الجمعة 15 من ربيع الأول 1440 هــ 23 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48199

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بناء الأسرة فى الإسلام (9)
المساواة بين الزوجين

أحاط الشرع الشريف علاقة الإنسان بالكون من حوله بجملة من المبادئ والحقوق والواجبات التى تراعى الفوارق الفطريَّة والخصائص الطبيعية التى يمتاز بها أحد نوعية على الآخر وتحقق انسجامًا وتصالحًا دون تناقض أو صراع.ومن ثَمَّ يأتى التأكيد على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة باعتباره حقًّا من حقوق الإنسان فى الإسلام، حيث تنطق نصوص الوحى الشريف من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة بأن الإنسان مكرَّم بنوعيه (الذكر والأنثى) فى أصل خلقنه، وأن كلا منهما مكلف بحقوق وواجبات وثواب وجزاء على قدر متساوٍ إلا ما نُصَّ على تخصيصه بأحدهما دون الآخر، ويدل على ذلك عطف المرأة على الرجل عند ذكر كثير من هذه الأحكام أو تلك الفضائل، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) الأحزاب: 35. وتؤسس هذه الآية الكريمة وحدها سمات الإطار العام الذى ينبغى على الزوجين مراعاة أصوله ومظاهره، حيث أطنبت فى ذكر الخصال الحميدة التى يمتدح بها الإنسان شرعًا وعقلا وعرفا إذا تحلى بحقائقها، وتحمل فى طيات ذلك بيانًا قاطعًا يؤكد أن المساواة بين الرجل والمرأة غير منحصرة فى خصوص خصلة واحدة، بل المساواة بينهما من أصول التشريع ومقاصده؛ فالمرأة تتمتع بجملة من الحقوق الفردية والاجتماعية والإنسانية تكافئ ما عليها من واجبات ثقيلة، وفى ذلك يقول تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة: 228].

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (سنن أبى دواد). وبذلك ساوت النصوص الشرعيَّة بين الزوجة وزوجها أمام تشريعات الحقوق والواجبات وأحكامها، وأيضًا أمام تشريعات الجزاء وأحكامها، فضلا عن تعليق الشرع زواج المرأة على إذنها ورضاها سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، بما يؤكد أن نظرة الإسلام للمرأة تتمثل فى كونها إنسانًا مستقلًّا حرًّا مثلها فى ذلك كالرجل تمامًا بتمام، ومن ثمَّ قرر أهليتها الكاملة واستقلال إرادتها واختيارها وانفصال ذمتها المالية عن ذمة الزوج، وفى ذلك يقول تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) البقرة: 229. والمساواة هنا ليست بمعنى التساوى المطلق بل هى مساواة نسبية روعى فيها ما اختص الله تعالى المرأة من فضل وخصوصية يحتاجها الرجل، والعكس صحيح، ورتب على ذلك أحكامًا متعلقة بالنوع والجنس، وهى قليلة بالمقارنة مع جملة الأدوار والأحكام المشتركة بينهما؛ نظرًا للفروق البيولوجية والعقلية والعاطفية بينهما، وليس فى ذلك أيضًا ثمة خروج عن شرعة المساواة؛ لأن ما اختص به الزوج من أحكام هو من قبيل الفضل الوظيفي، وهو كذلك بالنسبة للمرأة، بل عالج الشرع الشريف ما قد ينتج عن ذلك من شعور بالدونية عند البعض؛ فحثهما على ألا يتمنى أحدهما مميزات الآخر، كما قال تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) النساء: 32. ويتأكد من خلال ذلك كله سبْق الإسلام فى تقريره لمبدأ المساواة وإطاره العام وصوره الواقعية باعتباره حقًّا أصيلا من حقوق الإنسان، فضلا عن كونه منطلقًا لبناء الأسرة السعيدة وتوفر الأجواء السليمة والصحيَّة لها حيث يشترك كلّ من الزوجين فى أغلب الأدوار والمسئوليات داخلها؛ من أجل تحقيق التكامل بين دور كلٍّ منهما.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: