الجمعة 22 من ربيع الأول 1440 هــ 30 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48206

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رعاية الأسرة

أولى الإسلام أمر الأسرة بالعناية والرعاية؛ فأحاطها بسياج محكم يشمل كل جوانب الإنسان حيث ينشأ مع العقيدة ويسرى فى التعبد ووسائل التقرب إلى الله تعالي، فضلا عن كشفه سمات طريقة بناء الأسرة المثالية عبر مراحلها المختلفة مع ضبطٍ متين لممارسات الأسرة وتفاعلات أفرادها وفق جملة من الشروط والمعايير الشرعيَّة والعرفية.

إن آية خلق الزواج - وهو أساس تكوين الأسرة - عقيدة راسخة لدى المسلم باعتبارها سنة من سنن الله الكونية والضرورية لانبثاق الحياة على وجه الأرض وضمان توليدها ووجودها، حيث قال الله تعالي: (سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون)[يس: 36]، وقال تعالي: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)[الذاريات: 49].

كما أن الزواج وما يترتب عليه من حقوق وواجبات وآثار يعتبر عبادة، وقربة يتقرب بها أفراد الأسرة من الزوجين والأولاد إلى الله تعالي، وقد حثَّ الشرع الشريف كلا من الرجل والمرأة على الانطلاق فى كليات هذه العلاقة وجزئياتها من مبدأ المساواة كحق لهما بالسوية؛ فكلاهما مكلف بحقوق وواجبات وثواب وجزاء على قدر متساوٍ إلا ما نُصَّ على تخصيصه بأحدهما دون الآخر، وفى ذلك يقول تعالي: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة: 228]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ»(سنن أبى دواد).

ولقد ورد الشرع الشريف بالأحكام والآداب التى من شأنها تهيئة الحياة الزوجية وفق علاقة خاصة تختلف فى مفاهيمها وسماتها وآثارها عن تلك العلاقات التى تقوم على أساس جاف يؤدى الطرف الأول فيها واجباته تجاه الطرف الآخر بدقة وصرامة، ثم إنه لم تقتصر رعاية الإسلام للأسرة على ما ينشئ العلاقة فقط، بل امتد اهتمامه لآدابها وبيان الحقوق والواجبات وصولا إلى الفُرق التى تنهيها أيضًا على وجه مفصل ملائم لكل حالة شهدتها الحياة الأسرية، بل ما قد يستجد مستقبلا.. ويلاحظ حرص الشرع الشريف فى سياق تقرير الحقوق وبيان الواجبات على تأكيد أن الحياة الزوجية لا ينبغى لها أن تقتصر على استيفاء الحقوق والمطالبة بالواجبات فقط، بل لا بد أن تبنى على المعاشرة بالمعروف والمعاملة بالفضل قولا وفعلا وخلقًا.

وذلك لأن العلاقة الزوجية كأرض خصبة يتشارك الزوجان فى زراعتها ونماء =غرسها وهم الأبناء.

وبجانب ذلك جعل الشرع الأهل والأقارب باعتبارهم مصادر مكملة للأسرة من أجل تحقيق الاندماج بين الزوجين؛ وشرع فى حقهم تجاه الزوجين النصيحة والإرشاد ومد يد العون والمساعدة فى تبادل الخدمات المادية والمعنوية، وتوفير الرعاية النفسية وقواعد السلامة العامة وإثقال مهارات الزوجين فى التعامل مع بعض فى المواقف التى تستجد فى حياتهما وتطويرها، بل ندب إلى اختيار حَكَمين صالحين ليفصلا بين الزوجين إذا استدعى الأمر ذلك، وذلك مضبوط بعدم توسع هذا الإرشاد والمساعدة حتى يصل إلى حد تحفيز أحد الطرفين ضد الآخر، ولا يخفى ما فى ذلك من المفاسد خاصة أنه تهديد حقيقى لهذا الزواج. وبذلك تتكشف مظاهر رعاية الإسلام للأسرة وسمات الاهتمام الذى يوليه لها عبر مراحلها المتعاقبة من تشريع الأحكام العامة للزواج وفُرَقه وآداب العشرة الطيبة وإرشاد الزوجين إلى سمات الأسرة السعيدة والتنبيه على مواطن المشكلات المهددة لاستمرارها واستقرارها، ولا شك أنه إذا ما رُوعى ذلك يحصل ارتقاء لتلك الحياة الأسرية من مجرد كونها صورة تتدفق من خلالها الغريزة الجنسية بين طرفين إلى كونها عملية اجتماعية ذات طبيعة إنسانية، ومن ثَمَّ يكون بناؤها صلبًا ينعم أفرادها فى ظلاله بالرحمة والسعادة ووسائل الكرامة والفلاح.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام

رابط دائم: