الخميس 26 من ذي الحجة 1439 هــ 6 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48121

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حان وقت التخلص من الميليشيات الليبية

المعركة الطاحنة التى تدور رحاها فى العاصمة الليبية طرابلس، تفرض التكاتف الإقليمى والدولى للشروع فى نزع سلاح الميليشيات فورا، ووقف الممارسات السابقة التى كانت تحتمى فيها بعض القوى المحلية والخارجية بجماعات مسلحة وتوفر لها ملاذا آمنا ,مكنها من البقاء على قيد الحياة فترة طويلة.

المرحلة الجديدة التى دخلتها حرب الميليشيات قد تكون مفيدة فى استنزاف الأطراف المنخرطة فى الصراع منذ سبعة أعوام، وتؤدى إلى التمكن من اضعافها، مما يضطرها للرضوخ إلى نداءات التسوية الحقيقية، عندما يصل الجميع إلى مرحلة متقدمة من الضعف الذى تراهن على أهميته بعض القوى الفاعلة فى الأزمة الليبية.

شدة المعارك وفشل محاولات تثبيت وقف إطلاق النار، تؤكد أن طرابلس قد تواجه حربا ممتدة، لأن كل طرف يعرف أن نجاحه أو إخفاقه سوف يرسم مكانه على الخريطة السياسية فى المستقبل، والتى تحددها الأوزان النسبية لكل فريق، لذلك يبدو التلاقى وثيقا بين القوى السياسية والتنظيمات المسلحة. وكل طرف يوفر للآخر ما يحتاجه فى هذه المرحلة الدقيقة، مصحوبا بمردودات مادية سخية تساعد على الاستمرار.

الصدامات المسلحة الراهنة، تؤكد سقوط مشروع العميد باولو سيرا، المستشار العسكرى للأمم المتحدة، الذى قام بوضع خطة أمنية صارمة لهندسة الأوضاع فى طرابلس وضمان التحكم فيها، من خلال الاعتماد على عدد من الميليشيات الرئيسية.

منذ ذلك الوقت ترسخت عملية اختطاف طرابلس من جانب ميليشيات تحكمت فى غالبية المؤسسات الرسمية، وتعاملت معها الأخيرة لاحقا، بما فيها فايز السراج رئيس حكومة الوفاق، وخالد المشرى رئيس مجلس الدولة، على أنها الآمر الناهى فى العاصمة، وجرى ترضيتها بإغداق الأموال عليها من المصرف المركزى الليبى لضمان عدم غدرها، فهى معروفة بتنقلاتها السريعة وتغير ولاءاتها من معسكر لآخر.

المعارك الراهنة تشير إلى تغير مواقف بعض القوى الدولية، فإيطاليا التى تخوض حربا سياسية ضارية فى مواجهة التحركات الفرنسية، تكاد تسحب البساط من تحت أقدام السراج، بعد تيقنها من اختلال ميزان الصراع لمصلحة القوات التى غارت على طرابلس، وتدهور الهيكل الأمنى الذى اعتمدت عليه طويلا، وغموض مصير الميليشيات التى حظيت برضاها لضبط الأمن بالطريقة التى تريدها، ما جعل بعض الأصوات الحزبية فى روما ترتفع مطالبة الحكومة بعمليات عسكرية فى طرابلس لضمان استمرار النفوذ.

فى المقابل، ترى باريس أن ما يجرى يدعم رؤيتها التى طرحتها فى المؤتمر الذى عقد فى 29 مايو الماضي، بحضور قيادات رئيسية على الساحة الليبية، بخصوص أهمية إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى 10 ديسمبر المقبل، لأن التدهور سوف يزيد الأمور تعقيدا، ويضع المبادرة الفرنسية على المحك.

لذلك أصبحت باريس قلقة من سقوط حكومة السراج فى وقت لم تستعد فيه لمواجهة المرحلة التالية، مما يجعلها تحاول القبول به على مضض، خوفا من الوقوع فى فراغ سياسى جديد، قد يكون من الصعوبة إيجاد من يملؤه ولو شكليا، فتواجه مبادرتها، المتحفظ عليها أصلا من جانب إيطاليا وبعض القوى الإقليمية، المزيد من العراقيل السياسية وربما دفنها مبكرا. الواضح أن انشغال الأطراف السياسية والعسكرية بتكتيل التحالفات والدخول فى معارك جانبية، منح فرصة لعناصر محسوبة على النظام القديم للتحالف مع عناصر إسلامية، وتكوين قوة مسلحة لحسم الأمر لمصلحتها، وإنهاء أسطورة سيطرة الميليشيات التقليدية على طرابلس.

الحاصل أن القوة المعروفة بـ اللواء السابع - مشاة القادمة من ترهونة، على بعد 70 كيلو مترا من طرابلس، واقتحمت العاصمة من جهة الجنوب، ترمى للعودة إلى الفكرة التى ظهرت ملامحها فى مؤتمر داكار فى مايو الماضي، عندما ضم أطيافا من النظام القديم وإسلاميين.

المشكلة تكمن فى الخطوات التالية لعودة تحالف من هذا النوع إلى الواجهة، لأنه سوف يقلب التوازنات الراهنة ويفرض إعادة النظر فى القواعد التى انطلقت منها، ويؤدى إلى خلط أوراق قوى محلية ارتاحت لسلطة الميليشيات وخبرت آليات التعامل معها، واتخذت منها بديلا عن المكونات النظامية، كما أن قوى إقليمية ودولية سوف تعيد حساباتها فى الأزمة بناء على ما تسفر عنه التطورات اللاحقة.

التحركات التى يسير على هديها اللواء السابع تنم عن ثقة شديدة فى قدراته العسكرية وحنكة فى تصوراته السياسية، وأن هناك جهات تقف خلفه وتدعمه، أو على الأقل مرتاحة لتقدمه المفاجئ، أملا فى إعادة ترتيب المشهد بما يناسب تحالف إسلاميين مع بقايا نظام القذافى الذين ناصروا ثورة فبراير 2011.

هى خطوة قد تغضب دوائر عدة، لأنها سوف تكون محملة برواسب الماضى ومرارات الحاضر، وقد تغلب عليها تصفية الحسابات، مما يعيد الأمور إلى مربع أشد قتامة، وربما تتجاوز حدود الهشاشة المطلوبة لفرض حل سياسى مناسب، فالصراع قد يستغرق وقتا أطول، إذا بقى المجتمع الدولى يتظاهر بالمتابعة فقط، وإذا تعثر اللواء السابع وأخفق فى إحكام سيطرته العسكرية.

من المستبعد قيام أطراف عسكرية، مثل القوات الأمريكية العاملة فى إفريقيا المعروفة بـ أفريكوم أو قوات حلف شمال الأطلسى (ناتو)، بشن ضربات عسكرية مكثفة لوقف الزحف ومنع تقدم أصحابه نحو قلب طرابلس، لأن هناك قوى غربية تجد فى المعمعمة المسلحة الراهنة حلا لبعض المشكلات التى منعت تنفيذ مقارباتها السياسية، وتنتظر هدوء الغبار لتحديد موضع خطواتها المقبلة.

الميليشيات المختلفة التى تصر على التمترس فى طرابلس ومن طوقوها، ودخلوا فى معارك استنزاف كبيرة، جعلت البعض يرى أن الفرصة مهيأة لتقدم قوات الجيش الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر تجاه العاصمة والسيطرة على مفاصلها الرئيسية.

تسويق هذا النوع من التقديرات، قد يكون حقا يُراد به باطل، لأن دخول قوات الجيش قبل اكتمال توحيد صفوف المؤسسة العسكرية تحت قيادة موحدة معناه الالتحام مع ميليشيات مسعورة تقاتل معركتها الأخيرة، ومعناه أيضا التعجيل بحدوث انتكاسة تؤدى إلى ضعف جميع الأطراف، بما فيها الجيش الوطني، مع أن هناك فرصة لاستكمال خطوات توحيد المؤسسة العسكرية التى تتبناها مصر منذ فترة.

ما يحدث من تطورات متلاحقة لا يزال يلفه قدر من الغموض، ومن السابق لأوانه القطع بمصيره عسكريا أو سياسيا، لأن لعبة التوازنات دقيقة ومتغيرة، وبها أشياء قليلة معروفة وأخرى كثيرة مجهولة، ومن الضرورى أن تصمت أصوات المدافع كى تتكشف خيوط اللعبة، ويتم معرفة بداياتها ونهاياتها المنتظرة.

خذ عندك مثلا، عملية السيطرة على مطار طرابلس الدولى (كان يسمى العالمى أيام القذافي) كان متوقعا أن يفتتحه السراج قريبا، أصبح من أهم الأهداف التى يريد اللواء السابع القادم من ترهونة السيطرة عليها، وجاء الدخول من بوابة جنوب العاصمة مقصودا لسهولة الوصول إليه، من خلال مساعدة سكان هذه المنطقة الذين تعود أصولهم لمنطقة ترهونة التى تعد المفتاح التاريخى للسيطرة على العاصمة الليبية.

سوف تستمر معارك طرابلس، حتى لو أحكم اللواء السابع سيطرته على مقاليدها، فلابد أن يفيق المجتمع الدولى ويدرك أن الأزمة لها جوانب ربما تحرق أصابع ومصالح قوى كثيرة، كانت تتصور أنها تمسك بتلابيبها ولن تستطيع أى قوة زحزحتها.


لمزيد من مقالات ◀ محمد أبوالفضل

رابط دائم: