الجمعة 20 من ذي الحجة 1439 هــ 31 أغسطس 2018 السنة 143 العدد 48115

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طريق الحرير الصينى وطريق مصر

وأنا في طريقي إلي الصين كانت الصور تتلاحق في ذهني عن هذه الدولة التي لا تكف عن إدهاش العالم منذ حضارتها القديمة التي تعد واحدة من أقدم حضارات العالم، والتي شكلت إمبراطورية واسعة علي حوض النهر الأصفر قبل نحو 6 آلاف سنة، وضمت أقاليم واسعة في جنوب شرق آسيا، تجمع 55 عرقا تركت لنا إرثا كبيرا في الفنون والعمارة والموسيقي والفلسفة والطب ورياضة الدفاع عن النفس، والمأكولات الصينية والحرير. مازلنا نسمي الخزف باسم «الصيني» ومازال اسم الصين مرتبطا في أذهاننا برمز التنين الذهبي الطائر الذي ينفث النار والذي أصبح رمزا للإمبراطورية الصينية في مطلع القرن الثامن عشر، لكن الإمبراطورية العظيمة تعرضت للأفول والأزمات ومرت بالحرب اليابانية الأولي والثانية حتي تحررت عقب الحرب العالمية الثانية من الاستعمار الياباني، لكنها تعرضت لحرب أهلية طويلة بين القوميين «الكومينتانج» والشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ، وماكادت تنتهي الحرب الأهلية بانتصار الشيوعيين حتي تعرضت لمجاعات ثم خاضت الحرب الكورية، لكنها استطاعت أن تنهض بعزيمة شعبها وتضحياته لتصبح أعلي بلدان العالم في معدل النمو بل أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر فائض تجاري، وأكبر دائن، وغزت العالم كله بصناعاتها.

رحلة طويلة قطعتها الصين لكي تدشن مرحلة أخري ليست للصين وحدها بل للعالم كله بمشروعها الأضخم في تاريخ البشرية، وهو مشروع «الحزام والطريق» الذي يقوم علي تحديث فكرة «طريق الحرير» القديم الذي كان يمتد من الصين إلي أوروبا لتبادل الحرير والبهارات من الشرق بمنتجات من أوروبا وحوض البحر المتوسط، لكن مشروع «الحزام والطريق» أكثر عصرية وضخامة، ويغير خريطة العالم بشق طريقين، أحدهما بري ويمتد من الصين إلي آسيا الوسطي حتي البحر المتوسط وأوروبا، والثاني خطوط بحرية تمر بمجمعات تجارية وصناعية ومناطق حرة، وتراه الصين يخدم معظم البشرية ويقوم علي تنمية عدد كبير من المناطق، ولا يقتصر علي 68 دولة تمر بها الطرق والخطوط البحرية وإنما سينعش التجارة العالمية ويرفع معدلات النمو، وقالت عنه صحيفة الجارديان البريطانية إنه يقدم الصين كدولة محبة للسلام تستهدف أن تحل السفن المحملة بالذهب مكان البوارج الحربية والمدافع. وقال الرئيس الصيني شي جين بينج إن الصين خصصت 900 مليار دولار للمشروع الذي يرفع مستوى معيشة 70% من سكان العالم، لكن المشروع لا يخلو من قلق يعترى بعض الدول المنافسة والمتخوفة من الصعود الصيني السريع التي تري أن «الحزام والطريق» سوف يغرق البلدان بالديون الصينية التي سيكون علي كل دولة يمر بها أن تسدد تكلفة البنية الأساسية للجزء المقام علي أراضيها، لكن الحكومة الصينية تقول إن دراسات الجدوي الدقيقة للمشروع تؤكد أن الفوائد التي ستجنيها الدول تفوق بكثير أي نفقات، كما أن الحكومة والبنوك الصينية ستراعي ألا تثقل كاهل أي دولة.

كان أكثر ما يشغل ذهني هو تأثير مشروع «الحزام والطريق» علي مصر خصوصا قناة السويس، لكن ما قرأته أن الطريق البري الذي سيربط شرق آسيا بأوروبا ودول حوض البحر المتوسط قد يكون له بعض الأضرار علي القناة، لكن في الوقت نفسه فإن الطريق الملاحي وما يستهدفه من رفع معدل التجارة البينية العالمية سوف يفيد قناة السويس بوصفها أحد أهم الممرات الملاحية التي تربط آسيا بأوروبا.

لكن تظل التجربة الصينية في التنمية تثير شغفنا بمعرفة طريق نجاحها، ونقل دولة لم تكن تعتمد إلا علي الزراعة وكانت مثقلة بمشكلات ضخمة مثل عدد السكان الكبير، وانتشار الفقر ومخدر الأفيون والمجاعات والحروب لتنتقل من دول الجنوب الفقيرة إلي مقدمة القوي الاقتصادية العالمية وهي تجربة تهمنا كثيرا، لأنها جديرة بأن تلهم الكثير من البلدان، خصوصا أنها حققت معدلات تنمية غير مسبوقة في العالم، وأصبحت أكبر دائن للولايات المتحدة، وتضع نصب عينيها توسيع تعاونها مع إفريقيا ودول الشرق الأوسط، وفي القلب منها مصر التي تشق هي الأخري طريقا طموحا للتنمية، وها هي تنجز أكبر شبكات الطرق في تاريخها التي توسع من المساحة المأهولة أضعافا مضاعفة من أقصي جنوب الصعيد إلي الساحل الشمالي ثم الأنفاق التي تربط سيناء بباقي محافظات مصر، وحولها تنشئ المجمعات الصناعية والمناطق الاستثمارية، فإذا كانت الصين تمضي بطريقها فإن مصر تمضي أيضا في طريق التنمية، وتأمل في التقاء الطرق التي تبني وتعمر وترفع مستوي المعيشة وتحمل الخير للعالم بدلا من الحرب.


لمزيد من مقالات بقلم ــ عـــلاء ثابت

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة