|
|
|
عندما نزل المطر..غسلت الأمطار وجه القاهرة..
|
 | |
ولأول مرة منذ وقت طويل أزاحت قطرات ناصعة من ماء السماء ذلك المكياج الثقيل الكالح من الأصباغ والأتربة والهباب, الذي تراكم وتكلس علي وجه الأشياء والمباني والناس, فاستعادت المدينة العتيقة جانبا من فتنتها الطبيعية القديمة, وتبددت سحب الدخان الأسود التي اعتادت أن تغطي الأفق, وتخنق الأنفاس وتلهب العيون, فظهرت المباني والبيوت القريبة واضحة المعالم, بنوافذها وشرفاتها, وبدت الأشجار القليلة المتناثرة هنا وهناك في الشارع وكأنها قد عادت إلي لونها الطبيعي الأخضر, الذي خلقها الله به, استحمت أوراق الشجر العتيقة الممتدة أمام البيت, بعد طول جفاء وجفاف.. فتراقصت في الهواء سعيدة بنضارتها المكتسبة, ورأيت علي البعد شواشي النخيل السامق تلمع سعفاته من الفرحة, تحت الأضواء الكابية لشمس الخريف الواهنة, وهي تحاول اختراق السحب دون جدوي.. وتذكرت حكمة الخالق الذي جعل من الماء كل شيء حي!! قلت في نفسي هذا يوم جميل رائق.. تذكرك لسعة الهواء الباردة فيه بأيام الشتاء الأوروبي في بداياته.. تدفع في الأوصال دفعة من النشاط والحركة.. وتبعث في العقل والخيال شيئا من اليقظة والتأمل.. وتستنفر الشعور بالجمال والاستمتاع بالحياة والعمل, وتخلع عن المرء إحساسا باليأس والتعود واللامبالاة!! ملأت صدري بالهواء البارد المنعش, ونزلت إلي الشارع, تحدوني رغبة قوية في المشي علي قدمي, وقد تصورت أن مياه الأمطار قد غسلت أرض الشارع كما غسلت الأشجار والمباني, ولكن الأوحال المتراكمة والمياه الراكدة الآسنة في عرض الطريق وفي حجر الشارع وعلي جوانبه.. ذكرتني بأنه من الممكن أن تغسل الأمطار وجه المدينة وعقل الإنسان, ولكنها تعجز عن أن تصل إلي ساقيها الغارقتين في الطين إلي الركب, أو تغير من السلوكيات والعادات التي دأبت علي أن تدمر أذواق الناس وإحساسهم بالنظافة والجمال. في السنة الماضية, والسنة التي قبلها وقبلها, هطلت الأمطار كما تمطر كل مرة في مواسمها السنوية بكميات لو قورنت بتللك التي تهطل في بنجلاديش أو الهند, أو حتي بعض دول عربية, لاعتبرت مجرد رذاذ يجف بمجرد ملامسته الأرض.. ولكن ما تركته من خسائر وأضرار.. وأعطال في شوارع العاصمة, جعلت وزير التعمير يصدر تصريحات ساخنة أنه في سبيل إنشاء شبكة من قنوات وبالوعات تغطي الشوارع لتبتلع مياه الأمطار الغزيرة بدلا من هذه المناظر المؤذية, والارتباك المروري والخسائر الباهظة.. ولكن كما هي العادة لم يحدث شيء, سقطت الوعود في بالوعة مسدودة فأغرقت شوارع القاهرة وكباريها وميادينها!!
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|