الجمعة 27 من ذي الحجة 1439 هــ 7 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48122

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نحو مجتمع آمن مستقر..
الهجرة النبوية وإستراتيجية إدارة الأزمات

تحفل السيرة النبوية الشريفة بممارسات قريش الوحشية على مدى ثلاث عشرة سنة مرت على النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين الأوائل وهم فى مكة المكرمة بعد البعثة النبوية الشريفة، حيث استخدم خصوم الإسلام ما يملكون من سلطات ونفوذ وعلاقات ممتدة ومهارات تنظيمية واسعة، مع تزايد ذلك قبل الهجرة المشرفة بصورة فجَّة من أجل وأد الإسلام فى مهده، فتارة بحجب الحقائق والحروب النفسية من الإيذاء والسخرية والتهديد والتجويع والمقاطعة، وتارة أخرى بالإغراء بالملك والمال والجاه والمفاوضات.
ورغم ذلك اتسعت دوائر أنوار الوحى فى الانتشار بين الصادقين منهم، حيث بلَّغ النبى صلى الله عليه وسلم -رغم هذا العنت- رسالة ربه على مدى الثلاثة عشر عامًا، صابرًا شجاعًا صادقًا، يحيا حياة اجتماعية قوية مع ذويه وأهله وجيرانه، فلم يعزل نفسه بعيدًا عن الناس رغم أنه معرض للقتل والفتك به، لكنه لا يخشى أحدًا غير الله تعالى، مُعْرِضًا عن بعض أحوال خصومه لا عن ذواتهم كما أمره ربه بقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر: 94- 96].
ثم أذن الله تعالى له ولأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، فسارع المسلمون فى الخروج من مكة المكرمة إليها حيث توفرت عوامل الجذب إليها من وجود ملاذ آمن وبيئة صالحة فيها لاحتضان الإسلام مع تمهيد لها عبر أعوام سابقة بدخول عدد من أهل يثرب فى الإسلام.
وهذا كله أثار قريش فاجتمعوا فى دار الندوة للنظر والتشاور، حيث قرروا فى الختام التخلص من صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يختاروا من كل قبيلة فتى شابًا قويًّا نسيبًا حسيبًا فى قومه، ثم يزوِّدون كل فتى منهم سيفًا صارمًا، حتى يقتلوه بضربة رجل واحد، ومن ثَمَّ يتفرق دمه الشريف فى القبائل جميعًا، ولا يقدر بنو عبد مناف – أهل النبى - على حرب قومهم جميعًا، فيرضون منهم بالدِّية.
وهذا مكر خبيث ضد الرسالة الخاتمة ورسولها ومع ذلك حَرصَ صلى الله عليه وسلم أن يدفعه عنه بعد الوقوف على حقيقته ومعرفة أبعاده وأهدافه وخططه، وذلك وفق الوسائل المتاحة لإدارة الأزمة، فتم تحويله بما يحمله من مخاطر عالية إلى نصر حقيقى أعاد صياغة الظروف المحيطة لصالحه صلى الله عليه وسلم، وذلك من حيث السرية التامة لموعد هجرته، والاستعانة بأهل الخبرة والكفاءة فى معرفة دروب الصحراء وطرقها، مع استخدام خطط حكيمة لعمليات الإمداد والتموين والاستطلاع، وأيضًا التشويش على المتربصين.
كان خروجه صلى الله عليه وسلم بعد عشاء اليوم التالى لاجتماع قريش بدار الندوة، بعد إعداد دقيق مصاحب لعقيدة مؤمنة بالله تعالى واثقة بنصره، مع ثبات على المبادئ وصبر جميل عَلَت فيه القيم والأخلاق النبيلة على الأهواء والرغبات، وكذا التفاف المسلمين حول نبيهم، مع فداء نادر وبذل للغالى والنفيس فى سبيل وحدتهم وإنجاح مقاصدهم، وفى ذلك يقول الله تعالى: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى  وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة: 40] .
وبذلك تكشف هذه الدلالات عن درس من دروس الهجرة النبوية الذى يبرز حيازة النبى صلى الله عليه وسلم للنسق الأعلى للمعانى النبيلة والحكمة الرفيعة فى الحرب وفى السلم، والتى استطاع من خلالها تحويل الأزمات والمؤامرات الجسام التى نسجها خصومه إلى محافظة على وحدة الصف بين المسلمين وبث روح العزيمة فى نفوسهم والثبات على مبادئهم؛ خدمةً للدعوة، وتبليغًا لحقائق الرسالة للعالمين بالقول وبالعمل، حتى جاء اليسر بعد عسر، فأصبحت الهجرة النبوية الشريفة بمثابة الانطلاقة الكبرى للرسالة المحمدية الخاتمة للانتشار عبر آفاق المعمورة.


لمزيد من مقالات د.شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة