الأحد 19 من ذى الحجة 1433 هـ   4 نوفمبر 2012 السنة 137 العدد 45989
رئيس مجلس الادارة
ممدوح الولي
رئيس التحرير
عبد الناصر سلامة
تطبيق الاهرام علي ايفون
تطبيق الاهرام علي الموبايل
اعلانات

الصفحة الأولى | قضايا واراء
 
الاقتصاد المصري‏..‏ التحديات ورؤية للأولويات
بقلم: د.هالة حلمى السعيد
د.هالة حلمى السعيد
1595
 
عدد القراءات

من المفترض أن تبث الثورات روحا جديدة من التفاؤل علي المنطقة التي تقوم فيها‏,‏ روحا تؤدي إلي البناء والنهضة الفكرية والثقافية والاقتصادية‏.‏ وقد بثت ثورات الربيع العربي روحا جديدة من التفاؤل في انحاء المنطقة‏.‏

من المفترض أن تؤدي التحولات التاريخية الجارية إذا احسنت إدارتها إلي مستقبل أكثر رخاء لكل شعوب المنطقة. الا إنه في نفس الوقت كان العام ونصف العام الماضيان فترة صعبة جدا علي جميع بلدان التحول العربي فهي تواجه ضغوطا اقتصادية في ظل سعيها لإدارة التغيير السياسي وتلبية المطالب الاجتماعية الملحة. فإن هذه المرحلة تستلزم التعامل مع خيارات صعبة, ولا يساعد علي ذلك مايشهده الاقتصاد العالمي من اضطرابات كبيرة في نفس الوقت. وبالنظر إلي الوضع الحالي في مصر, فإننا نجد أن الاقتصاد المصري رغم ارتكازه علي اساسيات سليمة وقوية يواجه عددا من التحديات الصعبة التي يتعين معالجتها من خلال برنامج اقتصادي يحافظ علي الاستقرار الاقتصادي الكلي ويهيئ الظروف لتحقيق تعاف قوي, وتتمثل هذه التحديات في:
انخفاض معدل النمو الاقتصادي, وذلك نتيجة انخفاض مساهمات قطاع السياحة, والصناعات التحويلية, وتجارة الجملة والتجزئة. وكذلك انخفاض معدل النمو إلي ما يقل عن معدل نمو السكان, مما يعني انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل.
زيادة عجز الموازنة من7.8% من الناتج المحلي الإجمالي إلي11%, وارتفاع معدل الدين العام المحلي إلي894 مليار جنية بنسبة57% من الناتج المحلي الإجمالي. و تلجأ الحكومة إلي الاقتراض الداخلي لسد هذا العجز عن طريق إصدار أذون وسندات, الأمر الذي من شأنه تقليل الائتمان المتاح للمشروعات الإنتاجية ويؤثر سلبا علي كمية الانتاج وفرص العمل.
استحواذ الدعم علي25% من إجمالي النفقات العامة مما يسلب من الدولة قدرتها علي تحسين خدمات الصحة والتعليم والتطوير. وكذلك ارتفاع معدل البطالة للعام المالي2012/2011 ليصل إلي12% مما يمثل زيادة عما وصل إليه معدل البطالة في2010/2009 قبل الثورة, حيث بلغ معدل البطالة9.4% آنذاك.
حقق صافي الاستثمار الاجنبي المباشر انخفاضا ملحوظا بعد ثورة25 يناير, ويرجع ذلك بصفة أساسية لزيادة التدفقات الاستثمارية للخارج مع انخفاض إجمالي الاستثمارات للداخل. فقد بلغت صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة قيمة سالبة في الربع الثاني من العام المالي2011/.2012
كل هذه الظواهر إلي جانب المغالاه في المطالب الفئوية والتعبير عنها بالمظاهرات والاعتصامات التي كثيرا ما تؤدي إلي تعطيل حركة الانتاج والاعتداء علي المرافق العامة والخاصة, وذلك نتيجة عدم ارتفاع مستوي تفكير وممارسات الكثير من قوي الضغط والنقابات إلي مستوي اعلاء مصلحة الوطن علي مصالحها الذاتية.
الواقع أن حل هذه التحديات لن يتم الا من خلال: مصارحة المواطنين بحقيقة الوضع الاقتصادي الراهن والتحديات والموارد والامكانيات المتاحة, والتأكيد علي وجود ملفات لا يمكن تحقيقها علي المدي القصير ومن شأن ذلك أن يساعد في الحد من حالة عدم الثقة بين الحكومة والمواطنين, ويجعل المواطن شريكا في منظومة الاصلاح. ويجب أن ترتكز الاصلاحات الاقتصادية علي تحقيق معدل مرتفع ومستمر من النمو الاقتصادي واعطاء اولوية مطلقة للتوظيف وخلق فرص عمل, فهي الضمانة الحقيقية للديمقراطية والتنمية المستدامة. علاوة علي التزام الحكومة بعقودها واتفاقياتها والتزاماتها تجاه الغير, والتزامها بالعمل في منظومة الاقتصاد الحر والنظام المالي العالمي, وعدم خلط المفاهيم الدينية بالمفاهيم الاقتصادية المتعارف عليها عالميا.
فإذا نظرنا إلي بعض الحلول القصيرة والمتوسطة الأجل, فنجد أنها تتمثل في: اعادة النظر في المصروفات العامة, وتجنب النفقات غير الضرورية علي مستوي كل مؤسسة ووزارة. وترشيد الدعم, كدعم الطاقة والبنزين والكهرباء لشرائح الدخل المرتفعة علي الأقل, والغاء دعم الوقود للمصانع بدءا بتلك المستخدمة لها بكثافة مثل مصانع الأسمنت والحديد والسيراميك والأسمدة والتي تبيع منتجاتها بالأسعار العالمية, مع ضرورة مراقبة الحكومة لأسعار هذه المنتجات. إلي جانب زيادة الإيرادات عن طريق رفع كفاءة تحصيل الضرائب ومنع التهرب الجمركي والتهرب الضريبي قبل تغيير الهيكل الضريبي مع التفكير في فرض ضرائب تصاعدية علي الشرائح العليا, وتخفيض حد الاعفاء إلي20.000 جنيه سنويا.
أما علي المدي المتوسط فيجب النظر إلي أن تتجه سياسة الاستثمار الداخلي إلي مبدأ التوزيع الجغرافي في المحافظات, وبالتالي يتم اقامة الصناعات الجديدة وتوجه الاستثمارات إلي المناطق التي تزداد بها نسب البطالة ومعدلات الفقر, ويتم اقامة الصناعات وفقا للميزة التنافسية التي تتمتع بها كل منطقة أو محافظة. وجدير بالذكر أنه لن يتم ذلك الا من خلال خلق نوع من التنافسية بين المحافظات المختلفة لاكتشاف الإمكانات الكاملة والظاهرة في27 محافظة بحيث ترسم كل محافظة رؤيتها المستقبلية لجذب الاستثمار في اطار الخريطة المتكاملة للاستثمار.
الموازنة بين سياسة الاقتراض المحلي والاقتراض الخارجي. فلكل من السياستين سلبياته وايجابياته. فالاقتراض الداخلي يعد اعتمادا علي الذات الا إنه يتم عن طريق الجهاز المصرفي مما يقلل من الائتمان المتاح للمشروعات الإنتاجية, الأمر الذي يؤثر سلبا علي كمية الإنتاج وفرص العمالة, كما أن تكلفته متمثلة في سعر الفائدة المرتفعة إذا ما قورنت بتكلفة الاقتراض الخارجي. مما يزيد من أعباء الموازنة العامة.
أما الاقتراض الخارجي فإنه أقل تكلفة ويعد اضافة إلي الموارد المحلية المتاحة للائتمان, إلا أنه قد يرتبط بشروط, بالإضافة إلي احتمال زيادة أعبائه في حالة تعرض سعر صرف العملة المحلية إلي الانخفاض في مواجهة العملات التي يتم سداد القروض الأجنبية بها. ولكن الظروف التي يمر بها الاقتصاد المصري تجعل من الاقتراض الخارجي أحد الوسائل الهامة للتمويل. فلابد من التأكيد والمصارحة في أوجه استخدام هذا القرض, والذي يجب أن يوجه لأغراض إنتاجية لتشغيل طاقات إنتاجية عاطلة, وفي خلق طاقات إنتاجية جديدة مما يساعد علي تحريك عجلة الإنتاج, واتاحة المزيد من فرص العمل, مع تفادي استخدامها في أغراض استهلاكية غير إنتاجية.
وأخيرا أحب أن أضيف بعدا مهما, وهو الجانب الاجتماعي الأخلاقي, وهذا الجانب في نظري هو الأهم في منظومة الإصلاح; حيث يتعامل هذا الجانب مع القيم الإنسانية والسلوكيات المختلفة ويشمل النظرة العامة للعمل, والانضباط, والأنماط الاستهلاكية, وقيمة الجودة والدقة. وهي قيم يمكن تطويرها عن طريق التوعية والاعلام والتعليم, فهذه القيم هي اساسية في منظومة التنافسية. فهي تمثل المنظومة الأساسية التي بدونها لا يمكن لاقتصاد أن ينمو.
عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية_ جامعة القاهرة.

Share/Bookmark      طباعة
 

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام،و يحظر نشر أو توزيع أو طبع أى مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الاليكترونى ahramdaily@ahram.org.eg