أقتصاد

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

تركيا بوابة لعبور الصادرات المصرية لدول الكومنولث الروسي
وعيون الأتراك علي السياحة العربية
روشتة لإصلاح الخلل في الميزان التجاري مع تركيا تتضمن
المشاركة في المعارض التركية وتمويلا ميسرا للمصدرين

رسالة اسطنبول ـ من عبدالناصر عارف
رغم ازدهار تهريب الملابس الجاهزة من تركيا إلي مصر عام‏1999‏ فإن السوق التركية تحتل أهمية كبيرة بالنسبة لمصر حيث تعتبر تركيا منفذ العديد من دول الكومنولث الروسي وكانت علي علاقات متميزة مع تركيا كما ان موقع الجمهورية التركية الاوراسي يجعلها تكتسب بعدا اقليما مهما اقتصاديا وسياسيا‏..‏ ولذا فان دعم وتشجيع العلاقات التجارية والاستثمارية بين مصر وتركيا يكتسب أهمية خاصة حيث تمثل مصر وتركيا دورا محورية مهما كما تشترك كلاهما في عدة منظمات وتجمعات دولية واقليمية أهمها منظمة المؤتمر الإسلامي‏,‏ كما ان لتركيا تجربة اقتصادية جديرة بالدراسة رغم ما لها من سلبيات فإنه يمكن الاستفادة من ايجابياتها خاصة في مجال تحقيق طفرة في الصادرات حيث نجحت تركيا في هذا المجال نجاحا كبيرا‏..‏ فقد قفزت صادراتها من‏8‏ مليارات دولار عام‏1990‏ إلي‏26,6‏ مليار دولار عام‏1999‏ بمعدل زيادة سنوي يصل إلي‏23%‏ وهذه النسبة تمثل طفرة تصديرية استمرت لما يقرب من‏10‏ سنوات وفي المقابل ازدادت الواردات التركية زيادات مماثلة وتنوعت فاتورة الواردات لتسجل قائمة كبيرة من السلع والمنتجات الزراعية والصناعية والخامات الاولية والوسيطة‏..‏ وهذا يمثل فرصة كبيرة للانتاج المصري لاصلاح الاختلال في الميزان التجاري مع تركيا خاصة انه في الفترة الاخيرة وبمجهود المكتب التجاري في السفارة المصرية بأنقرة واسطنبول نجحت مصر في إضافة كثير من السلع غير التقليدية علي قائمة الصادرات المصرية للسوق التركية وان كانت قد بدأت بارقام محدودة الا ان الفرصة قائمة لزيادتها‏.‏
ولكن الاقتصاد التركي رغم ماحققه من نجاحات الا فإنه يواجه بعض الصعوبات والتحديات اخطرها استمرار الزيادة الكبيرة في معدل التضخم الذي يصل إلي أكثر من‏60%‏ وهو ما يمثل ضغوطا كبيرة علي الليرة التركية التي تتناقص قيمتها بشكل خطيرة وسريع‏..‏ ولكن البعض يؤكد ان هناك من يستفيد من انخفاض قيمة الليرة التركية المستمر سواء من قيمة رجال البنوك أو من المعونات الغربية والتي تزيد قيمتها بانخفاض الليرة‏.‏
وكما قال لي السيد أحمد إبراهيم السكرتير الثالث بالمكتب التجاري المصري في اسطنبول فان ثلاثة اشياء اصبحت غير مضمونة في تركيا وتتغير بشكل يومي وهي الليرة وحالة الجو وحركة المرور في الشوارع‏.‏

وارتفاع معدل التضخم يلقي ببعض اثاره السلبية علي الاقتصاد التركي حيث اصبح المواطن التركي لايثق في عملته الوطنية التي تتآكل قيمتها يوميا وبالتالي فانه يسارع الي التخلص منها إذ لاتشكل بالنسبة له مخزنا للقيمة أو وسيلة آمنة للادخار كما ان تناقص قيمة الليرة يؤدي الي عدم ثبات دراسات جدوي المشروعات الاستثمارية والشيء اللافت للنظر ان المواطن التركي يقل أجره من شهر إلي شهر بفعل الزيادة المستمرة في معدل التضخم والتي تصل إلي‏80%‏ أحيانا وهذا أدي الي زيادة الطلب في السوق المحلية وزيادة معدل الاستهلاك حيث الأفضل اتفاق نقدي علي سلع بدلا من الاحتفاظ به لنقل قيمته ولهذا فان صندوق النقد والبنك الدوليين طالبا مرارا وتكرارا في روشتة اصلاح الاقتصاد التركي بتهدئة الطلب والاستهلاك في السوق المحلية تحاصر عوامل السيطرة علي التضخم الجامح في تركيا‏.‏
وتبقي تجربة تركيا في حذب عدد كبير من السائحين أيضا تجربة متميزة مقارنة بمصر مع ان السياحة في تركيا تقوم علي سياحة الاستمتاع وليس السياحة الثقافية كما هو الحال في مصر الا ان رخص الاسعار في تركيا صار يجذب اعدادا كبيرة من المصريين والعرب فقضاء أسبوع في اسطنبول مثلا يمكن ان يكون ارخص للمصريين من قضاء أسبوع في الغردقة أو شرم الشيخ خاصة ان تذكرة الطيران من القاهرة إلي اسطنبول لاتزيد كثيرا عن ألف جنيه تنقص كثيرا في حالة المجموعات السياحية وكل هذا أدي الي نشاط عدد كبير من شركات السياحة في مصر للهروب بالسائحين المصريين الي تركيا ورغم افتقار تركيا لمنتج السياحة الاثرية مقارنة بمصر فإن المطاعم الرخيصة والنظيفة وفنادق النجمتين والثلاث نجوم وتجتذب كثيرا من السائحين العرب والمصريين بالاضافة طبعا إلي زبائن تركيا التقليدين من شتي انحاء أوروبا خاصة المانيا‏.‏
ورغم كل هذا فان السوق التركية يمكن ان تكون سوقا واعدة لعدد كبير من المنتجات المصرية كما ان تركيا تعتبر مدخلا لكثير من دول الكومنولث الروسي والتي اعتمدت في تجارتها اعتمادا كبيرا علي السوق التركية‏.‏

واذا كان الميزان التجاري يميل لمصلحة تركيا بشكل كبير‏(‏ نحو‏358‏ مليون دولار‏)‏ عام‏1999‏ ولاتغطي الصادرات المصرية لتركيا سوي‏23,3%‏ من الواردات‏..‏ الا ان اصلاح هذا الخلل ممكن بل ومن الممكن أيضا الانطلاق من السوق التركية لاسواق الكومنولث الروسي‏.‏ ويضع المكتب التجاري المصري في اسطنبول روشتة لاصلاح هذا الخلل وزيادة الصادرات المصرية للسوق التركية واهم ما جاء فيها‏:‏ ضرورة مشاركة الشركات المصرية في المعارض المتخصصة المتعددة التي تقام سنويا في المدن التركية للتعرف علي احتياجات السوق التركية ومتطلباتها والوقوف علي التطورات التي يحددها المتنافسون في هذه السوق‏.‏
ومن خلال مشاركتي في احد هذه المعارض المتخصصة في تركيا‏(‏ بيلشيم‏2000)‏ لتكنولوجيا المعلومات لمست فعلا ان تركيا تخطط لتكون موقعا اقليميا مهما لصناعة المعارض وتسعي الي عقد اتفاقات مع هيئات معارض دولية خاصة في المانيا حيث اشتركت هيئة معارض ها نوفر لتنظيم هذا‏(‏ بيلشيم‏2000)‏ بالتآخي مع معرض سيبت وهو أكبر معرض لتكنولوجيا المعلومات والحاسبات في العالم‏.‏

وبرغم الاقبال الشديد علي هذا المعرض حيث شاركت فيه أكثر من‏1000‏ شركة من أكثر من‏25‏ دولة فإنه للأسف لم تشارك أي شركة مصرية من الشركات المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات أو برامج الكمبيوتر في هذا المعرض‏..‏ ومن الواضح أيضا أن تركيا تضع نصب عينها الاستحواذ علي أكبر جزء من سوق هذا القطاع الاقتصادي الواعد‏(‏ تكنولوجيا المعلومات‏)‏ حيث تجتذب عددا كبيرا من كبريات الشركات العالمية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للاستثمار في تركيا كما فعلت مع شركات السيارات العالمية لتجمع بين الاقتصاد القديم وما يضمه من قطاع الصناعات ا لتحويلية والسلع الرأسمالية والاقتصاد الجديد الذي يقوم علي قطاع المعلومات والاتصالات‏.‏
ويقترح المكتب التجاري المصري في اسطنبول ابرام بروتوكول بين الهيئة العامة للمعارض في مصر وإحدي هيئات المعارض بتركيا لتشجيع مشاركة الشركات المصرية في المعارض التركية والعكس من خلال تبادل المساحات المجانية بين الجانبين‏,‏ كما تتضمن الروشتة التي وضعها المكتب لعلاج اختلال الميزان التجاري مع تركيا بحث امكانية تكوين مجالس أو اتحادات نوعية من المصدرين لأهم السلع التصديرية للحد من الدخلاء الذين يسيئون للإنتاج المصري كما هو الحال في حالة‏(‏ مهربي الارز‏)‏ كما تطالب الدراسة التي أعدها المكتب التجاري في اسطنبول بتوفير الائتمان الميسر والسريع لتقديم التسهيلات للمصدرين المصريين أسوة‏.‏ بما يتم مع المصدرين الأتراك‏..‏ وفي هذا الاطار يمكن للمصدرين والمنتجين المصريين الاستفادة من التسهيلات الائتمانية التي يمنحها بنك التنمية الاسلامي ضمن برامجه التمويلية المتعددة التي يمنحها لأعضائه لتنمية التجارة البينية للدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي‏,‏ ومصر وتركيا عضوان في المنظمة ولكن حتي الآن لم يستفد المصدرون المصريون لتركيا من هذه التسهيلات التمويلية كما تطالب الدراسة بضرورة اعادة النظر من فترة لأخري في تعديل الهياكل الانتاجية المصرية بما يتواكب مع المتغيرات المطلوبة في الأسواق العالمية ومثال ذلك زيادة الطلب علي الغزول المفتوحة‏(0pememd)‏ وانخفاض الطلب علي الغزول الحلقية والتي تشكل معظم انتاج الغزول المصرية‏,‏ هذا بالاضافة الي تقديم مزايا ضريبة ودعم غير مباشر للمصدرين بما يحقق زيادة في ربحية التصدير عن البيع في السوق المحلية‏..‏ وتتبع تركيا هذا النظام حيث تقدم اعفاءات ضريبة متنوعة‏,‏ بالاضافة الي دعم مباشر يعادل‏50%‏ من تكلفة المشاركة في المعارض ونفقات البحوث والتطوير التكنولوجي والدراسات التسويقية وكل هذا يؤدي الي زيادة القدرات التنافسية التصديرية‏,‏ وفي هذا الصدد يجب اعادة النظر في الاعفاءات التي يمنحها قانون ضمانات وحوافز الاستثمار المصري لاعطاء ميزات أكثر للمشروعات التصديرية‏.‏
وينبه المكتب التجاري المصري في اسطنبول الي مشكلة خطيرة وهي أن تشكيل الجانب المصري في مجلس رجال الأعمال المصري‏/‏ التركي يضم في عضويته‏16‏ رجل أعمال مصريا كلهم للأسف من المستوردين‏!!‏

بينما في المقابل يضم المجلس‏40‏ رجل أعمال تركيا ليس من بينهم مستورد واحد‏!!‏ وكلهم مصدرون أو منتجون‏.‏ وتبقي نقطة في غاية الأهمية برغم أنها تبدو بسيطة وهي أن علي كل مصدر مصري يريد أن يتعامل مع السوق التركية تجارة أو استثمارا أن يعد دراساته وبياناته باللغة التركية حيث إن الشعب التركي‏(‏ حكاما ومحكومين‏)‏ لا يجيد غير اللغة التركية ونادرا ما تجد رجل أعمال أو حتي وزير يتحدث الانجليزية‏.‏
أما تجربة تركيا في تحقيق طفرة تصديرية في الملابس الجاهزة فهي تستحق أن تدرس جيدا ويمكن الاستفادة من الخبرة التركية في هذا المجال اذ تعتمد صناعة الملابس الجاهزة في تركيا أساليب صناعية تخفض تكلفة الانتاج بشكل كبير‏,‏ كما تقوم هذه الصناعة من خلال مالمسته بنفسي في الأسواق التركية علي تنوع الخامات والاعتماد أكثر علي الخامات الرخيصة فالقطن طويل التيلة لا يستخدم كثيرا بل جل الملابس القطنية التي تغزو بها تركيا أوروبا والشرق الأوسط مصنوعة من القطن قصير التيلة خاصة البيما الأمريكي وغزت تركيا بهذه المنتجات معظم الأسواق الأوروبية‏..‏ فمحال كاوف هو تعاقدت علي استراد ما قيمته‏400‏ مليون دولار من تركيا سنويا من الملابس الداخلية القطنية‏.‏

اتفاقية التجارة الحرة
برغم توقيع عدد من الاتفاقات مع تركيا لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية فإن الاستمارات المصرية ـ التركية المشتركة لا تكاد تذكر سواء في مصر أوتركيا رغم وجود اتفاقية لضمان وحماية الاستثمارات بين البلدين واتفاقية لمنع الازدواج الضريبي‏..‏ ولكن القضية الساخنة المطروحة علي ساحة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر وتركيا هي هي اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين وقد بدأت المفاوضات بشأن هذه الاتفاقية منذ زيارة الرئيس مبارك لإنقرة في ديسمبر‏1998‏ وتبع ذلك جولتان من المفاوضات في أنقرة وجولة ثالثة بالقاهرة في سبتمبر‏1999‏ وهذه المفاوضات غالبا ماتأخذ وقتا حتي تتبلور في شكل اتفاقية تحقق مصالح البلدين وتعمل علي انسياب حركة التجارة‏..‏ لكن المثير في الأمر أن الجانب التركي يلح إلحاما مكثفا لابرام هذه الاتفاقية وتوقيعها في أسرع وقت ممكن وهنا يثور التساؤل‏:‏ لماذا هذا الإلحاح التركي وهل توقيع الاتفاقية سيكون في مصلحتنا؟‏!‏
أما استعجال تركيا علي توقيع الاتفاقية فيرجع الي التزامها في ضوء اتفاق الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي علي توفيق أوضاع تجارتها الخارجية خلال‏5‏ سنوات اعتبارا من‏1996‏ علي الأسس نفسها والاتفاقات المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والدول الأخري كمصر مثلا ولذلك قامت تركيا بتخصيص حصة من الصادرات المصرية من الغزول والمنسوجات معفاة من الجمارك أسوة بما هو متفق عليه بين مصر والاتحاد الأوروبي‏..‏ واتخذت تركيا هذا الإجراء دون أن تكون هناك تنازلات مصرية في المقابل‏,‏ كما أن هناك اتفاقا بين مصر والاتحاد الأوروبي باعفاء الصادرات الصناعية المصرية للاتحاد الأوروبي من الجمارك باستثناء الغزول والمنسوجات والسلع ذات المنشأ الزراعي‏,‏ ولذلك فإن تركيا ملتزمة بتقديم المميزات نفسها لمصر حتي عام‏2001‏ ودون مقابل من مصر خاصة في حالة توقيع اتفاقية المشاركة المصرية ـ الأوروبية قبل عام‏2001‏ ولذلك فإن المكتب التجاري المصري في اسطنبول يري عدم الاستعجال في توقيع اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا خاصة أن قطاعات كبيرة من القطاع الخاص المصري تبدي قلقا شديدا من توقيع تلك الاتفاقية وزاد من هذه القلق عدم تلبية الجانب التركي لكثير من مقترحات القطاع الخاص المصري خاصة فيما يتعلق بإنشاء مشروعات تركية ـ مصرية مشتركة‏.‏
والحقيقة أن الاتراك عيونهم علي السوق المصرية‏..‏ يحاولون دفع أكبر قدر من بضاعتهم وسلعهم اليها وعيونهم علي السياحة العربية يسعون الي جذب أكبر عدد من المصريين والعرب للفسحة والمتعة في بلادهم‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب