الجمعة 3 من جمادي الآخرة 1440 هــ 8 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48276

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

محافظة كُلٍّ من الزوجين على الآخر

تحيط بالحياة الأسرية بين الزوجين تحديات جسام ومواقف متتالية تحتاج إلى التفاف كلا الزوجين حول أنفسهما بسلامة ونقاء قلب، فيمسك كل طرف بالآخر لمواجهة هذه الصعاب جنبًا إلى جنب بما يحقق سعادتهما، ويؤكد نجاح الاختيار لكل منهما فى شريك الحياة المناسب.

والعلاقة الزوجية كأرض خصبة يتشارك الزوجان فى زراعتها ونماء غرسها -وهم الأبناء- فى حب ومودة مع بذل ما فى وسع كل طرف للمحافظة على الطرف الآخر وتحقيق سلامته والابتعاد عن الإضرار به، بل يطالب بإصلاح ما يظهر من عيوب وسترها ما أمكن.

إن محافظة كلٍّ من الرجل والمرأة على الآخر فى العلاقة الزوجية ضرورة حياتية وفريضة شرعية تقتضى منهما الانطلاق فى كليات هذه العلاقة وتفاصيلها من الاهتمام ببعضهما فى مختلف الجوانب مع المصارحة والصدق بينهما وإظهار الإعجاب وتداول العبارات الإيجابية التى تكشف عن الحب والتقدير وتضفى على حياتهما الأجواء الصافية؛ امتثالا لقول الله تعالى فى جانب الرجال: «وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا» [النساء: 9]، ولقوله صلى الله عليه وسلم فى جانب النساء حين قال لأسماء الأنصارية رضى الله عنها: «انصرفى أيتها المرأة، وأَعْلِمى من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته تعدل ذلك كله»(شعب الإيمان للبيهقي)؛ أى تعدل ثواب ما امتاز به الرجل عليهن من العبادات كالجهاد وحضور الجُمُع والجماعات.

ويُعَدُّ توسيع مساحة الحوار والتفاهم بين الزوجين حجر الأساس فى المحافظة على بعضهما وتماسك الأسرة من خلال مد جسور التواصل بينهما ودعم مسيرة الوفاق والحب الزوجي، حيث تطرح أمور هذه الحياة للنقاش بينهما، والتحدث عن السلبى والإيجابى منها، وإظهار الحاجة لمشورة الطرف الآخر، فضلا عن حبسها فى إطار بيت الزوجية دون إشاعتها خارجه بما يؤدى إلى تضخمها وتفاقمها، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك فى قولِه سبحانه: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) [البقرة: 233]، وفى عطفه تعالى «التشاور» على «التراضي» إرشاد وتعليم للزوجين لسياسة تدبير شئون بيت الزوجية؛ لأن المشورة تظهر الصواب ويحصل بها التراضي.

كما ينبغى أن يبتعد الزوجان فى سبيل المحافظة على علاقتهما الزوجية عن مظاهر النفعية الجافة، بل ينطلقان من مبدأ «التضحية والمسامحة»، حيث إظهار المودة وبذل ما فى الجهد من صور الملاطفة المعنوية والحسية، وكذا العطاء دون انتظار مقابل؛ لأنه وإن قصر أحدهما فى حقوق الآخر فعليه القيام بمقتضيات العبودية لله تعالى وأداء شعائره، والامتثال لمعانى الأبوة والأمومة الراقية، ومن ثَمَّ ترتقى هذه الحياة الأسرية إلى استمداد السعادة من مصادرها الحقيقية التى قال عنها الله تعالي: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً» [الروم: 21]. ويضاف إلى ذلك وجوب سيادة حسن الظن بين الزوجين وعدم تتبع كل طرف أسرار الطرف الآخر وما قد يصاحب ذلك من التنصت والتفتيش حول الخصوصيات، ولا يخفى ما تحمله هذه القيم السلبية من سلوكيات عدوانية سيئة لتضمنها انتهاك الحرمة والخصوصية، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ» (سنن أبى داود). وبتحقيق هذه المعانى الراقية التى يقتضيها مبدأ «محافظة الزوجين على بعضهما» تتلاشى فى هذه العلاقة المقدسة مظاهر الأنانية وحب الذات ومناطق افتعال المعارك والخلافات، فقد تقاسم الزوجان هذه الحياة ذات الميثاق الغليظ بحلوها ومرها فى تعاون لا يعرف الأنانية أو الكسل، ومودة لا تتخللها الكراهية، فكل واحد منهما بمنزلة السكن للآخر ومحل اطمئنان قلبه وواحة الراحة والهدوء التى يلجأ إليها.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: