الجمعة 4 من محرم 1440 هــ 14 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48129

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نحو مجتمع آمن مستقر
يوم عاشوراء ومبادئ التعايش

شرع الإسلام فعل العبادات فى يوم عاشوراء على سبيل الاستحباب وسواء كان ذلك بالعمل أو بالقول والثناء؛ وذلك تعظيمًا لهذا اليوم الذى نجَّى الله تعالى فى مثله نبيه نوحا عليه السلام باستواء سفينته على جبل الجودي، وأظهر فيه الكليم موسى عليه السلام وقومه على فرعون، فهو يوم من أيام الله تعالى التى ينبغى التذكير بها؛ كما قال تعالى: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» [إبراهيم: 5].ولقد درج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على إحياء زمان هذا اليوم المبارك بالصيام شكرًا لله تعالى وتعظيمًا لمظاهر إنعامه وإكرامه المبثوثة فيه؛ فعن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صوم يوم عاشوراء، يوم كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم» (مصنف ابن أبى شيبة).ثمَّ صامه صلى الله عليه وسلم أيضًا وأمر المسلمين بصيامه وسن لهم أنْ يُصام يوم قبله ويوم بعده، حيث إنه صلى الله عليه وسلم بعد أن هاجر إلى المدينة المنورة وأقام بها حتى جاء يوم عاشوراء من السنة الثانية من الهجرة وجد اليهود فيه صياما؛ فسألهم عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذى أظهر الله فيه موسى وبنى إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيما له، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصومه» (صحيح مسلم).ويمتاز يوم عاشوراء بأنه أرجى زمان للتوبة ولقبولها وإجابتها، فعن الإمام على رضى الله عنه، قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا قاعد عنده، فقال: يا رسول الله، أى شهر تأمرنى أن أصوم بعد شهر رمضان، قال: «إن كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين» (سنن الترمذي).

كما يُستحب شرعًا إحياء هذا اليوم العظيم بالتوسعة على الأهل والعيال، وصلة الأقارب والجيران، وكثرة الصدقات على الفقراء والمساكين من غير تكلف؛ فإن لم يجد شيئًا فيُطلب منه توطين نفسه على معاملة الخلق بالرفق وحسن الخلق؛ اتباعًا للسنة النبوية المطهَّرة التى وردت عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة، وأمثل هذه الطرق وأقواها ما أخرجه ابن عبد البر فى «الاستذكار» من طريق شعبة، عن أبى الزبير، عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ». قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: «جربناه فوجدناه كذلك»، وقال أبو الزبير: مثله، وقال شعبة: مثله.ويؤخذ من تشريع إحياء زمان هذا اليوم بالصوم وبالتوبة مشروعية إحيائه بأنواع القُرب والطاعات التى يظهر فيها معنى الفرح والشكر لله على نعمه ونفحاته الإلهية المبثوثة فى هذا الزمن المبارك، التى من شأنها تكثير الحسنات ورفع الدرجات كما فى جوابه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء؟ حيث قال: «يُكَفِّر السَّنَةَ الماضية» (صحيح مسلم).وتقرر هذه المعانى السامية التى حثَّ عليها الشرع الشريف ودرج عليها الأنبياء والرسل الكرام عبر سلسلتهم المباركة وجوب تعظيم الأزمان التى تجلى الله تعالى على خلقه خاصة أولى الفضل والذكر بالإنعام والإكرام؛ شكرًا له تعالى وفرحًا وسرورًا.بالإضافة إلى أنها تؤسس مبادئ التعايش والمواطنة على أسس مستقرة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، والتى تقوم على تعميق المشترك الإنسانى ومراعاة بناء العلاقات الإيجابية بين الخلق على البر والصلة والإحسان المتبادل بوجه عام، فلم يعدّ صيام النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين ليوم عاشوراء مشابهة مذمومة لغير المسلمين أو اشتراكًا مخالفًا لعقائد المسلمين؛ لأنه واقع على سبيل الموافقة على السبب وهو شكر المنعم سبحانه على إنعامه وإحسانه على أهل الفضل والصلاح وعلى البشرية فى هذا اليوم المبارك.

وكل عام وأهل مصر والأمة العربية والإسلامية بخير.


لمزيد من مقالات د.شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: