أعمدة

41635‏السنة 125-العدد2000ديسمبر3‏7 من رمضــان 1421 هـالأحد

من قريب
بقلم : سلامة أحمد سلامة

عندما نزل المطر‏..‏غسلت الأمطار وجه القاهرة‏..‏
ولأول مرة منذ وقت طويل أزاحت قطرات ناصعة من ماء السماء ذلك المكياج الثقيل الكالح من الأصباغ والأتربة والهباب‏,‏ الذي تراكم وتكلس علي وجه الأشياء والمباني والناس‏,‏ فاستعادت المدينة العتيقة جانبا من فتنتها الطبيعية القديمة‏,‏ وتبددت سحب الدخان الأسود التي اعتادت أن تغطي الأفق‏,‏ وتخنق الأنفاس وتلهب العيون‏,‏ فظهرت المباني والبيوت القريبة واضحة المعالم‏,‏ بنوافذها وشرفاتها‏,‏ وبدت الأشجار القليلة المتناثرة هنا وهناك في الشارع وكأنها قد عادت إلي لونها الطبيعي الأخضر‏,‏ الذي خلقها الله به‏,‏ استحمت أوراق الشجر العتيقة الممتدة أمام البيت‏,‏ بعد طول جفاء وجفاف‏..‏ فتراقصت في الهواء سعيدة بنضارتها المكتسبة‏,‏ ورأيت علي البعد شواشي النخيل السامق تلمع سعفاته من الفرحة‏,‏ تحت الأضواء الكابية لشمس الخريف الواهنة‏,‏ وهي تحاول اختراق السحب دون جدوي‏..‏ وتذكرت حكمة الخالق الذي جعل من الماء كل شيء حي‏!!‏
قلت في نفسي هذا يوم جميل رائق‏..‏ تذكرك لسعة الهواء الباردة فيه بأيام الشتاء الأوروبي في بداياته‏..‏ تدفع في الأوصال دفعة من النشاط والحركة‏..‏ وتبعث في العقل والخيال شيئا من اليقظة والتأمل‏..‏ وتستنفر الشعور بالجمال والاستمتاع بالحياة والعمل‏,‏ وتخلع عن المرء إحساسا باليأس والتعود واللامبالاة‏!!‏
ملأت صدري بالهواء البارد المنعش‏,‏ ونزلت إلي الشارع‏,‏ تحدوني رغبة قوية في المشي علي قدمي‏,‏ وقد تصورت أن مياه الأمطار قد غسلت أرض الشارع كما غسلت الأشجار والمباني‏,‏ ولكن الأوحال المتراكمة والمياه الراكدة الآسنة في عرض الطريق وفي حجر الشارع وعلي جوانبه‏..‏ ذكرتني بأنه من الممكن أن تغسل الأمطار وجه المدينة وعقل الإنسان‏,‏ ولكنها تعجز عن أن تصل إلي ساقيها الغارقتين في الطين إلي الركب‏,‏ أو تغير من السلوكيات والعادات التي دأبت علي أن تدمر أذواق الناس وإحساسهم بالنظافة والجمال‏.‏
في السنة الماضية‏,‏ والسنة التي قبلها وقبلها‏,‏ هطلت الأمطار كما تمطر كل مرة في مواسمها السنوية بكميات لو قورنت بتللك التي تهطل في بنجلاديش أو الهند‏,‏ أو حتي بعض دول عربية‏,‏ لاعتبرت مجرد رذاذ يجف بمجرد ملامسته الأرض‏..‏ ولكن ما تركته من خسائر وأضرار‏..‏ وأعطال في شوارع العاصمة‏,‏ جعلت وزير التعمير يصدر تصريحات ساخنة أنه في سبيل إنشاء شبكة من قنوات وبالوعات تغطي الشوارع لتبتلع مياه الأمطار الغزيرة بدلا من هذه المناظر المؤذية‏,‏ والارتباك المروري والخسائر الباهظة‏..‏ ولكن كما هي العادة لم يحدث شيء‏,‏ سقطت الوعود في بالوعة مسدودة فأغرقت شوارع القاهرة وكباريها وميادينها‏!!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب