدث تحولا جذريا لصالح قضية الشعب الفلسطيني.. يؤدي الي تآكل مشروعية استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين.. والقضاء علي الصورة اللاأخلاقية واللاإنسانية لإسرائيل.. والواقع أن الرصاص الإسرائيلي الموجه نحو الشباب الفلسطيني.. موجه في نفس الوقت ضد الصورة الزاهية التي رسمتها إسرائيل لنفسها في العالم.. وساندتها الدوائر السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة وأوروبا.. وهي الصورة التي قامت علي أكاذيب أتقنتها أجهزة الدعاية الصهيونية.. وادعاءات تظهر اليهودي بأنه ضحية العنف العربي.. وتصف إسرائيل بأنها الدولة الصغيرة المحاصرة.. في وسط خضم من الكراهية العربية. وأنها الساعية الي السلام بينما العرب يلجأون الي العنف. هذه الصورة الكاذبة قد اهتزت ولاشك.. وبدأت تتآكل مع استمرار إطلاق الرصاص القاتل الموجه ضد المدنيين الفلسطينيين من الشباب والأطفال العزل.. الساعين للحصول علي حقهم في الحياة الكريمة والكيان المستقل.
خابت توقعاته.. ففقد توازنه: كان ايهود باراك يتوقع ـ وفقا لتقارير لمخابرات العسكرية الإسرائيلية ـ أن يؤدي الحصار الاقتصادي الذي فرضه علي المناطق الفلسطينية.. والحرب القاسية التي يشنها ضد الشعب الفلسطيني.. الي رضوخ القيادة والشعب بسرعة.. أو علي الأقل قبولهم لتهدئة الأمور ووقف التظاهرات.. ليتسني له إعادة ترتيب أوراقه الداخلية.. وفرض الحلول السياسية التي يرتئيها علي الطرف الفلسطيني, ولكن ما توقعه باراك لم يحدث.. فقد صمد الشعب الفلسطيني في وجه الحصار الاقتصادي.. والرصاص المميت.. والقصف الجوي الصاروخي والمدفعي.. الأمر الذي أثار مزيدا من القلق والخوف لدي باراك.. وجعل ردود فعله تتسم بالانفعال وتتجه نحو مزيد من العنف والبطش.. وبدلا من أن يضع حدا له.. لجأ الي إغلاق مناطق فلسطينية مثل رام الله وبيت لحم وغزة.. متصورا أن مثل هذه الإجراءءات الغاشمة سوف تؤدب الفلسطينيين وتجبرهم علي قبول الأمر الواقع.. غير أن ماحدث علي الجانب الفلسطيني من تصعيد ومن استخدام للأسلحة النارية.. ومن تحمل للخسائر الكبيرة.. بينما بدأ معدل الخسائزر يرتفع في صفوف الجيش الإسرائيلي.. كل ذلك أفقد باراك توازنه الفكري.. وهو يري أن تورط جيشه يزداد يوما بعد يوم في حرب طويلة لا تظهر لها نتيجة أو نهاية, وهذا يعني المزيد من الخسائر البشرية والآثار النفسية السلبية.. وبالتالي ارتفاع وازدياد الأصوات المطالبة بخروج الجيش الإسرائيلي من المناطق الفلسطينية علي غرار خروجه من جنوب لبنان.. سواء من الرأي العام العالمي, أو من المجتمع الإسرائيلي ذاته. هذه الحالة النفسية التي يمر بها باراك.. تنعكس بلاشك علي قراراته العسكرية والسياسية.. فهو يعيش حالة نفسية معقدة نتيجة لتشابك وتداخل عدة عناصر مختلفة, سواء علي المستوي الداخلي.. أو علي مستوي أحداث الانتفاضة.. أو حالة الحرب التي يشنها ضد الفلسطينيين.. ومن أهم هذه العناصر.. فشله في إيقاف الانتفاضة أو سحق عظام الفلسطينيين كما يقولون, بينما طال أمد الحرب وازداد انغماس القوات الإسرائيلية في مستنقع الانتفاضة, أما علي الصعيد الداخلي.. فيخوض باراك حربا أخري يشنها ضده خصومه السياسيون, سواء من الأحزاب المعارضة أو من أعضاء حزبه وأعضاء التنظيمات المتحالفة معه في الحكومة.. الأمر الذي أدي الي تعرضه لضغوط مستمرة.. أفقدته توازنه السياسي إضافة للفكري.. بشكل يدفعه كل يوم الي مزيد من التطرف والتصرف العشوائي, ليس كرئيس لحكومة دولة.. ولكن كقائد للعمليات العسكرية الخاصة الإسرائيلية.. حريص علي حث جنوده علي مزيد من القتل.. وقمع أي اشتباه في خطر أو تهديد يوجه لأي مواطن إسرائيلي أو أي موقع إسرائيلي! ويأمر طائراته المروحية أباتشي بإطلاق الصواريخ علي الأهداف المدنية وداخل المدن الفلسطينية.. معتبرا أن هذه الهجمات الغادرة هي نموذج لعمليات الردع والانتقام من كل من يطلق النار علي الإسرائيليين.
المؤسسة العسكرية والأوضاع الداخلية: أما عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فهي تواجه حالة متزايدة من المعاناة مع استمرار اشتعال الأوضاع وتصاعدها في الضفة والقطاع.. فإن الحالة النفسية السيئة التي تشعر بها القوات الإسرائيلية والخسائر اليومية التي يتحملها جنودها, مهما تكن قليلة.. تترك آثارا عميقة علي المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي معا. إن المؤسسة العسكرية التي تمتلك قوات متفوقة تبحث عن فريسة سهلة تغتالها.. حتي يمتص الكبت الذي يسود بين ضباطها وجنودها.. لأنهم لا يستيطعون استخدام كل أسلحتهم القوية ضد الفلسطينيين العزل بسبب الكثير من المحاذير والقيود.. متصورين أن ذلك هو السبيل لإنهاء ما تسببه الانتفاضة من ازعاج.. وحتي لايطول أمد المعركة مع الفلسطينيين أكثر من ذلك.. ويؤدي بالتالي الي نتائج أكثر سلبية وخطورة علي المؤسسة العسكرية ذاتها, ويعتقد قادة المؤسسة أن عدم تحريك هذه الآلة الحربية الضخمة ضد الفريسة الممثلة في الشعب الفلسطيني.. سيزيد من الأوضاع سوءا.. ليس فقط علي مستوي الجيش الاسرائيلي فحسب.. بل وعلي المجتمع الإسرائيلي الذي يضج دائما ويحتج علي الخسائر البشرية. من ناحية أخري, لا تغفل عين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن النظر الي الجبهة السورية, بينما عينها الأخري تتابع المصادمات الدامية في الأراضي الفلسطينية.. وقد سبق لباراك أن صرح بذلك, بل إنه هدد سوريا ولبنان علنا.
ومما يزيد من الضغوط الداخلية علي القيادات الإسرائيلية.. كثرة الأحاديث الدائرة في المجتمع حول الأحداث وتطوراتها ويجري حولهم كل يوم.. وما ينتظر أن يحدث من أحداث جسام في المستقبل.. في ظل كساد اقتصادي يخيم علي كل الأسواق والمدن الإسرائيلية.. يتفاقم يوما بعد يوم.. ويطالب أصحاب الأعمال الحكومة الإسرائيلية باستيراد عشرات الآلاف من العمال الأجانب.. ليحلوا محل العمال الفلسطينيين الذين يمنعون من التوجه لأعمالهم.. والذين أجبروا بفعل الحصار علي البقاء في مواقعهم.. بينما يقوم أصحاب المزارع بخرق القرارات وتهريب العمال الفلسطينيين لمساعدتهم في جني محاصيلهم.. وليس خافيا أن عددا من كبار رجال الأعمال الإسرائيليين بدأوا في تحويل استثماراتهم الي الخارج بسبب الخسائر الكبيرة التي تحملوها منذ بداية الانتفاضة في سبتمبر الماضي. وأخيرا فإن حالة الصلف والغطرسة التي تسود التصرفات الإسرائيلية.. لا تعني أبدا أن القيادة الإسرائيلية لا تضع في حساباتها تأثير قرارات القمة العربية.. وكذلك قرارات القمة الإسلامية.. وما قد تؤدي اليه هذه القرارات من ازدياد عزلة إسرائيل علي الصعيد العالمي.. رغم الدعم الأمريكي المطلق السياسي والعسكري لها. ولاشك في ازدياد فاعلية هذه القرارات مع الوقت.. ومع استمرار تصاعد العنف ضد الفلسطينيين.. ولعل في قرار مصر بسحب سفيرها من إسرائيل.. ما يؤكد هذه الدلالات.. الأمرالذي أثار مزيدا من القلق الشديد في إسرائيل.. وأدي الي تعقيد موقفها علي الصعيدين العالمي والإقليمي.. الأمر الذي سيشكل ضغوطا قوية تضاف الي الضغوط التي تسببها الانتفاضة والي ازدياد حالة التخبط العشوائية السائدة في القيادة الإسرائيلية.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|