الجمعة 17 من صفر 1440 هــ 26 أكتوبر 2018 السنة 143 العدد 48171

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

(6) وظائف الزواج المادية والمعنوية

يمثل الزواج حاجة اجتماعية تعكس مطلوب الأفراد والمجتمعات من الحياة؛ حيث أداء الوظائف والمسئوليات المتعلقة بالنوع بحسب الخصائص والطبيعة، وكذلك الوظائف الشرعية؛ لكونها محلا تتعلق به التكاليف والأحكام الضابطة لأفعال المكلف وتصرفاته، والناظمة لسائر العلاقات والدوائر المحيطة بالإنسان.
ويقوم الزواج الشرعى بمجموعة من الوظائف المتنوعة التى تشمل الأفراد والأسرة والمجتمع وفق سمات تمثل غاية الرقى والكمال فى النظام الاجتماعي، فعلى مستوى الأفراد: يُشَكِّل الزواج بين الرجل وزوجته كيانًا موحدًا متماسكا يزيد قدرتهما فى مواجهة الحياة وصعوباتها، بالإضافة إلى كونه إطارًا مشروعًا يعمل على تنظيم قضاء الغريزة والرغبة الجنسية بين الزوجين وفق أبعاد أخلاقية ونفسية لا يترتب عليها ضرر للإنسان أو فساد فى المجتمع واختلال لنظامه.
ويلعب الزواج دورا مهما فى عملية التجديد الذاتى للزوج والزوجة؛ حيث يقوم بتخفيف المشاعر السلبية التى تتراكم على أحد الطرفين من خلال إفضائه بمتاعبه ومشكلاته وأحزانه، مع ضرورة مراعاة عدم اطلاعه على خصوصيات الآخر بغير إذنه؛ فلا تسير تلك العلاقة على نسقٍ صحيحٍ إلا بتخلُّق كِلَا الزوجين بالسماحة وغضِّ الطرف عن الهفوات، وهذا يبرز الحكمة من نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يفاجئ الرجل زوجتَهُ بدخوله عليها على غفلة، فعن جابرٍ رضى الله عنه قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ» (صحيح مسلم) والطُّرُوق بالضم: المجيء بالليل مِن سفرٍ أو من غيره على غفلة.
كما يعتبر الزواج أساسًا لبنيان الأسرة؛ حيث تتوافر الحاضنة التى تنمو فيها عواطف الأبوة والأمومة التى تنطلق منها المشاعر العاطفية كالحنان والود والرحمة اللازمة لعملية التنشئة الاجتماعية للأجيال الممتدة مستقبلا فى المجتمع الإنساني.
وبذلك تتأسس بالزواج منطقة تفاعل مشتركة بين الأبوين، حيث توزيع الأدوار فى الإنفاق والتربية وتوفير أمور المعاش والحياة السعيدة، بما يعد تدريبًا عمليًّا لهما على تحمل المسئولية على الأصعدة المختلفة فى داخل الأسرة وخارجها من المجالات المتنوعة فى المجتمع، وفى المقابل يحصل تبادل حيوى بين الآباء والأبناء؛ حيث تتأكد لدى الأبناء قيم العرفان ورد الجميل عندما يعتمدون على أنفسهم فيمدون يد العون والخير للأبوين بالتوسعة والترفيه والقيام بشئونهم والوفاء بحقوقهم فى حال حياتهم، وبالعمل الصالح ووصلهم وبرهم بعد الممات، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِى الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ» (سنن ابن ماجه).
أما على مستوى الأمة والمجتمع فيقوم الزواج على تعويض خسارة النوع الإنسانى بوفاة بعض أفراده من خلال الإنجاب، ولا يقتصر ذلك على الإنتاج البيولوجى فقط، بل يصحب ذلك التنشئة المجتمعية وفق منظومة القيم الدينية وأخلاق المجتمع وتقاليده وأعرافه، مما يحافظ على تراث المجتمعات وحضارة الأوطان ونقله حيًّا بين الأجيال المتعاقبة التى تطالب بالعيش موافقة لزمانهم وواقعهم المتطور ووفق المناهج المنقولة دون الوقوف عند مسائل الماضي، مما يُمَكِّن هذه الأجيال من إتقان الأدوار والمسئوليات التى سوف يؤدونها فى المستقبل على نحو متكامل يحافظ على عراقة الماضى ويعمل على تجديده وتطويره حتى يواكب مسيرة الحضارة وركب الإنسانية.


لمزيد من مقالات د. شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: