الجمعة 21 من ذي القعدة 1439 هــ 3 أغسطس 2018 السنة 142 العدد 48087

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

القضاء ودوره فى تطبيق الشريعة

يُعتبر القضاء وظيفة أساسية في أي مجتمع إنساني، وهو وسيلة لتحقيق أسمى القيم في المجتمعات؛ نظرًا إلى طبيعة اختصاصه ومهامه الجسيمة التي يتحقق من خلالها وجود العدل وردع الخارجين عن النظام العام والوفاء بالحقوق. ويتلخَّص معنى القضاء في نظر الفقهاء في تحقق القائم بصفة القضاء بالفصل في الخصومات وأن يترتب على ذلك نفوذ حكمه القضائي؛ ولذا كان القضاء فرض عين في حق ولي الأمر أو من يقوم مقامه من أهل الخبرة والاختصاص.

ولا ريب فى أن القضاء العادل قد تبلور إطاره العام منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال الأدلة الشرعيَّة، والأحكام الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم التي حكم فيها بنفسه، وما صدر عن صحابته الكرام الذين كان يبعثهم إلى البلاد والقبائل، وقد عدَّ بعضهم ممن قام بهذه الوظيفة الشريفة: ستة عشر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين، أشهرهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري.

ومن ثَمَّ تبرز ماهية وظيفة القضاء ومنزلته السامية ودوره الأصيل في تطبيق أحكام الشريعة الإسلاميَّة في واقعات الناس وخصوماتهم، مع اهتمام كبير بتنظيمها وتفصيل جوانبها الإجرائية اللازمة: كالقواعد المختصة بالنظر في الدعاوى وطرق إثباتها ونفيها، وضوابط الشهادات والقرائن والبينات، وضمانات حياد القاضي وتجرده عن أي تأثير.

ونجد في تجارب المسلمين المعاصرة في بناء دولهم الاستفادة من وظيفة القضاء في قضية تطبيق الشريعة وتطوير ذلك بهدف ضبط حركة المجتمع وفق أحكام الشرع الشريف، بداية من مرحلة التقنين، ومرورًا بتولية وتأهيل ومتابعة أهل الخبرة المجازين بدراسة القانون والشريعة الإسلاميَّة، وذلك بعد استيفاء وزارة العدل - لأنها جهة الاختصاص - الشروط المطلوبة، ثم تحديد الدائرة الصالحة التي ستكون ولاية عمله، مع قضاء مدة يتم فيها التدريب العملي على نظام السير القضائي وإجراءاته، ونهاية بترتيب درجات التقاضي من ابتدائيٍّ واستئنافيٍّ ونقضٍّ.

ويمارس القضاء دورًا رقابيًّا كبيرًا على قطاعات مهمة من السلطة التنفيذية ويتمثل ذلك حديثًا فيما يسمى القضاء الإداري وهو تطوير لما كان يسمى قديمًا ولاية المظالم، كما يُعاون القضاء السلطة التنفيذية متمثلة في وزارة الداخلية على تحقيق رسالته السامية من إحضار المتهمين والخصوم والمحافظة على النظام القضائي للجلسة واحترام هيبة القضاء وتنظيم الأدوار خاصة عند تعدد المتخاصمين.

كما تقوم النيابة العامة وهي هيئة متخصصة تمثل المجتمع وتنوب عنه في إقامة الدعاوى العامة ومباشرة إجراءاتها أمام المحاكم والجهات المختصة حتى صدور حكم نهائي بات بخصوصها سواء كان بالبراءة أو بالإدانة، ولا يخفى أن ذلك يتيح فرصة الاستعانة بأهل الخبرة أمام من يعجزون عن تحمل تكاليف الدعاوى وإجراءات الحصول على الحقوق المتنازع فيها، وهذا من قبيل تحقيق المصلحة العامة للمجتمع التي هي مسئولية رئيس الدولة؛ فضلا عن اتساقه مع مقاصد الإسلام وأصوله.

كما يستشير القاضي أهل الاختصاص والخبرة كلما دعت إلى ذلك طبيعة الدعوى أو ظروف العمل أو مشكلات التقاضي، سواء كانت خبرتهم في الأمور الطبية أو المساحية أو التجارية أو الصناعية أو الزراعية إلى آخر ما هنالك، كما يرجع في استيضاح الأحكام الشرعيَّة إلى دار الإفتاء المصرية، ويحيل وجوبًا قضايا الإعدام إلى فضيلة المفتي؛ طبقا للتنظيمات القانونية والإدارية التي تقصر أعمال الفتوى سواء للحكومة أو للأفراد وللهيئات على مفتي الديار المصرية.

وبذلك فالقضاء مرتكز أصيل في تجارب بلاد المسلمين المنضبطة شرعًا في مسألة تطبيق أحكام الشريعة في واقع الناس مع مراعاة تغير الزمان؛ لأنه أهم وسيلة للربط بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي على جهة اللزوم عند النظر والفصل في أي خصومة، وهي حاصلة في النظام القضائي الحديث بهيئاته المتنوعة التي اقتضتها أسمى القيم في الأديان والمجتمعات وهي قيمة العدل، وقد شهدت بها تجارب الأمم الإنسانية المتعاقبة.


لمزيد من مقالات د.شوقى علام مفتى الجمهورية

رابط دائم: