الجمعة 29 من ربيع الأول 1440 هــ 7 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48213

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بناء الأسرة فى الإسلام (1)
الإطار الاجتماعى (القرابة والجيرة)

امتن الله تعالى على الأمة الإنسانية باتصال حلقاتها وارتباط أفرادها بعضهم ببعض، فقال تعالي: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)[النساء:1]، بل وحذَّر من قطع هذه الرحم، وجعل ذلك من الكبائر كما فى قولِه تعالي: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ)[محمد: 22 ـ23].

ويتحقق باتصال أفراد الأسرة مع الأهل والأقارب والجيران وتكاتفهم فيما بينهم سياج محكم من شأنه دعم بناء الأسرة وضمان استمرار بقائها وإشاعة الشعور بالطمأنينة والأمان؛ فهم مصادر مكملة لإطار الأسرة الاجتماعي، وقد وردت فى كتاب الله تعالى الوصيةُ بهم والتكاملِ معهم فى أكثر من موضع، مِن ذلك قولُه تعالي: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِ وَالْـجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْـجَارِ الْـجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْـجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)[النساء: 36]، 

وأطراف القرابة المكوِّنة للإطار الاجتماعى للأسرة ثلاثة: أولها: الأهل من ناحية الزوجة، وثانيها: الأهل من ناحية الزوج، وثالثها: الأقارب الذين يرتبطون بطرفى الأسرة بعلاقات قرابة بعيدة.

وقد هيأ الشرع الشريف الأجواء الدافئة بين هذه الأطراف؛ وذلك من خلال ذكره قراباتِ الأسرة (الأخوة والعمومة والخئولة) مع تشريع حقوق لهم تسمو فوق العلاقات العادية؛ حيث قال تعالي: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا)[الأحزاب: 55].

وقد بنى الشرع الشريف على هذه الصلة التى اقتضتها القرابة والصداقة إباحة الأكل من بيوتهم دون دعوة مع مراعاة آداب دخول البيوت ومخالطة أهلها، كما فى قولِه تعالي: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْـمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِـحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا)[النور: 61].

كما أن من تمام العلاقات مع الأسرة الجار الصالح بما يمثله من عوامل مهمة من شأنها تحقيق التعاون والتكامل؛ حيث إنه أقرب إليهم فى الأفراح والأحزان، وهو مطالب بحفظ حقوق جاره وصونه عرضه وماله ومحارمه، ولذا اختصه الشرع بمنزلة عظيمة كشف عنها صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْـجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (متفقٌ عليه).

وتجتمع جملة الحقوق الواجبة على الأهل والأقارب والجيران تجاه أفراد الأسرة تحت عنوان: «إيصال الخير إليهم ودفع الضرر والأذى عنهم ما أمكن إلى ذلك سبيلًا»، ومع ذلك أيضًا: الدعاء وحصول الرجاء بدوام العشرة بينهم، فضلا عن تحقيق التكافل الاجتماعي؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْـمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِى الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ» (سنن الترمذي).

وبذلك نجد أن الشرع الشريف يحث الأسرة على الخروج عن الانعزال إلى إقامة العلاقات الجيدة مع الأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف والجيران وتحسين إدارتها، لكن هذا مشروط بعدم توسع هؤلاء وتغلغلهم داخل الأسرة إلى حد يصل بالأمر إلى حد تحفيز أحد الطرفين ضد الآخر، ولا يخفى ما فى ذلك من المفاسد التى تهدد هذه الحياة المعصومة.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: