مواقع للزيارة
البـــحث
الأرشيـــف
مواقيت الصلاة
درجات الحرارة


أقتراحات

اعلانات و اشتراكات


ملفات الأهرام

السنة 123-العدد 40827‏1998سبتمبرالخميس 17

من أوراق القرن العشرين
اغتيال الكونت برنادوت بأيدي العصابات اليهودية
‏17سبتمبر1948‏

إعداد : غادة الشرقاوي
الكونت برنادوت
منذ البداية أدرك العاملون علي قيام الدولة الإسرائيلية استحالة قيامها دون الإعتماد علي السلاح‏,‏ وبرروا تلك الضرورة في كافة كتبهم وخطبهم بدءا بكتاب تيودور هيرتزل مؤسس الدولة الصهيونية والذي دعا إلي حمل السلاح ضد بحر المشاكل التي سوف تثيرها محاولات منع إقامة الدولة الصهيونية‏.‏ ومن بعده نادي فلاديمير جابوتنسكي أستاذ الإرهاب الإسرائيلي‏,‏ الذي تتلمذ علي يديه كبار الإرهابيين من أمثال مناحم بيجين واسحق شامير بإعتناق العنف المطلق وملء وجدان شباب الصهاينة بالروح العسكرية‏.‏
وعندما قامت إسرائيل دعا حاييم وايزمان أول رئيس لها إلي العنف والإرهاب ثم زاد عليه ديفيد بن جوريون أول رئيس وزراء إسرائيلي برسم سياسة لهذا الإرهاب ووضع له خطة مؤكدا أن إسرائيل لا تستطيع العيش الا بقوة السلاح‏.‏ وبفضل هذه الآراء ترسخت نزعة فاشية عسكرية داخل قطاع لا بأس به من المجتمع الإسرائيلي وتفشت فيه حتي صارت المحور الذي تدور حوله الحياة الصهيونية‏.‏
وبسبب هذه النزعة إلي العنف تكونت العصابات الصهيونية الإرهابية في الأربعينيات لتحرير الدولة الصهيونية وإقامة دولة مستقلة‏,‏ وكان من أبرزها منظمة الأرجون التي تولي زعامتها مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق‏,‏ ومنظمة شتيرن التي تولي زعامتها رئيس وزراء اسرائيل الأسبق ايضا إسحق شامير وقد تفننت هذه العصابات قبل توحيد الجماعات العسكرية الصهيونية بعد إعلان دولة إسرائيل في مايو عام 1948‏ تحت قيادة جيش موحد في تنفيذ العمليات الإرهابية ضد العرب والحامية البريطانية قبل مغادرتها الأراضي الفلسطينية‏.‏
ومن أبرز هذه الأعمال والتي يفخر بها بيجين في كتابه التمرد‏-‏قصة الأرجون‏:‏ مذبحة دير ياسين وتفجير فندق الملك داوود والذي راح ضحيته 200‏ شخص من الأبرياء‏,‏ وأعمال أخري دموية لا تحصي ولا تعد يدعي بيجين أنها كانت الوسيلة الوحيدة لتحقيق الغاية الصهيونية‏.‏ ولذلك كان حادث إغتيال الكونت السويدي فولك برنادوت الوسيط الدولي الذي عينته الأمم المتحدة لحل النزاع العربي‏-‏ الإسرائيلي يوم 17 سبتمبر عام1948‏ حلقة طبيعية في سلسلة الإرهاب الصهيوني الرافض لمنطق السلام‏.‏
وقد أصبح الكونت برنادوت‏,‏ وهو احد أفراد العائلة المالكة السويدية ورئيس الصليب الأحمر السويدي في ذلك الوقت هدفا للتصفية بعد عدة أحداث تاريخية بدأت في29 نوفمبر عام1947عندما اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات قرار التقسيم‏,‏ الذي نص علي تقسيم فلسطين إلي دولتين مستقلتين واحدة يهودية وأخري عربية‏,‏ مع تدويل القدس وقد قبل معظم اليهود هذا القرار في حين رفضه العرب في فلسطين والدول العربية واستعدوا لمحاربته بقوة السلاح واعلنت بريطانيا أن هذا المشروع يفتقر إلي احتمالات النجاح وأنها لن تشارك في تطبيقه‏.‏
وحينما نشبت الحرب بين الدول العربية وإسرائيل في 15 مايو عام 1948 بعد انسحاب القوات البريطانية من فلسطين اوفدت الأمم المتحدة الكونت برنادوت إلي فلسطين كوسيط دولي للتوصل إلي تسوية سلمية للنزاع بين الطرفين علي أساس قرار تقسيم فلسطين إلي دولتين‏.‏ وقد بدأ برنادوت مهمته يوم 21‏ مايو عام1948.‏ وخلال فترة توقف القتال تقدم برنادوت إلي طرفي النزاع بمقترحاته حول التسوية السلمية‏.‏ وتناول مسألة الهجرة اليهودية إلي فلسطين وقال أن فتح باب الهجرة اليهودية يبرر مخاوف العرب في فلسطين والدول المجاورة من مخاطر التوسع الصهيوني في الشرق الأوسط ولذلك اقترح قبول الشعب اليهودي لنوع من التنظيم الدولي للهجرة في سبيل مصلحة السلم مع جيرانه العرب وهي كما قال مصلحة حيوية‏.‏
ثم اقترح اجراء بعض التعديلات علي الحدود بين الدولتين العربية واليهوديةكما يرسمها قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة‏.‏ ومن بين هذه التعديلات ضم منطقة النقب للدولة العربية وضم منطقة الجليل للدولة اليهودية‏.‏ كما اقترح ادخال القدس بأكملها ضمن الدولة العربية مع منح الطائفة اليهودية فيها استقلالا ذاتيا لشئون البلدية‏,‏ مؤكدا أن القدس يجب أن تظل تحت السيادة العربية‏.‏
وما كادت هذه المقترحات تصل إلي علم اليهود حتي ثارت ثائرتهم واعتبروا الكونت عقبة في سبيل تحقيق أهدافهم التوسعية وبصفة خاصة مقترحاته بشأن ضم القدس للدولة العربية وفرض قيود علي الهجرة إلي فلسطين‏.‏ وكانت معارضة جماعة شتيرن بزعامة شامير هي الأكثر عنفا‏.‏ وبدأت الجماعة التي كانت لها وحدات مستقلة داخل القدس في تنظيم المظاهرات ضد الوسيط السويدي‏.‏ ثم قرر زعماء الحركة في القدس وهم اسرائيل الداد وجوشوا زتلر وماشولام ماكوفر تقديم مشروع إغتيال وسيط الأمم المتحدة إلي زعماء المنظمة ناثان مور واسحق شامير بمقرهم في تل ابيب‏.‏ و قد أكدت رواية الداد المرشد الروحي للمنظمة والتي أبلغها إلي شارل اندرلين مؤلف كتاب حرب ام سلام‏-‏ أسرار المفاوضات الإسرائيلية‏-‏العربية1917- 1997أن شامير ناقش تفاصيل تنفيذ عملية الإغتيال بنفسه‏.‏
ويوم الجمعة 17‏ سبتمبر عام 1948 وصل الكونت برنادوت ومساعده الفرنسي الكولونيل بيير اندريه سيرو إلي مدينة القدس قادمين من سوريا وكانا يجلسان في المقعد الخلفي في سيارتهما بعد أن انتهيا من بعض الإجراءات المتصلة بمهمتهما في القدس حين اعترضت طريقهما سيارة جيب مكتظة بعدد من المسلحين وفتح ثلاثة منهم النار علي الكونت ومساعده وبعد ذلك عاد القتلة إلي سيارتهم‏.‏ وهكذا في لحظات نفذت عمليةالاغتيال‏,‏ ويومها سقطت أيضا ضحية أخري هي السلام في الشرق الأوسط‏.‏ وظلت تفاصيل الحادث غامضة حتي قرر مرتكبوه الاعتراف في الذكري الأربعين لإغتيال الكونت‏.‏
وحادث الاغتيال حسم مبكرانوايا اليهود تجاه التعايش السلمي مع العرب وأثبت أن السلام لم يكن ولن يكون هدفا إسرائيليا لأنه يتنافي مع أهدافها وأطماعهاوهذا اكبر برهان علي أن الإرهاب منهج صهيوني لابد وأن يجد طريقه إلي التنفيذ‏,‏ بل أن المنفذين تبوأوا مراكز حساسة في الدولة الصهيونية‏.‏ ومع أن الجريمة السياسية لا تسقط بالتقادم الا أن المجتمع الدولي لم يحاول معرفة الحقيقة لمدة اربعين عاما‏,‏ وبعد أن تكشفت التفاصيل لم يطالب باي إجراءات لمحاكمة المتهمين ولكن الأمر لا يبدو عجيبا بالقياس إلي جرائم أفظع تمادت إسرائيل في ارتكابها بعد ذلك في الشرق الأوسط دون أن يعبأ المجتمع الدولي بمنعها او حتي استنكارها‏.!‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب